د. سميرة شمعاوي: التطبيع إذلال وخراب

د. سميرة شمعاوي

إن ماآلت إليه أوضاع الأمة العربية من خراب ودمار وتشريد وتجويع وتهجير للشعوب وقتل للشباب والكهول والأطفال والنساء والرجال، خلق حالة من اليأس في أوساط جميع الفئات وخاصة فئة الشباب التي لم تعد قادرة على التحمل، فبدأت تبحث عن منافذ لإنقاذ نفسها حتى وإن كلفها ذلك المغامرة بحياتها. فاللبنانيون والسوريون والعراقيون والمصريون… أصبحوا يفضلون قوارب الموت على البقاء في بلدانهم، التي كانوا يأملون خيرا في انتفاضاتها التي بدأت عام 2011، لكنهم بعد تسع سنوات من الثورات، ازدادت  الأوضاع في العالم العربي سوءا وتوارى بصيص الأمل الذي ظهر سابقا.

إن حالة اليأس العميق التي يعيشها المواطن العربي اشتغلت عليها جهات كثيرة ونافذة، نذكر منها الإعلام  الصهيوني والغربي، الذي كان يحط من قيمة المواطن العربي في وسائله الإعلامية، ويرسم صورة للعربي باعتباره إنسانا  جاهلا أرعن وأعرابي … وانتشرت هذه الصورة في العالم أجمع حتى أضحى قتل ملايين العرب والمسلمين في الحروب وتهجيرهم من بلدانهم لايحرك ساكنا. وحتى المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية… كشفت عن زيفها وأنها وجدت لخدمة المصالح الغربية، وتلك التي تحافظ على هويتها الإنسانية، تتعرض لضغوطات سياسية ومالية خانقة تحرفها عن نهجها الإنساني.

إن التدخلات الصهيونية والأمريكية في الدول العربية تطال جميع المناحي سواء الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العلمي. فعلى المستوى السياسي، تخلق اضطرابات سياسية تجعل استقرار الدول أمرا صعبا، كما يحدث الآن في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة ولكنه يجمع كل أطراف الصراع العالمي التي تعقد مهمة كل الحكومات المتعاقبة على البلد، لأن الغرب يتدخل في تفاصيل الحياة السياسية ويوجهها وفق مصالحه الخاصة، يساعده على ذلك الحكام الذين ينصبهم ويدعمهم، وإذا زاغوا عن الخط المرسوم لهم، يتم الإطاحة بهم أو قتلهم والتنكيل بهم، كما حدث مع شاه إيران أو صدام حسين أو القذافي…. من الناحية الاقتصادية، الوضع هو أكثر سوءا لأن هذه الدول أصبحت تشكل أسواق للغرب، وسكانها هم عبيد مسخرون للإنتاج، ولذلك، فهم لا يستفيدون من خيرات بلدانهم: فحالة الفقر في العالم العربي مخزية في ظل وجود ثروات وخيرات كفيلة بخلق حالة الاكتفاء الذاتي لجميع شعوبها. ويفسر ذلك بأن الدول الاستعمارية  قد ظلت تحتفظ بغصة خروجها من البلدان الفقيرة تحت ضغط المقاومة، فعادت لكي تنتقم من تلك الشعوب بنهب خيراتها والعمل على إذلالها.

من الناحية الثقافية، عملت   الصهيونية والغرب على تشويه الهوية العربية والإسلامية خلال قرون عديدة مستخدمة كل الوسائل الممكنة بما فيه الدراسات السوسيولوجية والأنثرولوجية والسيكولوجية والتاريخية والدينية… للتعرف على الخصوصيات الثقافية والبحث عن الأساليب الأنجع لتشويهها، وظل العرب يخوضون الحروب الثقافية للدفاع عن هويتهم قرون عديدة، لكن تعميم التكنولوجيا  أحدث شرخا كبيرا وعقد مهمة الحفاظ على الهوية: كمثال على ذلك، يجد الآباء صعوبة كبيرة في تربية أبنائهم على قيم أخلاقية ودينية تحافظ على الهوية العربية الإسلامية…أضف إلى ذلك أن إدخال قيم أخرى مرتبطة بالمكر والمناورة والخداع، كسمات للشخص الذكي والبراغماتي…، وإدخال الشباب في دوامة الانحرافات سواء الجنسية أو الدينية أو الإرتمان في عالم المخدرات والدعارة، تشكل كلها تدخلات سافرة تروم تشويه الهوية العربية. وبالفعل، تعيش الأسر العربية أزمة حقيقية لتربية أبنائها وفق منظور معين، لأن الأنترنيت أصبح يتحكم في الأبناء بشكل سلطوي يتجاوز سلطة الأسر، والصراع مع هذه الأداة الفتاكة -إذا لم تستغل بشكل إيجابي- هو صراع حيوي يهدد البشرية جمعاء، وليس فقط العرب. ويطال تهديده جوهر الإنسانية وهو التفكير الحر والمبدع، في حين نلاحظ أن معظم شبابنا العربي أصبح مستلبا وخاضعا، وقلة قليلة هي التي تستغل الأنترنيت بشكل فعال.

مجال آخر تبرع الصهيونية والغرب في التدخل فيه، وهو المجال العلمي بحيث تبذل قصارى جهدها لكي تحرم الدول العربية من امتلاكها للابتكارات والاختراعات والبحث العلمي، وإذا ظهر بعض  النوابغ في عالمنا العربي، سرعان ما يتم استقطابهم حتى لا تستفيد منهم دولهم، مع تحفيزهم بكل الإغراءات المادية والمهنية التي تضمن استمرارهم في الخدمة. وغالبا ما يكون استقطابهم سهلا بالنظر إلى حالة الإحباط الذي يعيشها شبابنا المبدع نظرا لغياب المغريات في العالم العربي ثم الميزانيات الهزيلة التي تمنح للبحث العلمي ونقص المختبرات ومراكز الأبحاث….وإذا تجرأ أحد علمائنا على عدم الانصياع لمطالبهم، فإنه يتعرض للاغتيال كما حدث للعديد من العلماء في إيران وغيرها.

إن الحديث عن بعض أسباب خراب الدول العربية يؤكد وجود أرضية خصبة للهرولة إلى التطبيع الذي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي ( اتفاقية وادي عربة مع الأردن، اتفاقية كامب ديفيد مع مصر)، بمعنى أن الظروف مواتية للصهيونية العالمية لتوقيع اتفاقيات التطبيع. أولا لأنها ضمنت انبطاح بعض الحكام وعدم جرأتهم على الاعتراض على مشاريعها الجديدة  في الشرق الأوسط، من منطلق ” أن المغلوب مولع بتبعية الغالب” كما قال ابن خلدون.  وثانيا، لأنها تدرك معاناة الشعوب وانشغالها باليومي الذي ازداد مأساة بسبب أزمة كورونا، وانتشار الفقر بشكل كارثي مع فقدان مناصب الشغل وتسريح العمال وتدهور الاقتصادات  التي  تعرف مسبقا أزمة حقيقية، ناهيك عن مشاكل الجانب النفسي، الذي تجسدت من خلال مجموعة من الاضطرابات النفسية والعقلية مثل الانهيار العصبي ومحاولات الانتحار وأنواع الرهاب…، سبب ذلك هو الأزمات المتراكمة واللامتناهية التي يعيشها المواطن العربي منذ عقود. وثالثا، لأنها تعرف بأن النخب الفكرية والثقافية المتنورة والقادرة على التأطير والتنظير أصبحت شبه مفقودة في عالمنا العربي، إلا من بعض الأفراد الأحرار الذين مازالوا يضيئون درب العزة والكرامة والحرية، أما الغالبية العظمى فقد باعت نفسها بالدولار الذي تتقاضاه ثمنا للصمت أو للدعاية للتطبيع والتباهي به.

إذا كان المهرولون نحو التطبيع يعتقدون بأنه سيضمن استمرارهم في الحكم، فهم واهمون، وما عليهم إلا أن يتذكروا مصير كل من سبقهم إليه، حتى يدركوا أن لا أمان في الصهيونية والغرب. فعندما يقول رئيس أكبر دولة في العالم لحاكم عربي ” لولانا لما بقيتم في الحكم أسبوعا واحدا”، فهل هذا الرئيس جدير بالثقة، خاصة أن علاقاته مع الآخرين مبنية على مصالحه لا غير.

وإذا كان المطبعون يراهنون على التطبيع كمدخل لازدهار شعوبهم، فليتأملوا الوضع الاقتصادي الكارثي في الدول المطبعة السابقة، وهي مصر والأردن… وبإمكان دول الخليج أن تنعم بالرخاء والإزهار اعتمادا على ثرواتها وخيراتها وسواعد أبنائها، لا على دولة بنيت على سفك الدماء والدمار والخراب والتشريد…، وسيكون مصيرهم شبيها بمصير الشعب الفلسطيني الذي يعيش أكبر حالة ظلم في تاريخ البشرية.

أما إذا كان الرهان هو الحرب على إيران، وهي دولة الجوار، فليعلموا بأن نار الحرب إذا اجتاحت المنطقة، فستحرق الجميع، وسيعم الخراب دول الخليج كما عم الخراب بلاد الشام، وستحقق الصهيونية العالمية حلمها بالسيطرة على العالم العربي من القدس حتى مكة. فهل سيرضى بعض حكامنا بهذا المصير ويتحملون المسؤولية التاريخية عنه؟

كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. د سميرة المحترمة وبعد:
    رأيكم صحيح لكن الخراب والذل بدأ قبل ذلك فالمشكلة هي بنا بالأساس
    عندما تربينا على القومية العربية وفجأة نكتشف أن القومية العربية ماتت مع بطلها الأول جمال عبد الناصر
    وتجلى ذلك بصورة جلية في سوريا بعد الثورة إذ تقوقعت كل مجموعة حولَ طائفتها أو قبيلتها ورمت العروبة عند أول مَفْرق!!!!

    عندما نكتشف أن حبنا لفلسطين وتبرعاتنا لها تذهب لجيوب قادتها الذين يشترونَ بها طائراتهم الخاصة!!!! ويتركونَ شعبهم جائعاً

    عندما حرمنا بعضَ الذين ينتمون للحضارة العربية الاسلامية مِن الجنسية كالأكراد مثلاً طيلةَ أربعين عاماً وبمجرد قيام الثورة سارعت القيادة لمنحهم الجنسية خوفاً مِن أن يشاركوا بالثورة
    وتناست القيادة الرصينة المثل الشهير
    عليق الغارة خسارة
    فكيفَ لهؤلاء محرومي الجنسية والحقوق المدنية بالأمس أن يكونَ لهم ولاء ل عروبة بلد حرمهم من لغتهم ومن جنسية الأرض التي يعيشون عليها ومن حقوقهم المدنية
    !!!!
    كيفَ لنا أن لا يصيبنا الخراب والذل ونحنُ نعتبر مِن لا ينتمي لطائفتنا أو قبيلتنا أو ديننا هو آخر رغم أننا وإياه جيران وذو أثنية ولغة وتاريخ واحد؟؟؟ ومستقبل واحد

    أما عن الانترنت وثقافتهِ ( رغم أننا لسنا مِن مؤيدي نظرية المؤامرة)فهو موجه للعالم كله وليس للبلاد العربية
    وكأن المطلوب أن يكون هنالكَ جيل واحد فقط يمشي كما تقول لهُ الميديا وكيم كردشيان وغيرهم مِن مَن يختارونَهُ لهذه المهمة
    جيل بلا هوية وبلا ثوابت وبلا ملامح
    جيل مسخ محكوم بنزواتهِ فقط لا غير – مُستعد أن يقتل لأجل وجبة طعام -يستطيعون توجيههُ بسهولة
    والدليل هو جيل الدواعش الذين جُلهم من جيل الألفية

    ولذلك سمُّوا الأجيال التي وُلدَت بعد ال1995 جيل Z
    أي هو آخر جيل
    وبالتالي كل جيل سيأتي بعدهُ سيكون نسخة عنهُ

    الحل هو يبدأ من أنفسنا بالتصالح مع ذاتنا ومع جيراننا واقامة العدالة وعدم التصفيق للطغاة والضرب على يد الفاسد إذما كنا مُستفيدين منهم أو لا

    والعدل أساس المُلك
    عذراً عن الإطالة

  2. تشكري سيدتي على ما تفضلت به, لكن المطبعين من عرب وفلسطينيين هم بمجموعهم أداة من ادوت الصهيونيه وينفذون اوامرها فقط لاغير وليس لديهم الجرأة على النقاش مع أسيادهم ومن زرعوهم في البلاد العربيه لوظيفة محددة وقد حان وقتها وبعدها سينزعونهم بعد ان استنفذوا ادوارهم ويستبدلونهم باخرين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here