التجميد العميق بعد الوفاة… هل تعيد هذه التقنية الموتى إلى الحياة يوما ما؟

061016_0720_7

سكوتسديل (أريزونا)  (د ب أ)- خلف ألواح من الزجاج الواقي من الرصاص داخل بناية نائية في صحراء أريزونا الأمريكية، يجري الاحتفاظ بجثامين 153 شخصا على أمل واحد، ألا وهو إعادتهم إلى الحياة من جديد.

وتصطف الجثامين داخل هذا المبنى في وضعية مقلوبة على رؤوسها، بل وفي بعض الحالات، لا يتبقى منها سوى الرؤوس فقط، حيث يتم تبريدها إلى درجة حرارة 196 تحت الصفر داخل أنابيب ضخمة من الصلب تحتوي على النتروجين السائل.

ومن بين الرؤوس التي يتم الاحتفاظ بها داخل مؤسسة ألكور لتمديد الحياة في مدينة سكوتسديل، رأس ماثرين ناوفاراتبونج، وهي طفلة في الثانية من عمرها كانت مصابة بسرطان المخ وأعلنت وفاتها في كانون ثان/يناير عام .2015

وقرر والداها وهما متخصصان في مجال الهندسة الطبية، تجميد مخها أملا في أن تستطيع علوم المستقبل إعادتها للحياة مرة أخرى وزراعة جسم جديد لها.

ويقر ماكس مور رئيس مؤسسة ألكور ومديرها التنفيذي بأن تقنيات التجميد العميق، ويقصد بها الاحتفاظ بالجسم في درجات حرارة بالغة الانخفاض من أجل إعادته للحياة في المستقبل، والتي تستخدم مع الحالات المرضية الميئوس من شفائها في الوقت الراهن، إنما هي تقنية في طور التجارب، ويصفها بأنها “امتداد لعلوم طب الرعاية الحرجة”.

وأشار أرون دريك المستشار الطبي بمؤسسة ألكور مؤخرا في مقابلة صحفية مع مجلة “ماذر بورد” ومقرها في مدينة مونتريال الكندية إلى أن التجميد العميق يمكن أن يصبح “تجربة علمية دائمة التطور”.

ولكن كلاهما أعربا عن “أملهما وتوقعاتهما” أن تستطيع الطفلة ماثرين وزملاؤها “المرضى” استئناف حياتهم يوما ما، وأشارا إلى وجود “حقائق” تبرر “تقنية التجميد العميق بعد الوفاة”، من بينها أن “الحياة يمكن أن تتوقف ثم تستأنف مرة أخرى إذا ما تم الحفاظ على التركيبة الرئيسية للجسم”.

وفي كانون أول/ديسمبر عام 2017، انجبت امرأة أمريكية تبلغ من العمر 26 عاما مولودة في صحة جيدة بعد أن ظلت هذه المولودة 24 عاما على هيئة جنين مجمد.

وتعتبر ألكور واحدة بين أكبر مؤسستين غير ربحيتين تعملان في مجال التجميد العميق في الولايات المتحدة، في حين أن الأخرى هي معهد علوم التجميد العميق ومقره في مدينة ميتشجن، كما توجد مؤسسة ثالثة تحمل اسم “كريو روس” ومقرها في روسيا وهي تقدم نفس الخدمة ولكن نظير مقابل. وبشكل إجمالي، هناك قرابة 3500 شخص في مختلف أنحاء العالم دفعوا مقدما نظير تجميدهم شخصيا أو تجميد حيواناتهم الاليفة.

وتقول مارجي كليما وهي مسؤولة إدارية بمؤسسة ألكور إن هناك عددا متزايدا من الشباب وأفراد الاسر يطلبون خدمات التجميد العميق، موضحة أن “من بين أعضائنا عائلات عديدة تضم أربعة أو خمسة أطفال”.

ويطلب معهد علوم التجميد العميق في ميتشجن والذي يتقاضى رسوما أقل من مؤسسة ألكور، أعضاء أصغر سنا، ويبلغ متوسط أعمار أعضائه حوالي 47 عاما.

وحتى الآن، يقتصر الاهتمام بتقنية التجميد العميق إلى حد كبير على الرجال، حيث أن اثنين من كل ثلاثة أعضاء بمعهد التجميد العميق هم من الرجال، ومعظمهم من البيض الأثرياء. وتتراوح تكلفة التجميد العميق ما بين 30 ألف و200 ألف دولار أمريكي حسب الجهة التي تقدم الخدمة ونوعية الخدمة المطلوبة سواء إن كان تجميد الجسم بالكامل أو النظام العصبي بالجسم.

ومن بين المهتمين بالتجميد العميق، بيتر ثيل الذي شارك في تأسيس خدمة “باي بال” للتحويلات المالية على الانترنت وراي كورتزفيل الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، كما أن هناك 350 عضوا آخرين من بينهم أسطورة رياضة البيسبول الأمريكي تيد ويليامز، تم تجميدهم بالفعل.

أما فيما يتعلق بطريقة عمل تقنية التجميد العميق، فإنه بمجرد إعلان وفاة “المريض”، يتم وضعه بشكل فوري في حوض يحتوي على الماء المثلج لمنع تحلل الأعضاء، ولاسيما المخ، في حين يتم تنشيط الدورة الدموية والتنفس بواسطة جهاز لإنعاش القلب والرئتين بجانب “أدوية حافظة” يتم حقنها في جسم المريض عبر الوريد.

وبعد “استقرار الحالة”، يتم نقل الجسم بأقصى سرعة ممكنة إلى مؤسسة التجميد العميق، حيث يتم تصفية الدم وغيره من السوائل الجسمانية واستبدالها بمواد كيماوية يطلق عليها “المواد الحافظة للتجميد” وهي مواد مانعة للتجمد ذات مواصفات طبية.

وتمنع هذه المواد تحول المياه الموجودة داخل أنسجة الجسم إلى بلورات من الثلج، وهو ما قد يؤدي إلى تلف الخلايا، عندما يتم تبريد الجسم إلى درجات حرارة منخفضة للغاية. ويجري تحويل الأجنة أو البويضات البشرية إلى حالة زجاجية متجمدة بحيث يمكن تخزينها من أجل استخدامها في وقت لاحق.

وبمجرد حقن الأوعية الدموية الرئيسية في الجسم بالمواد الحافظة اللازمة لعملية التجميد، يجري تبريد الجسم ببطء لتجنب حدوث أي كسور، إلى درجة حرارة تبلغ سالب 196 مئوية خلال فترة تصل إلى أسبوعين.

ويوضع الجسم بعد ذلك داخل وعاء من الألمنيوم في وضعية مقلوبة بحيث تكون الرأس لأسفل حتى يظل المخ باردا لأطول فترة ممكنة في حالة حدوث تسريب لسائل التبريد، ثم يوضع هذا الوعاء داخل أنبوب عملاق يحتوي على النتروجين السائل.

وعلى خلاف معهد علوم التجميد العميق، تعرض مؤسسة ألكور إمكانية تجميد النظام العصبي للجسم أيضا بحيث يتم تجميد المخ فقط داخل الرأس والجمجمة والاحتفاظ به حتى يحين اليوم الموعود.

وترى مؤسسة ألكور أنه “من المتوقع” أن تتيح علوم الطب في المستقبل إمكانية زراعة جسم جديد للمخ الذي تم تجميده، ويستطيع كل أنبوب الاحتفاظ باربعة أجسام وخمسة أمخاخ.

ولا تزال هناك بعض المشكلات الرئيسية التي تتعلق بتقنية التجميد العميق، من بينها على سبيل المثال، كيف يمكن سحب المواد الحافظة السامة من خلايا الجسم والمخ؟ وهل يمكن إصلاح الأضرار التي سوف تلحق بالجسم؟ وكيف يمكن إعادة تدفئة جسم المريض بشكل آمن؟ حيث أنه إذا ما حدثت هذه العملية بشكل سريع، فإن الثلج سوف يتكون داخل الجسم عند درجة حرارة صفر مئويا، أما إذا تمت عملية التدفئة ببطء، فمن الممكن أن تتعرض الأنسجة للتحلل.

ورغم أن الباحثين استطاعوا بالفعل تجميد بعض الكائنات الحية البسيطة مثل الديدان الخيطية والعلقات ثم إعادتها مرة أخرى للحياة بنجاح، إلا أن تركيبتها البسيطة تختلف بشكل كبير عن التركيب المعقد للمخ البشري.

ويعتقد خبراء التجميد العميق أن المستقبل سوف يحمل في طياته تقنيات جديدة لتدفئة المرضى بعد تجميدهم بجانب التطور الذي تشهده علوم النانو والتقدم في مجال الطباعة المجسمة للخلايا والأعضاء، حيث ربما يكون من الممكن في المستقبل على سبيل المثال استخدام روبوتات متناهية الصغر في إصلاح الخلايا التالفة بفعل التجميد العميق أو بفعل الشيخوخة أو بعض الأمراض مثل السرطان.

ولعل هذا هو الأمل الذي كان يراود كيم سوزي، وهي طالبة أمريكية كانت تبلغ من العمر 23 عاما، وقبل أن تفارق الحياة بسبب سرطان المخ في كانون ثان/يناير عام 2013، أطلقت هي وصديقها حملة لجمع التبرعات على الانترنت من خلال موقع ريديت الإلكتروني بغرض الاحتفاظ بمخها عبر تقنية التجميد العميق. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عنها قولها آنذاك إن “وجود احتمال تتراوح نسبته ما بين واحد واثنين بالمئة” لعودتها للحياة من جديد، هي فرصة جديرة بأن يحاول الفرد انتهازها.

ويراود المرضى الذين يخضعون لتجميد أمخاخهم حلم استعادة شخصياتهم وذكرياتهم المسجلة في ثنايا عقولهم بعد إعادتهم مرة أخرى للحياة، سواء عن طريق الاتصال بأجسام جديدة أو عبر تحميل هذه البيانات من جهاز كمبيوتر.

ويبحث أطباء الأعصاب حاليا عن العناصر المكونة للشخصية البشرية داخل المخ. ويعكف الباحثون بمعهد ماكس بلانك للعلوم العصبية والحيوية بالقرب من مدينة ميونخ الألمانية على وضع خريطة ثلاثية الأبعاد للخلايا العصبية داخل المخ. وقاموا بالفعل بإعداد طريقة تقربهم من هذا الهدف الذي مازال بعيد المنال، حيث أن المخ البشري يحتوي على قرابة عشرة مليارات خلية عصبية وزهاء كوادريليون وصلة عصبية بين الخلايا المخية.

ويبدو أن والدة الفتاة التايلاندية ماثرين التي تم تجميد مخها في مؤسسة ألكور في أريزونا قد وجدت بعض السلوان، حيث أنها صرحت لمجلة “ماذر بورد” قائلة : “على الأقل، لقد قمنا بتكريس حياتها وجسمها من أجل تقدم وتطور العلم”.

وتأمل الأم المكلومة أن تلتقي مع ابنتها يوما ما، حيث أنها تعتزم أن تخضع هي وزوجها لعملية التجميد العميق بعد الوفاة في مؤسسة ألكور هما أيضا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here