د. حسن النوري: التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي خيانة لحقوق الشعب الفلسطيني ونقلة خطيرة من معادلة السلام مقابل إعادة الأراضي إلى السلام مقابل لا شيء

د. حسن النوري

إنّ وصف التطبيع بين الإمارات وإسرائيل بأنه اتفاق تاريخي، فيه نوع من التضليل وتمويه للحقائق. فهذا التطبيع كان موجودا بشكل سري في السنوات الماضية، وتحوّل إلى تحركات علنية خلال العامين الماضين من خلال الزيارات المتبادلة بين الوفود العسكرية والرياضية والطبية التابعة لكل من الإمارات واسرائيل. إنّ الحدث التاريخي الذي حدث، هو المجاهرة بهذا التطبيع، والخيانة الإماراتية التي استغلّت القضية الفلسطينية لانقاذ نتنياهو من المشاكل الداخلية التي يواجهها (من قضايا الفساد وجائحة كورونا والمظاهرات المطالبة بإسقاطه)، وتقديم هدية مجانية للرئيس ترامب في محاولة للتأثير وإغناء فرصه بتجديد انتخابه مرة أخرى في نوفمبر المقبل.

يطل ولي العهد الإماراتي من على منصة تويتر ليعطي الإشارة لوسائل الإعلام للتمسك بحجة واهية للتطبيع. حيث يقول بن زايد: “في اتصالي الهاتفي اليوم مع الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، تم الاتفاق على إيقاف ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية. كما اتفقت الإمارات وإسرائيل على وضع خارطة طريق نحو تدشين التعاون المشترك وصولا الى علاقات ثنائية”. لتبدأ وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية بتصوير أبو ظبي على أنها الضحية التي ضحت من أجل الفلسطينيين، ووافقت على التطبيع من أجل إيقاف ضم الضفة الغربية للأراضي الإسرائيلية.

لم تمضي دقائق حتى كذّب نتنياهو كل ما جاء به ولي عهد أبو ظبي “المُطبّع”، حيث قال نتنياهو بأنّ خطط الضم تمّ تأجيلها فقط، وهي لا تزال على الطاولة. فماذا حقق بن زايد للفلسطينيين؟

لا شيء، الجواب هو لا شيء سوى الكذب ومحاولة الضحك على اللحى. يجب القول بأن ضم الضفة العربية إلى اسرائيل كان متوقفا منذ فترة بسبب عدم إعطاء الضوء الأخضر من قبل الولايات المتحدة، وبسبب الرفض الشديد لهذا الضم من ناحية أوربا، ناهيك عن الرفض الواسع النطاق لهذا الضم في الداخل الإسرائيلي، وخصوصا لشركاء نتنياهو في الحكومة الإسرائيلية “أبيض أزرق”. كما أثارت مخاوف الضم، الشعب الاسرائيلي لدرجة النزول إلى الشارع والمطالبة بإيقاف هذا الضم، لإن في مثل هذه الخطوة تعريض لحياة الإسرائيليين للخطر.

بحث بن زايد عن مبرر لهذا التطبيع، يمنحه للشعوب العربية الرافضة للتطبيع وهي لعبة مكشوفة وخبيثة. اليوم لا مكان للغة الدبلوماسية، إنّ ما قامت به الإمارات يشكّل طعنة في الظهر لكل الدول العربية الرافضة للتطبيع، ويشكل طعنة للأردن الذي يواجه مشاكل حادة إذا ما تمّ ضم الضفة الغربية إلى اسرائيل، وهو قبل وكل شيء خيانة للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.

من جهة أخرى، إذا ما قرر أحد التفلسف والقول بأنّ التطبيع هو شأن اماراتي داخلي. فالجواب هو إنّ هذا التطبيع ليس شأناً داخلياً أبدا، فلطالما ركبت هذه الدول موجة القضية الفلسطينية لتحقيق أهداف اقليمية ودولية. والأخطر من ذلك هو ما جاء على لسان نتنياهو وهو بأنّ المعادلات تغيرت اليوم، ففي السابق كان يتم السلام مقابل إعادة الأراضي للفلسطينيين، أما اليوم فالتطبيع والسلام جاء دون تقديم أي امتيازات، وما جاء بهذا الإعلان لا يتضمن منح أي حقوق للشعب الفلسطيني.

إنّ ما قامت به الإمارات هو بيع القضية الفلسطينية بثمن بخس، فاليوم يتباهى نتنياهو بأنه أنجز عملية السلام مع دولة عربية دون الاعتراف حتى بدولة فلسطينية.

إذاً، وبعد التطبيع، هل ستنتهي القضية الفلسطينية؟ وهل سنستسلم لاسرائيل؟

حتى وإن كنّا ننظر إلى الخطوة الإماراتية على أنها طعنة في الظهر، وأنها خيانة لا تغتفر. لكن يجب القول إن الإمارات لم تقدم للقضية الفلسطينية أي شيء يُذكر في الواقع العملي، منذ مطالبة الشعب الفلسطيني للحقوق المشروعة. لذلك فالتطبيع الإماراتي-الإسرائيلي لن يؤثر على حقوق الشعب المشروعة ونضال الشعب الفلسطيني. ولا ننسى الثورات المضادة التي قادتها الإمارات لتقويض الربيع العربي والدفع بدول المنطقة إلى الفوضى. من الناحية العربية، اليوم هو يوم مواقف صريحة وواضحة من هذه الخطوة، فجامعة الدول العربية “النائمة” عليها سحب المبادرة العربية (التي كانت تدعو للعودة إلى حدود 1967)، واتخاذ الدول العربية مواقف واضحة ومنددة لهذه الخطوة. أما الدول العربية التي تحدث عنها نتنياهو فهي معروفة للجميع وعليها إظهار خيانتها للشعوب العربية إلى العلن كما فعلت الإمارات.

داخلياً، السلطة الفلسطينية وحركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي وكل فصائل المقاومة الفلسطينية مكلفون بالدعوة إلى الوحدة في مواجهة العدو الإسرائيلي. وعلى القوى الداخلية في فلسطين تنسيق الجهود مع الدول الصديقة الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني المظلوم والتي بذلت الغالي والنفيس في سبيل دعم الشعب الفلطسيني كإيران، وتركيا، وسوريا، ولبنان، الجزائر وحزب الله وكل من دعم حقوق الشعب الفلسطيني. لإن اليوم كان يوماً مهما للغاية في تحديد الصديق من العدو. وستنتصر ثورة الشعب الفلسطيني رغم كل خيانة.

أستاذ العلاقات الدولية والشؤون الخارجية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. تحیة للدكتور حسن النوري على هذه المقالة والموت للخونة بائعي القضية الفلسطينية ثابري والى الأمام رأي اليوم

  2. بالفعل لم أقرأ مثل هذا التحليل العميق للعلاقات الإماراتية- الإسرائيلية نشكر رأي اليوم على نشر مثل هذه المقالات العلمية الجيدة جدا من متخصصين مثل الدكتور حسن النوري شكرا لكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here