التركيبة الأهوائية في رواية “عـذبـة” لصبحي فحماوي

فؤاد عاقل- المغرب

 هواجس عودة مهجَّر:

راهن الروائي “صبحي فحماوي” على سرد قصة ممتعة وجذابة من (34) فصلا لشد انتباه القارئ واستفزاز أفق انتظاره؛ إذ حاول نقل القارئ إلى فترة “انهيار الحدود العربية الإسرائيلية” المتميزة بعودة المهجرين إلى فلسطين، مبرزا رغبة السارد “عماد المنذر” المهجر إلى خارج فلسطين مع عائلته ملاقاة حبيبته “عذبة” ابنة جارهم “أبو العبد”، التي لازالت تعيش داخل الأراضي الفلسطينية ( قرية أم الزينات ). ثم تشعبت القصة الرئيسة، من خلال السرد الاسترجاعي، إلى محكيات صغرى حرصت على نسج حبكة متماسكة تهم قصص جيرانهم في قرية “أم الزينات” إبان الاجتياح الصهيوني لفلسطين فترة 1947-1948( قصة أبو محمود، الشيخ قاسم، جد عذبة أبو محمد، أبوه الحسن منذر، أخوه أبو الخناجر، خاله أبو هاشم،. ..)، إضافة إلى قصص وحكايات أخرى تحكي عن طرق عيش الفلسطينيين داخل المخيمات (مخيم أنصار 7، مخيم أنصار 20، مخيم أنصار 330،…).

زاوج السارد أثناء حكيه لتلك القصص بين الأسلوبين الوصفي والتقريري بإمكانات درامية مميزة موجها الحديث إلى محبوبته موظفا مخيلته وفي “حالة من الهلوسة”، ومستندا على حكي تفاصيل دقيقة من حياة الفلسطينيين؛ سواء منهم الذين هُجروا غصبا أو الذين بقوا في فلسطين؛ حيث نقل مناظر مرعبة مما تعرض له الشعب الفلسطيني من مجازر همجية وقتل وغرائب يتخللها تنكيل وترويع؛ الشيء الذي يجعل من هذه الرواية كتابة تاريخية لماض معاصر مازال يُرخي بظلاله على الحاضر، نجم عنه كفر بالحكام العرب؛ويتجلى ذلك من خلال إطلاقه لجموعة من الأوصاف: “حاكم بحرستان”، “حاكم عربستان”، “حاكم نفطستان”، “والي غربستان”.

2- التركيبة الأهوائية في الرواية:

كان لهوى الحب دور توجيهي في القصة الرئيسة في الرواية؛حيث عبر السارد (الذات1) عن اشتياقه لمحبوبته “عذبة” (الذات 2) ورغبته في ملاقاتها؛ وتجسدها المقاطع التالية: ” أتعرفين كم أنا مشتاق إليك، وأنك لم تغيبي عن مخيلتي طوال الخمسة وأربعين سنة التي غبت فيها عن ناظري، ولكنك لم تغيبي أبدا عن قلبي”؛- ” ها أنا بكامل قوتي وصحتي أعود إليك يا عذبة؛ “لكنني لم أفكر في الحب، ولم أتخيل مجرد تخيل، أن أشاهد علاقة حب”؛….”قد تكون هذه بعض أسباب عدم زواجي حتى الآن ياعذبة”؛  “كنت أريدك أنت”.

أدى حب السارد واشتياقه لمحبوبته، كما ذكرنا، إلى تحريك السرد بحثا عن ملاقاتها، وذلك بامتطائه لحافلة متوجهة إلى مدينة حيفا؛ إذ “غالبا ما تكون الأهواء هي المحفز للقيام بالفعل”. وسيمنحه ذلك فرصة للتوغل في أعماق النفس البشرية للشخوص الأخرى، من خلال الإشارة إلى الشخصيات المهجرة في (مخيم أنصار 7، مخيم وأنصار 20، وأنصار 330. . . )، بحيث نقل مجموعة من الأحاسيس والمشاعر المرتبطة بها، إضافة إلى صفاتهم النفسية والخلقية؛ وقد مثل ذلك حقيقة ماعاشه الفلسطينيون منذ فترة الاجتياح إلى غاية فترة “انهيار الحدود”، فيكشف عنها ويقدمها إلى متلقيه، وبالتالي فهو يعكس هاته الأحاسيس والانفعالات بلسانهم. ومنه يعطي صورة لنفسه في هذا الخضم المضطرب من الانفعالات والآلام النفسية والحيرة، محاولا نقل تلك الهواجس الماضية ومقارنتها بالأحاسيس والمشاعر المتزامنة مع عودته إلى وطنه وملاقاة حبيبته “عذبة”، مؤكدا ذلك في المقاطع التالية: “كنت بشوق لمشاهدة وجه امرأة، أي امرأة! كانت النساء تتحرك في المدينة.. فأنا لا أعشق سواك ياعذبة، ولا أرضى غيرك بديلة.. كنت أحتاج لمشاهدة وجه امرأة فقط لأشعر بإنسانيتها”؛ “ما أزال أحتفظ برسالتك العطرة يا عذبة، التي وصلتني عام خمسة وستين”.  وقد كان هدف سرد هذه المقاطع حث المتلقي على الصبر والتعايش مع الوضع الحالي. بحيث يأمل، من خلال هذا السرد، استشراف مستقبل يزكيه الإصرار على حب الحياة، وتجاوز هاجس الخوف من استمرار الوضع الذي جعل هذا الشعب يعيش تلك المآسي، والتشبث بالأمل . . . وتزكيه المقاطع التالية:

–      “ها أنا أعود إليك ياعذبة، مسالما غير مستسلم، غير طالب إلا القرب منك أن أعيش إلى جوارك بسلام وهدوء، وبحق عودتي إليك، يتحقق السلام على الأرض، ويعم الهدوء على أرض كنعان الجميلة”؛

–      “ومما اتضح لي إنني لن أستطيع العيش من دونك، إنه لا يملأ قلبي وذاكرتي سوى حبك. نعم أقولها بالقلم العريض، فأنت والوطن معي توأمان، كان أبي يظل حياتنا ونحن أطفال، أما وقد كبرنا..”؛

–      “تزوجت القضية الفلسطينية”….”ومن الحب ما أحيا”.

كما سرد الكاتب قصصا كثيرة عن الحب وغرائبه؛ كسرده لقصة حب أبيه للمسيحية سلمى مبرزا مفارقة غريبة يعيشها المواطن العربي، حيث يقول عنها:  “طبعا أنا أسرد عليك هذه الأحداث مثل كل كاتب أو حكواتي عربي يتفاخر بقصص أبيه الغرامية، ولكنه يبرز عفة أمه”.

الخوف: إن الشعور بالخوف المصاحب لأغلب الشخصيات في الرواية التي بين أيدينا، يجسد جزع الفلسطينيين وهلعهم مخافة بطش المحتل. ويستجلب الخوف، كما هو معلوم، جملة من العينات العاطفية الظاهرة والخفية؛ مثل خفقان القلب، والتلعثم في الكلام، وكثرة طرح الأسئلة، . . . ويمر الخوف من مراحل شعورية كالقلق؛ وهو مستوى شعوري لا يصل حد الهوى بل مجرد استعداد يُحضر الميدان لأهواء أخرى؛ فالذوات القلقة تواجه توترات أولية، ويتعاورها الانشراح والانقباض دون أن تثبتعند أحد منهما حقا، وهذه الذات تملك شيئا تخشى عليه من الفقدان. لذلك تنحشر الذات القلقة في كون غير دال تملؤه التوترات غير المتمفصلة، لكونه لا يعدو أن يكون ترقبا لزعزعة شعورية محتملة تذلل السبيل أمام تشكل الهوى، وتفضي إلى استقطاب نهائي نحو الانشراح أو الانقباض، ونمثله ببعض المقاطع المقتبسة من الرواية: – “كانت حادثة استشهاد الحاج عبد القادر مربكة أمام باقي الشيوخ والأطفال الهاربين من بيوتهم، والمحتمين عند أطراف القرية”؛

–      “أخذت نفس الإنسان الفلسطيني، الذي لم يمت بالحرب أو التهجير تتحول تدريجيا، من شكل عادي، إلى شكل مطعوج، أو مطبق، أو سريالي، متماوج، متداخل، متخارج، متواطئ، متنازل، متصاعد، تخاذلي، استشهادي، اندفاعي، انبطاحي، تهجمي، انفعالي، قيادي، ذكي، غبي، انهزامي، منطلق، متكامل، أو “متشائل” على ذمة إميل حبيبي..”.

وتجسد الخوف في الخطاب الذي بين أيدينا في شعور العديد من الشخصيات في الرواية (الفلسطينيون)، الناجم عن فقدان الأمل في البقاء على قيد الحياة جراء التهديدات الدائمة بالقتل التي يوجهها الجيش الإسرائيلي والعصابات الصهيونية المنضوية تحت لوائه (إتسيل، الإرغون تسفاي لئومي، شتيرين، الهاجاناة، إبجال، وغيرها…). ويدفع الخوف بالذات إلى انتهاج خطة مضادة كي يتوارى إلى الخلف وتعيده إلى مرحلة ماقبل الدلالة، فتظهر السمات المظهرية الإنهائية لإنهاء حالة الخوف. وهذا ما تدل عليه المقاطع التالية: “متنا من الخوف عليك بعدما حكى لنا مصطفى عما حصل! فقال لها وقد عاد إلى جديته، وشعوره بالمسؤولية: هذا مصطفى واحد خواف! فبعد الحادث، عشت يومين من التوتر، وشد الأعصاب، لم يسبق لها مثيل. “؛ “لا تقولي له: يا ولد! قولي له: يا بطل! “.

وإذا كان الخوف من الأهواء الموضوعية التي تنشأ في الغالب بين ذات وموضوع؛ فهو يقوم على الصراع بين الذوات (الفلسطيني والإسرائيلي في الرواية التي بين أيدينا)؛ صراع وتنازع حول الأرض والماء والهواء. ويبدو ذلك من خلال مجموعة من الموجهات العاطفية المبثوثة في العبارات التالية:

–      “لا تتشنج ضد الضحية،… لا تغضب عليهم،… ، لا تفرح معهم،..، لا تتفاعل معهم،…، لا تزعل منهم،…، لا تحقد عليهم،…، لا تشتمهم، لا تتعاطف معهم، لا تفتح معهم حوارا، اقتل بدم بارد… تصرف بهدوء وببساطة، لا تلتفت ولا تحدق في مشهد القتل،.. “؛

–      “كان أفراد العصابة يراقبون الحدث، ويتفرجون عليه، كنوع من الثقافة والمعرفة، ومعايشة الإثارة، والترف والمتعة”…”ثم يتحسسون دفء الحب، ولذة ممارسته داخل بيوتهم! كيف يكون الإنسان قاتلا وحنونا! “. وكنوع من المقاومة لحفظ البقاء، نقل لنا السارد بعض تلك القيم: “صار أبي يناضل لإيجاد الأولويات، بهدف محاصرة الجوع أولا، ومن ثم لإشعارنا بأن الدنيا ماتزال بخير”.

–      المعاناة:  يشمل المسار التصويري في رواية “عذبة” (المحنة، المرارة، آلام، قهر). وتجسد ذلك مجموعة من العبارات الدالة في الرواية:  “الجوع ذلال والعطش قتال”؛ “تم تدمير الإنسان الفلسطيني من الداخل بهذا التشرد والقتل.. ” وقد تكون هذه المعاناة معاناة من الواقع المعيش، أو معاناة من النظام السياسي والاقتصادي، أو غيرها من أشكال المعاناة… ويرتبط سياقه بالظرف التاريخي الذي تعيشه الشخصية المعانية، والذي دفعها إلى الإعلان عن الكراهية والحقد، أو محاولة للتمرد. ويعبر السارد عن ذلك ب:  “الحقد المتراكم عبر الأجيال”…. “هذا الشيخ مصطفى لم يستطع أن يتحمل آلام الهجرة، فأخذ يستخدم الدين كالأفيون، و إن قطعه لأصابع رجله بسكين بابوراللحام، ما هو إلا تعبير عن َ الآلام والكبت والمعاناة والحرمان الذي يعيشه خارج وطنه، ولذلك فهو معتكف، وكأن لا أحد يستطيع أن ينسيه مأساة الهجرة من وطنه، إلا بهذه الطريقة من تقطيع أجزاء جسمه، إنما هو بعد فلسطين، يهب نفسه لله، قطعة تلو قطعة، بدل أنيظل يعيش حياة المعسكر المذلة، وهذه العقد، والأمراض النفسية، سببها الهجرة. “؛

3- تجاوز الأهواء السلبية

يرمي الروائي، من خلال سرده لمجموعة من حكايات الفلسطينيين المهجرين، إلى تأسي الباقين بأحوال من ماتوا ومن شردوا من أهلهم. فهو لم يأت بهذه الحكاية وغيرها عبثا، بل كانت له مقصدية تتجلى في بث الفرح وكسب التعاطفمن لدن القراء المحتملين للرواية. فعند إشارته إلى “أم فرحات” قال عنها: ” كان في حديثها مزيج من التحدي والاستكانة والضعف والهوان والشراسة والرجاء والأمل والتضحية والخوف”….ويعتبر التأسي هوى إيجابيا يقاوم خوف الذات من موضوع ما؛ بحيث يجعل الذات مستعدة للتغلب عليه من خلال تجاوز القيم السلبية المسيطرة على الذات من خوف ومعاناة؛ “كان هناك تواصل وتراحم، وتعاون ونكد، وقلة حياء”… “كان يخلق المتعة من النكد”.. “فحكايات أبو هاشم تضفي علينا سعادة تخرجنا من عتمة الليل الموحشة، وكآبة الحياة، وشظف العيش… “

يستقدم التأسي مجموعة من الأهواء الاستشرافية كالفرح من خلال النهايات السعيدة لمجموعة من القصص (تزويج الأولاد والبنات)؛ فماعاد الخائف على حياته يأبه بما يتعرض له من مضايقات، أوخائفا على مكتسباته مادام أن أمر الاحتلال قد أصبح دائما؛ إذ حاول الروائي، من خلال تشبثه بالرجوع إلى بلده فلسطين والزواج من حبيبته، إذكاء نوع من الأمل في البقاء والتعايش مع سياسة الأمر الواقع المفروضة عليه..”كنت أنا أول المؤيدين لهذه الفكرة الجهنمية… العودة إلى فلسطين عريسا أو عروسا، ولم لا! وهذا السرد  يجعل الخوف والمعاناة أمر تغيير الوضع الحالي صعبا، وهذا ما أدى بالروائي إلى طرح بدائل تتراوح بين ما هو إيجابي، وبين ما هو سلبي، وذلك للدفع بالمواطن الفلسطيني إلى التفكير العميق في المصير المأمول. إذ كشف الخطاب، من وراء سرد قصص متشابهة، عن خصوصية اشتغال هووي الخوف والمعاناة. وخلق بذلك إمكانات كثيرة لتجاوزه بالتأسي والتسلية بحكايات أخرى ليبث الطمأنينة في نفسه، وفي من تبقى من الفلسطينيين. ويدعم السارد ذلك بمجموعة من العبارات الدالة على إبقاء خيط الأمل واردا، وختم الرواية بنهاية سعيدة:”سنلتقي كما التقى آدم وحواء على جبل عرفة”. “فرغم تداعيات الهجرة، إلا أن قلبي ما يزال فيه متسع كبير لحبك. وحبي لك هو المسوغ الوحيد لبقائي”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here