التضخيم الاعلامي لفيروس “كورونا” مبالغ فيه.. ولا ينسجم مع المعطيات العلمية.. وبنظرنا فهو مِنْحة في ثوب مِحْنة.. ولكم الأسباب

 

 

د. طارق ليساوي

في مقال الأمس ” أولويات الصين على المدى المنظور ضمان استمرار النمو و التوسع الاقتصادي، وليس تحدي الولايات المتحدة و كسر هيمنتها على العالم..” حللنا موقف الصين و تشابك علاقاتها مع أمريكا، و قلنا أن صعود الصين و إزاحتها للولايات المتحدة، ليس بالأمر السهل فهو ينذر بحرب، لا تقل شراسة وخطورة عن ذلك الصراع الذي نشب في مطلع القرن العشرين بين ألمانيا و بريطانيا على النفوذ، و إنتهى باندلاع الحرب العالمية الأولى، فاليوم أيضا تنظر أمريكا بعين التوجس إلى الصين و العكس صحيح، فكل طرف له القدرة على الإضرار بالأخر ، وهذا الوضع أنشأ توازنا في القوة، فكل طرف يحتاط من الأخر، ويتجنب تجاوز الخطوط الحمراء والإقتراب من نقطة اللاعودة، وهو ما لحظناه في سرعة الرد الرسمي، على خبر إمكانية وجود يد خفية لأمريكا في نشر فيروس كورونا بمدينة “ووهان”.. “وخشية الصين من أمريكا أو العكس نابع من توازن الرعب الذي تم تأسيسه، فكل طرف يملك من مقومات القوة ما يؤهله لردع الطرف الأخر..و ليس من المستبعد أن “فيروس كورونا المستجد” أحد أليات الحرب الباردة بين البلدين، لأن الصدام المباشر مكلف لكلا الطرفين..

وما يدفعنا إلى الشك، هو حالة الهلع والخوف التي تم زرعها في نفوس الصغار قبل الكبار وفي جميع أقطار العالم، مع العلم أن هذا التضخيم الاعلامي للوباء لا ينسجم مع المعطيات التي تفرزها المختبرات العلمية و حالات المصابين الذين تم شفاؤهم من المرض و تبين أن الفيروس إلى حدود الساعة ضحاياه أقل بكثير من ضحايا الأنفلونزا العادية، وضحايا الأمراض الأخرى كالسرطان و الضغط و السكري، بل أقل بكثير من ضحايا حوادث السير التي تحصد في المتوسط قتيل كل 24 ثانية، وسنويا يموت حوالي 3.1 طفل بسبب الجوع تبعا لإحصائيات برنامج الغداء العالمي و أغلبهم في اليمن و الصومال أي في بلدان إسلامية..و بحسب تقرير Human Rights Watch بلغ عدد القتلى منذ إندلاع الحرب في سوريا إلى حدود 2019 أزيد من 511 ألف قتيل، و تقديرات القتلى في حرب اليمن حوالي 70 ألف مابين قتيل و جريح منذ بدء “عاصفة الحزم”..نفس الأمر في ليبيا و فلسطين و بؤر أخرى من العالم العربي و الإسلامي..فلماذا لم يصب المسلمين بحالة من الهلع من عدد الضحايا و النازحين و المشردين، و دمار بلدان بأكملها و إرجاعها إلى ماقبل العصر الحجري؟؟ فلماذا هذا التضخيم المفرط لخطر فيروس كورونا؟ خاصة في عالمنا العربي و الاسلامي؟ و لماذا المسلمين لم يصابوا بنفس حالة الهلع عند تدمير اليمن، و قصف غزة وحصارها ، و الجهود الجارية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، و محاولة تصفية القضية الفلسطينة و التنازل الأبدي عن القدس؟

قد نتفهم حالة الهلع و الخوف لدى مختلف شعوب الأرض و خاصة في البلدان المتقدمة، فالمواطن في هذه البلاد هو السيد، و ثروات البلاد و قدراتها مسخرة لخدمة رفاهيته، مع العلم أن بهذه البلدان هناك أصوات تنبه عموم المواطنين أن ما يحدث هو محاولة لنهب ثروات هذه الشعوب، و تقييد حرية الناس و تقليص خياراتهم،و رأينا ذلك في أمريكا حينما أعلن الرئيس الأمريكي حالة الطوارئ لمواجهة الوباء، نفس الأمر رأيناه في الصين حينما فرضت حجرا على مدن بأكملها..و اليوم في الصين تعود الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي بعد حجر إمتد لنحو شهرين، و في بلد تعداده مليار و نصف نسمة..

أما في بلداننا العربية و الإسلامية فإني أستغرب حالة الخوف المبالغ فيه، و أعتبر ذلك على أنه مخالفة لحقيقة الدين الإسلامي و ابتعاد عن الاخلاق الاسلامية..و أحتج هنا ببلد إسلامي هو ماليزيا، فقد أصابها الوباء كغيرها من البلدان لكن لم يتم خلق حالة من الهلع و الجري المحموم نحو تكديس المنتجات الغدائية و السلع المختلفة ، هناك قدر كبير من الوعي و الانضباط و الاستعداد للتضحية و التعاون و التآزر والتضامن و الإيثار، فهذه القيم و الأخلاق الاسلامية تم افتقادها في عالمنا العربي..

فعندما يتهافت الناس بشكل جنوني لتكديس المواد الغدائية و منتجات النظافة، فذلك يؤدي إلى نذرتها في السوق و ارتفاع أسعارها و هو ما يعني حرمان فئات واسعة من المجتمع بسبب فقرها و عجزها عن دفع ثمن سلع أساسية تم رفع سعرها من قبل مستغلين للفرص و الأزمات، أو نتيجة لضعف المعروض، نعم حفظ النفس من الدين و أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب التفريط في الأخلاق و القيم الإسلامية، أو الاضرار بالغير و كلنا نستحضر قول الرسول الكريم . 🙁 لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً )[رواه الترمذي، وحسنه الألباني].

إن الإيمان بالله تعالى عقيدة مكينة تهب المؤمن الهدوء والصفاء والسكينة، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]. فهو بسبب إيمانه يهتدي ويتأثر سلوكه بحب الله، فلا يصدر منه ما يؤدي أحدا من الناس أبداً..قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ..} [الأحزاب: 70، 71]…فتقوى الله تعالى تدفع الإنسان إلى كل خلق كريم ، و قلب المؤمن ينبغي أن يكون ساحة تسع كل الناس حباً ، ويتمنى أن ينفع كل أُحد، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال 🙁 أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة ، أو يقضي عنه دينا ، أو يطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد ( يعني : مسجد المدينة ) شهرا..)[حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة] .

إن المجتمع الذي يتسم بالحضارة هو المجتمع الذي يملك أفراده صدوراً سليمة وقلوباً نقية ، فالجار يحب الخير لجاره ، والقريب يفرح بالخير لقريبه، و المسلم يحب الخير للمسلم و يتأثر بالضرر و الأذى الذي يلحق به..و للأسف هذه الأخلاق غائبة في عالمنا الاسلام و المواقف الشعبية التي و لدها فيروس كورونا بين أن الخلل في النفوس و العقول.. و صدق رب العالمين عندما قال في محكم كتابه : (لايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

 و البلد الإسلامي يحب الخير للبلد الأخر و هكذا… ولا يحصل ذلك إلا بأن ينقي كل إنسان صدره مما يغضب الله من الحسد ، والأحقاد ، والكبر و الأنانية و الظلم و الإستغلال، وأن يستعين على تحقيق ذلك بالتضرع إلى المعبود سبحانه ليعينه على ذلك ، يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

 فالأخلاق الإسلامية والتي جاءت نصوصها من الكتاب والسنة، وكانت ولا تزال سمات المؤمنين المتقين الصالحين و خُلُق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم) (القلم (4) )،-شبه غائبة- في واقعنا العملي و في إدارتنا للأزمات و الابتلاءات المتتالية، التي لم نستوعب حكمتها و لم نستفد من دروسها بالقدر الكافي و أغفلنا قوله تعالى: { ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة ( 155ــ157) ، و الصبر نهايته إلى خير بإذن الله متى ما احتسب المؤمن بذلك وجه الله تعالى.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..

أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي…أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. في المسائل العلمية الطبية اعتقد ان الكلمة الاولى والاخيرة للمتخصصين لا لاهل السياسة او الدين… اصحاب الاختصاص هم من يقررون .

  2. ” وسنويا يموت حوالي 3.1 * مليون * طفل
    بسبب الجوع طبقاً لإحصائيات برنامج الغذاء
    العالمي وأغلبهم في اليمن و الصومال أي في
    بلدان إسلامية “

  3. صحيح ان الإيمان و اتباع التعاليم من نظافة و تحوط الناس على قاعدة لا ضرر و لا ضرار و قول الحبيب اعقلها و توكل يخفف تفاقم العدوى و لكن التدين وحده لا يمنع المرض هذه سنة الله لا تبديل لها. لذلك أرى في المقال استخفاف بعدوى الكورونا اذا أخذنا في الاعتبار أن نسبة كبيرة من المسلمين ليسوا على هذه الدرجة من الإيمان فما بالك بمجموع الناس على الأرض باختلاف مللهم و اختلاطهم الحاصل فالعدوى سهلة و سريعة الانتشار و الموضوع جد خطير و ليس فقط لأسباب اقتصادية
    او على تسيد العالم كما جاء في المقال. حفظ الله ماليزيا و الدول الإسلامية و كل دول العالم من شر هذا الفيروس و غيره.

  4. الامراض التي ذكرتها يا دكتور والتي ضحاياها تفوق ضحايا كورونا صحيحه ولكن الفرق بينهما هو ان هذه الامراض غير معديه وان كانت معديه مثل الانفلونزا فعدوتها مقيده وتستطيع ان تمارس اعمالك اليوميه بوتيره عاديه واكثر من عاديه بعد يومين او ثلاثه وان لم تشفى منها تماما
    بينما فايروس كورونا يقوم باعطاب المريض عطبا كاملا حتى يشفى منه وعملية انتقاله من مصاب الى اخر غير مصاب سريعة جدا
    مثال
    مدرسه مصاب فيها طالب بفايروس الانفلونزا العاديه فاذا انتقلت العدوه منه الى الاخرين فستكون محدوده للغاية وربما لا تذكره الا اذا عطس بوجهك او سجدت مكان سجوده
    اما فايروس كورونا اذا ما اصيب به طالب واحد يستطيع ان يعطب المدرسه كلها وتصبح غير قابله للعمل لان الجميع سوف يكونون طريحين الفراش اسابيع طويله
    ثانيا
    الخطر لا يكمن في موت المصاب فهذه النتيجه محدوده بالمقارنه مع الامراض الاخرى فلا شك في ذالك
    ولكن الخطر يكمن فيما بعد شفاء المصاب فلعطب الذي يحدثه الفايروس في جسم المريض لا تعود كما كانت قبل الاصابه
    يعني المشاكل الصحيه في الجهاز التنفسي وغيره ما بعد الشفاء تبقى طول حياة الشخص وملازمه له
    كما تشوهات الحروق يشفى المصاب بها ولكن اثارها تبقى ظاهره طول الحياة

  5. .
    الفاضل الدكتور طارق ليساوي ،
    .
    — سيدي ، أخاطبكم بكل احترام وصراحه ،،، دور اهل البحث والمعرفة استنادًا لأسس العقيده هو النصيحه في القضايا الأخلاقية كالصدق والكذب والامانه والسرقه ، حمايه الناس او إيذائهم ،،، في الاتقان والإهمال وكل شان يخص العلاقات الأسرية والاجتماعية والعمل .
    .
    — اما في القضايا الصحيه والتقنية الهندسية فعلى اهل البحث والمعرفة الصمت وأرجاع الامر للمختصين والخبراء بغض النظر عن دينهم او مذهبهم والا التقط الانتهازيون والجهله من متقني الكلام المنابر يروجون لخزعبلات تؤذي الأفراد والمجتمع .
    .
    لكم الشكر والتقدير .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here