التطبيع العربي مع إسرائيل….المسار والوجهة

إسطنبول / إحسان الفقيه / الأناضول

اللقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين عرب تعكس رغبة من الطرفين لرؤية علاقات بين العرب والإسرائيليين تُنهي حالة “العداء” بينهما دون أن يكون الفلسطينيون جزءا منها، بعد ترسيخ واقع عزل المسار الفلسطيني عن المسار العربي؛ والقبول بإدماج إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط كقوة فاعلة.

يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، منذ عدة سنوات دون إفصاح عن تفاصيل تحسن العلاقات مع بعض الدول العربية التي تشترك مع إسرائيل في اعتبار إيران عدوا مشتركا، وحاجة هذه الدول العربية للتعاون مع إسرائيل في مجالات التقنيات والمسائل الأمنية وغيرها.

كما يتحدث مسؤولون إسرائيليون عن إمكانية تعاون إسرائيلي واسع النطاق مع دول الخليج العربية في مجالات التقنيات وتحلية المياه والزراعة والطب وغيرها.

وتجد إسرائيل أن هناك مصالح مشتركة مع دول الخليج وفرصًا لتسويق التقنيات الإسرائيلية المتقدمة في مجالات شتى، إلى جانب رؤية خليجية سادت بعد حرب اليمن وتوقيع اتفاقية الملف النووي الإيراني عام 2015 بشراكة خليجية (جزئية) إسرائيلية في مواجهة التهديدات الإيرانية، سواء على ممرات نقل الطاقة، أو في اليمن والعراق وسوريا.

وجود “دولة” إسرائيل، في العقل السياسي للمسؤولين العرب، بات بحكم الأمر الواقع بشكلها الحالي وجغرافيتها التي تمتد على مساحات من الأراضي المحتلة منذ أكثر من سبعة عقود، وهي لاعب مؤثر في الإقليم كأي دولة أخرى.

تآكلت مركزية الصراع العربي الإسرائيلي، من وجهة نظر الحكومات العربية، بشكل تدريجي إلى حصر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ما أدى إلى استبعاد الصراع من قائمة أولويات السياسات الخارجية للأنظمة العربية التي تراجع موقفها في تبني قرارات أو مواقف حازمة ردا على مواقف الدول الأخرى، مثل الموقف من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.

وينقسم الشارع العربي في نظرته للتطبيع مع إسرائيل إلى تيارين اثنين، الأول يمثل المحور السعودي، وهو رافض للتطبيع إلا وفق شروط استعادة الفلسطينيين لكامل حقوقهم التاريخية في أراضيهم المحتلة، غير أنه لم يعد مؤمنا بالمقاومة المسلحة كسبيل لتحرير كل فلسطين.

أما التيار الثاني، فهو تيار يغلب عليه تبني خطاب المحور الإيراني في المنطقة ممثلا بإيران وحزب الله وجماعة الحوثي والحشد الشعبي العراقي وجماعات وحركات أخرى تدعمها إيران؛ إلا أنه خطاب “انتقائي” يعتمد في رد فعله على الخطوات التطبيعية على عمق العلاقات بين إيران والدول الأخرى، ومنها سلطنة عُمان التي لم تواجه خطوتها باستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بحملة إعلامية إيرانية مضادة (حيث تحتفظ مسقط وطهران بعلاقات طيبة) خلافا لخطوات تطبيعية أقل حدة حظيت بتغطيات واسعة، ومنها استضافة دولة الإمارات لوزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي مع وفد رياضي.

يعتقد التيار الثاني، أي تيار المحور الإيراني، من خلال قراءة اتجاهات الرأي العام التي يعكسها خطاب المحور الإيراني، أن عملية التطبيع مع إسرائيل تعود في أساسها إلى بناء تحالف إسرائيلي عربي يستهدف مواجهة التهديدات الإيرانية وتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة بالمقام الأول، وهي جزء من مخطط أمريكي إسرائيلي سعودي لمناهضة إيران.

وتلقى المعالجة العسكرية الإسرائيلية للوجود الإيراني في سوريا ترحيبا وقبولا، بل تأييدا، من معظم الدول العربية، الخليجية تحديدا.

سيكون مهما لإسرائيل وأمنها تشكيل تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي “الناتو العربي” لتمكين القدرات الدفاعية لدول الخليج العربية الست والأردن ومصر، والتصدي للتهديدات الإيرانية لهذه الدول وللملاحة الدولية عبر مضيق هرمز في الخليج العربي ومضيق باب المندب في البحر الأحمر.

لا شك أن إسرائيل حاضرة بشكل أو بآخر في بناء تحالف “الناتو العربي” على الرغم من غياب أي إشارة رسمية إلى دور إسرائيلي في هذا التحالف المنتظر ولادته مطلع العام 2019 ما لم تحل دون ذلك تداعيات أزمتي العلاقات بين قطر والدول الأربع في التحالف (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، وأزمة مقتل جمال خاشقجي وتداعياتها على العلاقات الأمريكية السعودية.

لم تعد عملية السلام العربي الإسرائيلي تعني الدول العربية إلا بالقدر الذي تعتقد هذه الدول أنها ضرورات لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة لتجنب الحروب العسكرية.

ويجد المطبعون مساحة من التسويق للتطبيع العربي الإسرائيلي بإبراز التهديدات الإيرانية إلى الواجهة وترويج الاعتقاد بشراكة عربية إسرائيلية في مواجهة الخطر الإيراني “المشترك”.

وإذا كانت التهديدات الإيرانية “المفترضة” على كل من إسرائيل وبعض الدول الخليجية من بين أهم المشتركات بينهما، فإن بعض ما يمكن أن يكون من أهداف زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سلطنة عمان ما يمكن أن تلعبه السلطنة من أدوار في تخفيف حدة التوترات بين إسرائيل وإيران.

ويمكن القول إجمالا أنه خلافا للمواقف الرسمية العربية “الخجولة”، لا يزال الشارع العربي في معظمه يرفض أي شكل من أشكال التطبيع العربي الإسرائيلي قبل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية في فلسطين.

وعكست ردود الفعل الرسمية، والشعبية إلى حد ما، على زيارة بنيامين نتنياهو لسلطنة عمان واقع تقبّل نسبي لعلاقات عربية إسرائيلية، من المرجح أن تزداد مساحته مع شيوع حالة الخلافات بين الدول العربية في المنطقة.

لا تزال عملية التطبيع الإسرائيلي الخليجي تعتمد مسارات عدة يمكن لخطوات سعودية بهذا الاتجاه أن تعمل على توحيد تلك المسارات في مسار واحد يفرضه واقع الثقل الذي تشكله سياسات المملكة في منظومة مجلس التعاون الخليجي، وفي المحيط العربي عموما.

قد تلعب المتاعب التي تسببت بها قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي أدوارا في تقارب سعودي إسرائيلي في سياق مبادرة السلام الشاملة التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويشرف عليها جاريد كونشير الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع ولي العهد السعودي، والذي يحوز على المساحة الأكبر من القرار السعودي، فيما تدور حوله شبهات بضلوعه المباشر بمقتل خاشقجي وحراك واسع النطاق داخل مجلسي النواب والشيوخ ودوائر أمريكية أخرى لفرض عقوبات عليه شخصيا وعلى الدولة السعودية.

من المرجح أن تواصل إسرائيل عملية بناء علاقات مع دول عربية وخليجية خارج إطار العلاقات الرسمية المعلنة على مستوى التمثيل الدبلوماسي المتبادل، والاكتفاء بعلاقات تعتمد على احتمالات ردود أفعال الشارع المحلي في هذه الدول لتتراوح بين سرية مع دول، وشبه علنية مع أخرى، وعلنية مع دول ثالثة.

ولا تزال الخطوات العربية باتجاه التطبيع بين أنظمة الحكم وإسرائيل تتخذ مسارا معزولا عن مسار السلام الشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو مسار بات منفردا عن المسار العربي الإسرائيلي على العكس من مراحل سابقة ظلت الحقوق الفلسطينية واستعادة الفلسطينيين لأراضيهم المحتلة وفق المبادرة العربية للسلام هو معيار العلاقات بين تلك الدول وإسرائيل.

أدت الصراعات الداخلية والأزمات السياسية إلى جانب غياب التنسيق بين الدول العربية وتراجع مستوى العلاقات الثنائية بين معظم هذه الدول، إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وتحويل السلام من سلام عربي إسرائيلي شامل إلى سلام فلسطيني إسرائيلي مع اتجاه نحو بناء علاقات عربية إسرائيلية لا ترتبط بتطورات عملية السلام بين العرب وإسرائيل، في مراحل سابقة، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المرحلة الراهنة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here