البشير محمد لحسن: تحليل لغة الاعلام السعودية في تناول جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي

البشير محمد لحسن

بإمكان جميع الكائنات الحية الموجودة في عالمنا التواصل فيما بينها بطريقةٍ ما، وحدهم البشر يمتلكون القدرة على التواصل بواسطة الكلام وبالتالي إنتاج لغتهم الخاصة بهم. نظرياً، يمكن تجزئة  اللغة إلى قسمين؛ شفوية ومكتوبة، وكلاهما يكتسبه الإنسان في حياته ضمن سياق المجتمع الذي يعيش فيه. فاللغة هنا ليست منظومة من الرموز تؤدي وظيفة الاتصال ونقل المعارف وغيرها فحسب، بل هي الأداة التي تُقُولِب نظرتنا للحياة ومن خلالها نحكم على كل ما يحيط بنا، أي بواسطة اللغة التي تصلنا عن تلك الأحداث.

كان لابد من تلك المقدمة النظرية كي نوضِّح أهمية اللغة في حياتنا وتحديداً لغة وسائل الاعلام التي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن نتعامل معها بِبراءة فهي أبعد ما تكون عن ذلك. ولمعرفة ذلك والوقوف عليه بأمثلة من الواقع لا بد من تحليل لغة الاعلام السعودي في تغطيته لجريمة اغتيال الكاتب والصحفي السعودي، جمال خاشقجي، بقنصلية بلاده في إسطنبول.

في البداية، من الأهمية بما كان الإشارة إلى أن الإعلام السعودي قد بدا مرتبكاً في بداية الأزمة، ولم تكن الصورة واضحة له حول كيفية التعامل معها. ولم يكن ذلك الارتباك سوى انعكاساً للتخبط الرسمي، حيث تمت إدارة الكارثة اعلامياً بأسوأ طريقةٍ ممكنة. وقد اعتمد الاعلام السعودي لفظة “المواطن” كإشارةٍ متلازمة أثناء ذِكْرِ الكاتب والصحفي جمال خاشقجي، في مخالفةٍ واضحة لكل وسائل الاعلام العالمية التي تُسَمّي المرحوم بصفته المهنية. ويهدف الاعلام السعودي من خلال إستعمال مصطلح “المواطن” لتعريف القتيل إلى هدفين، أولهما؛ التأكيد على هوية جمال بأنه مواطن ينتمي للسعودية وبالتالي فإن اغتياله هو قضية داخلية سعودية بين دولةٍ ومواطنٍ ينتمي لها وجرت وقائعها على أرضٍ خاضعة للسيادة السعودية، أي القنصلية في إسطنبول، وعليه فلا دخل لأي طرفٍ آخرٍ فيها لأن القضية كلها سعودية سعودية ومن يحق له الحديث فيها هي سلطات الرياض ومن يمتلك الحقائق، بالتالي، هو الإعلام السعودي. أما الهدف الثاني من الإصرار على عدم تسمية المرحوم خاشقجي بوظيفته المهنية، أي الكاتب أو الصحفي أو كلاهما، والاكتفاء بكلمة “المواطن”، فيأتي للتقليل من شأنه والإنقاص من مكانته. فالمرحوم، جمال خاشقجي، هو صحفي وكاتب سعودي معروف سواءً في السعودية أو خارجها، فقد عَمِلَ كرئيس تحرير للعديد من وسائل الإعلام السعودية وهو يكتب إلى غاية اغتياله في العديد من الصحف العالمية وعلى رأسها جريدة الواشنطن بوست المرموقة، كما أنه ظهر كضيف في الكثير من القنوات الفضائية العالمية محللاً للشأن السعودي. وفي ذات السياق، فإن كل الإعلام العالمي يتناول القضية بذكر صفة المرحوم كما أن ردو الفعل الدولية الغاضبة جاءت على خلفية كونه صحفياً قُتِلَ على خلفية آرائه الناقدة وليس بصفته مواطناً سعودياً، فقد مات وفُقِدَ في السعودية مؤخراً الكثير من الصحفيين والمدونين والدعاة لكن الرد العالمي على تلك الجرائم لم بالحِدّة ذاتها.

ويجدر التوقف هنا عند اللغة التي وصف بها الإعلام السعودي الفريق المكلف بتصفية جمال خاشقجي، إذ يورد بيان مجلس الوزراء السعودي أنه تم “التأكيد على محاسبة المقصرين في حادثة خاشقجي كائناً من كان”. ومن الملفت للانتباه، في هذا السياق، أن الإعلام السعودي يرفض تسمية ذلك الفريق باسمه الحقيقي، فإذا كان الإدعاء العام قد أعلن عن توقيف 18 شخصاً، فإنه من الطبيعي أن تتم الإشارة إليهم بأنهم جُناة أو قتلة أو مجرمين أو متهمين أو حتى موقوفين، لكن الاعلام السعودي يُكابِرُ ويواصل الاصرار على أنهم “مقصرين” فقط لأنهم قتلوا الرجل في مبنى القنصلية وقطعوا جسده إرباً إرباً بالمنشار وتخصلوا منه، وتقصيرهم نابع فقط من كونهم نفذوا العملية الاستخبارية بطريقة باتت مكشوفةً للجميع وليس لأنهم قتلوا شخصياً بسبب مواقفه السياسية المعارضة للنظام. وعليه، يتضح أن إستعمال مصطلح “مقصرين” بدل قتلة أو مجرمين يهدف إلى التخفيف من حدة وقع الجريمة عن طريق اللغة باستعمال ألفاظ في غير محلها لوصف من ارتكب هذا الفعل الشنيع.

ختاماً، وبناءً على ما سبق، نقول أن مصطلحات مثل العدالة، القصاص، الحرية، المحاسبة هي ألفاظ ترمز إلى مفاهيم إيجابية لا يمكن لأي كان الوقوف ضدها، لكن علينا أن نتوقف لحظة عند استخدامها ومكان توظيفها من أجل تفادي أن نقع ضحية التضليل الاعلامي الذي يتخذ من اللغة أفضل وسيلة لقولبة أذهان جمهور المتلقين.

باحث بجامعة إشبيلية الإسبانية، مختص في الدعاية الاعلامية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تحليل رائع … نأمل متابعة الدراسة لأن الإعلام السعودي ظل يتابع القضية بوتيرة مختلفة فحين يرتفع الإيقاع في دوائر الاعلام الخارجي وأروقة السياسة يرتفع إيقاعه ويتفاوت ما بين الدفاع المضطرب والهجوم الضاري والشرس الذي يتجاوز القضية للخوض في قضايا أخرى ، أي خلط الأوراق ، وحين يخفت الإيقاع ويتدنى المؤشر إلى الأسفل ..تختفى القضية ويغيب الطرح ، ربما ظنا منه أن القضية آخذة في التلاشي والقبر ، وهو ما يسعى إليه ويساعد. عليه ، وربما تصدر تعليمات حينها من دوائر السلطة تأمر بإنهاء الحديث عنها في أي وسيلة إعلامية بغية تحقيق الأجواء المناسبة لهذا الهدف ,

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here