البدو تهميش بلا حدود وصمود بلا غروب

حسن مليحات (الكعابنة)

يعتبر البدو في الضفة الغربية بأنهم شبه رحل، حيث أنه وبسبب حصار الاحتلال الإسرائيلي لهم أصبحوا غير قادرين على ممارسة حرية التنقل كما يرغبون، علما بأن حرية التنقل واختيار طريقة العيش هي من الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية وكذلك منصوص عليها ضمن قواعد القانون الدولي الإنساني،  وأصل البدو من جنوب فلسطين وخاصة من صحراء النقب التي لا تزال موطن القبائل البدوية الأخرى التي لم تنزح أبان نكبة عام ١٩٤٨ وأبان نكسة حزيران في العام ١٩٦٧ .

فنكبة العام ١٩٤٨ أصابت البدو في فلسطين، فمزقت قبائل البدو وشتت شملهم بين الأردن والدولة العبرية والضفة الغربية، ويتوزع البدو الذين يعيشون في الضفة الغربية ووسطها بالذات الى ثلاثة قبائل رئيسية :وهم الكعابنة والجهالين والرشايدة، وجميعهم نزحوا بعد النكبة من صحراء النقب، وقد رفض البدو المهجرون العيش في المخيمات، وأثروا أعادة أنتشارهم في الأماكن التي تلائم حياتهم البدوية، ويبلغ عدد البدو في الضفة الغربية حوالي (40000)نسمة، وقد مارس البدو حياة التنقل الموسمية بطريقة مماثلة للحياة التي ألفوها في أراضيهم المحتلة في صحراء النقب .

 

ويعد البدو الذين ينتشرون على طول الشريط الشرقي لجبال الضفة الغربية من طوباس شمالا إلى الخليل جنوبا وينطبق عليهم قول الراحل العظيم محمود درويش في قصيدته حالة حصار :

هنا عند منحدرات التلال

أمام الغروب وفوهة الوقت

قرب بساتين مقطوعة الظل

نفعل كما يفعل السجناء

والعاطلون عن العمل

نربي الامل

 

فالبدو الذين يربون الأمل، يقفون كعقبة كؤود في مواجهة مخططات الاستيطان الصهيوني الأحلالي، فهم غالبا يسكنون في المناطق المصنفة (ج) ويمنعون التمدد الاستيطاني، وقد وصفهم الشهيد الخالد ياسر عرفات بأنهم شموع الصحراء وحراس القدس، وهم يعتاشون على تربية المواشي والأغنام وعلى الزراعة بدرجة أقل، وقد تعرضوا لسياسة الترحيل والتهجير القسري من قبل الاحتلال الإسرائيلي ويتعرضون للتهديد والحرمان من اية حقوق وتنعدم لديهم مقومات البنية التحتية والخدماتية،  فهم مهمشون بلا حدود ولكنهم مقابل ذلك صامدون بدون غروب ودون أن تكل لهم عزيمة .

 

وقد أصبح البدو في ظل جائحة كورونا أكثرا انعزالا وأشد بعدا عن الحياة العادية منذ بدء تفشي وباء كورونا المستجد،  وعزلتهم هذه سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي يقال فيه أن حياة البدو، التي أصبحت مجتمعات شبه مستقرة وبعيدة عن مراكز المدن والقرى، قد تحميهم او تقلل أمكانية أصابتهم بعدوى كورونا بسبب بعدهم الجغرافي وقلة الاختلاط في التجمعات السكنية التي تعج بالزخم البشري، كذلك يقال بأن حالة الإغلاق الناتجة عن إعلان حالة الطوارىء التي أعلنها سيادة الرئيس بناء على صلاحياته حسب المادة (110)من القانون الأساسي الفلسطيني تسد أمامهم منافذ الرزق من خلال بيع منتجاتهم من الألبان والحليب والاجبان، وتمنعهم من تصريف وبيع تلك المنتوجات الى المدن والقرى المجاورة.

ففي الوقت الذي تنتشر فيه مركبات الأمن على مداخل المدن الرئيسة،  وتنشط اللجان التطوعية في البلدات والقرى،  يعيش سكان التجمعات البدوية في الأغوار وسكان مناطق (ج) حالة من ضعف الحماية،  نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي النشاط الفلسطيني فيها، وأمام جهود تطوعية وذاتية يواجه سكان التجمعات البدوية في الأغوار خطر فيروس كورونا وفيروس الأحتلال وحيدين،  فأهالي تلك التجمعات البدوية المنسية لم يتلقوا أية تبرعات مثل الكمامات ومواد تعقيم ولم يتلقوا اية دعم بالمواد الغذائية علما بأن تلك التجمعات هي الأكثر فقرا والأكثر تهميشا،  الخطر الحقيقي يكمن في أن التجمعات البدوية في الأغوار تقع بين بمحاذاة المستوطنات ومعسكرات للاحتلال،  علما بأن التجمعات البدوية تقع في المناطق (ج) التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية المحتلة والتي من المفروض ان تكون من أراضي الدولة الفلسطينية المنتظرة

كما إن واقع المناطق البدوية يتطلب تدخلات مختلفة من كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية في هذه المرحلة،  لأن كورونا أحدث فجوة أكبر على مستوى التهميش الموجود أصلا، فالبدو يعيشون في مناطق الرعي على السفوح الشرقية للضفة الغربية بين مطرقة الاحتلال وسندان كورونا، فالاحتلال البغيض يمارس بحقهم سياسة ترحيل ممنهج خلافا لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وقد تعرضوا للهدم عدة مرات، دون أن تلتفت لهم السلطة الفلسطينية بصفتها مسؤولة عنهم إداريا وقانونيا وسياسيا،  فالسلطة الفلسطينية الحائرة لم تقدم لهم اية مساعدات تذكر سواء في زمن كورونا او ما قبل كورونا، ففي ظل حالة الإغلاق فإن البدو يتعرضون للتهديد في أمنهم الغذائي، ولا يتلقون اية مساعدات من اية جهة، الأمر الذي يستدعي تدخل المؤسسات الدولية ذات العلاقة للعمل على خلق شبكة من الأمان الغذائي لهؤلاء المنسيون، فالمجتمع البدوي في الضفة الغربية يعانون من الاهمال والتهميش الرسمي في أزمة كورونا، فهم يفتقرون إلى الكمامات والقفازات والمعقمات،  بسبب السلطة الفلسطينية العاجزة عن القيام بدورها إزاء السكان البدو، ونتيجة لحالة التهميش فهم يشعرون بمرارة الغياب، حتى أن مشاركتهم في المؤسسات التمثيلية تكاد تكون معدومة،  ودوائر التهميش تلك أدت إلى تعاظم احساس المهمشين بغربتهم داخل وطنهم .

وفي خضم الحديث عن نية الحكومة الأسرائيلية ضم الاغوار فأنه لا بد من الأشارة بأن دولة الأحتلال قد وضعت مخططات لتهجير المئات من العائلات البدوية الى المنطقة الجديدة بعد اجلائها من مكان سكناها الحاليين، هذا وترفض العائلات البدوية بشدة،  هذا المخطط وأكدت انها لن تسمح بتمرير هذه الخطة للتنفيذ وتتمسك باماكن سكنها الحالية التي تشكل مصدر رزقها الوحيد لاعتمادها على الاغنام وضرورة توفر مساحات للرعي، ويهدف الاحتلال من وراء هذه الخطة لاخلاء مساحات واسعة من الاراضي المصنفة (ج) ويرى الأحتلال أن انتشار البدو في تلك المناطق وماحولها يشكل عنصر تضييق على مخططاته المستقبلية، من ناحية اخرى يرى البدو انهم مهمشون في المستوى السياسي الفلسطيني لافتقادهم الدعم المناسب للثبات على الارض،  خاصة وان البدو يعيقون التقدم الأستيطاني الممنهج لدولة الاحتلال

 الهدف الاساسي من هذه الهجمة على التجمعات البدوية تقسيم الضفة الغربية الى قسمين من اجل منع اي امكانية لاقامة دولة فلسطينية مستقبلية،  وان هذه خطة رئيس الوزراء الاحتلال نتنياهو،  متوافقة مع صفقة القرن التي يسعى اليها الرئيس الامريكي،  كما ان اسرائيل استغلت وجود ترامب للتسريع في زيادة الاستيطان وتفتيت الضفة الغربية مستغلة تماشي الادارة الامريكية مع مخططاتها، والأن وازاء خطة ضم الأغوار اصبح لزاما على القيادة الفلسطينية اتخاذ عدة خطوات،  تتمثل في استحداث هيئة حكومية تتبع مكتب الرئيس او رئيس الوزاء مهمتها الأساسية دعم صمود البدو في تلك المناطق ونقل همومهم الى اصحاب القرار في السلطة الفلسطينية وزيادة المقاومة الشعبية لتصبح منهجا وبرنامجا لمواجهة هذه المخططات،  اضافة التوجه للمنظمات الدولية للتأكيد على قرارات مجلس الامن والامم المتحدة المتعلقة بالاراضي الفلسطينية،  والتوجه للمنظمات الاقليمية مثل الاتحاد الاوروبي من اجل ممارسة الضغط على اسرائيل لمنعها من تهجير التجمعات البدوية ووقف الاستيطان في كافة المناطق،  والدعوة الى تكثيف المقاومة الشعبية في تلك المناطق وعدم تركها تواجه مصيرها بشكل منفرد ومنكشفة امام الاحتلال،  كما ان عدم وجود خطة من قبل القيادة واعتمادها فقط على التدخل الدولي سيفشل في مواجهة مخططات الاحتلال، فالاحتلال الأسرائيلي يسعى من خلال تهجير التجمعات البدوية الى استكمال تنفيذ المخطط الاستيطاني،  وشطر الضفة الغربية الى نصفين،  وسلب آلاف الدونمات من الأراضي،  وتكمن خطورة المشروع في القضاء على اي امكانية للبناء في المنطقة الشرقية،  فالبدو يشكلون خط الدفاع الأمامي في مواجهة التوسع الأستيطاني ..

ومن المؤكد أن السلطة الفلسطينية منذ قيامها،  قد لعبت دوراً في تدمير عناصر ومقومات الصمود والثبات للمجتمع البدوي،  بدءاً من التوقيع على الأراضي التي يقيمون عليها ضمن تصنيف (ج)،  إلى استثنائهم من جميع الخدمات الصحية والتعليمية والخدماتية بعد قيامها،  فهي حتى أولئك الناس من البدو التي هدمت بيوتهم البسيطة لعدة مرات لم يتلقوا اي تعويض منها، بل كانت السلطة تستمريء في عذاباتهم اثناء مراجعة المعذبون من البدو لها،  وتكون نتيجة المراجعات انه لا تعويض لهم .

ومما سبق نخلص الى القول لذلك فإن السلطة الفلسطينية بصفتها المسؤولة عن البدو سياسيا وقانونيا، هي مدعوة لئن تتحمل مسؤوليتها تجاهم، وأن تعمل على دعم صمودهم في مواجهة غائلة الاستيطان، وأن لم تفعل ذلك فأن البدو سيعمدون الى المطالبة بحقوقهم السياسية والمدنية عبر الطرق التي رسمها القانون، ان هذا الواقع المرير لبدو الضفة الغربية ينقلنا إلى آلية المواجهة والبدائل والمقترحات لتطوير وتحسين حالتهم، فمن الضرورة بمكان تحقيق مطالب البدو التي تتثمل بتفعيل القرارات الحكومية المتخذة لصالح البدو وضرورة التواصل معهم بشكل دائم،  ولا يتأتى ذلك الا من خلال استحداث هيئة حكومية تعنى بشوؤن البدو المتواجدين في المناطق(ج) والذين يقفون على خط النار في مواجهة ألة البطش الصهيونية،  وتخصيص موازنات للبدو القابضين على جمر الصمود في مواجهة الاحتلال،  وكذلك تفعيل التحرك السياسي والدبلوماسي وتنفيذ قرارات سابقة ومنها إعفاء مدخلات الإنتاج الزراعي ومنها الأعلاف من ضريبة القيمة المضافة،  ووجوب قيام المؤسسات الأهلية الفلسطينية والدولية على تطوير مشاريع لدعم صمود وبقاء التجمعات البدوية وتحسين الخدمات المقدمة لهم،  وضرورة تفعيل تدخلات السلطة والمنظمات الدولية والمانحين والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية في إطار مهمته لحماية الوجود البدوي وتعزيزه في فلسطين وتحقيق مزيد من الإنصاف للبدو في التنمية والخدمات، ولا بد من القول بأنه وحسب تعبير فلاديمير لينين بأن الثورة هي”كرنفال المضطهدين” فمع اندلاع اية حركة يتغير موقع المهمشين اجتماعيا الى النقيض تماما، فيصبحون محور الأحداث وصانعي التاريخ.

كاتب وباحث أستراتيجي

mlehathasan@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. جزاك الله خير والفته منك ممتازه العلا احد من المسئولين يقرى المقال وينظروويهتمو بالموضوع لان البدو هم خط الدفاع الأول عن المدن والقري وعن الارض

  2. الاخ أحمد من الأردن الحبيب ،أردن الكرامة،أردن النشامى،أردن العزة
    انا أحييك على موقفك وكلامك ،وانتمائكم العروبي ليس غريب على شعب تربى على العزة والشهامة في الأردن، بالإضافة إلى أننا في الضفة الغربية والأردن امتداد لبعضنا البعض ومكملين لبعضنا البعض
    عشت ودمت وسلمت

  3. الاستاذ حسن ..معلومات قيمة ومهمة واول مقال اقراه عن معاناة الاهل من القبائل البدوية التي نعتز بها في فلسطين…هذه الشريحة الاجتماعية لم يكتب عنها الكثير …اتمنى مزيدا من المقالات لتسليط الضوء على معاناتها واوضاعها

  4. وهل حال البدو فيما جاوركم احسن حالا . لو كانت الظروف تسمح بالكتابة لقلنا . الحال واحد ، والله المستعان .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here