لبنان.. البحث عن وطن.. لدفن ضحايا الانفجار!

 

 

طلال سلمان

لنرجئ رثاء الشهداء، ولنتفرغ لتشييع وهم “الدولة” التي أعجزتها الطائفية والمذهبية عن أن تولد بمؤسسات حقيقية، لا تفبركها مصالح مستغليها ثم توزعها على من يحولها إلى مزرعة خاصة يمنع على الرعايا دخول جنتها والإفادة من ثمارها الشهية.

لنحترم الموت الذي اختار الشارع وبيوت الناس الطبيعيين، الآباء والأمهات والأطفال وبائع الحليب وموزع الخبز بالثمن على جوع الفقراء.

لنحترم القهر المغمس بدماء الفقراء الذين أعلن موتهم، أخيراً، وسمح بتشييعهم إلى المقبرة التي صارت جنتهم المفقودة، خلال بحثهم عن وهم الوطن.

ليس للرعايا هويات. لقد ماتوا كما عاشوا بلا أسماء، فالأسماء للقادة المخلدين. وكيف يكون لك اسم إن لم تكن مواطناً.. ولكي تكون مواطناً عليك أن تستولد وطنك بدمك، فإذا ما استولدته نزع اسمك عنه لتغيير هويته بحيث تأخذ من الريح هويتك أو تأخذك النار مع الهوية. لا هوية للفقراء وأبناء السبيل. الهوية لأصحاب الألقاب فقط، فما لقبك أيها البائس الذي استولدتك المصادفات ويأخذك الحريق أو يتهدم بيتك المتداعي مع أطفالك الذي يحلمون بالوطن.

الوطن؟ هي كلمة ذات دوي، لذلك لا تستخدم إلا في الشعر، والشعراء يتبعهم الغاوون، وممنوع عليك أن تكون غاوياً، فالنكرة يعيش بلا اسم ويدفن في مقبرة المجهولين.

وطالما ليس لك وطن فكيف تكون مواطناً؟ لقد عشت نكرة ونكرة ستموت، ولن تستطيع نزع اسم المدفون في مقبرة الناس لكي تضع اسمك فوق قبرك. مجهولاً عشت ومجهولاً تموت، فالأسماء لمن يحملون الهويات المذهبة ودفاتر الشيكات ذات الأرصدة بالأصفار العديدة..

رصيدك، وبالدولار، يمنحك شرف حمل الهوية ذات الأرزة، فإن لم يكن معك من الدولارات مبلغ بأصفار كثيرة عشت مثل سائر المجهولين من أمثالك الذين يعطون الوطن دماءهم من أجل هويته، ثم يدفنون بلا مشيعين في مقابر الدهماء وأبناء السبيل.

للوطن أهله. هو كالمصرف التجاري: من لا رصيد له، لا هوية له.. يكفيه أن يدفن في تراب وطن الأرز.

المقابر ذات الفخامة والتي تحيطها الأسوار (خوفاً من سرقتها..) هي لمن يملك البلاد، وأنت مجرد لاجئ، ابن سبيل، عابر إلى حيث يتخيل أو يتمنى أو يحلم .. إذا كانت الأحلام متاحة، أو مسموح بها، بعد.

لقد ذهب الانفجار الأعمى بالأحلام. وأدها ودفنها في البحر مع جثث العمال الفقراء ورجال الأمن المكلفين بحراسة البحر والسمك والنورس!

رئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. لقد وضع طلال سلمان يده على الوجع الممتد من بيروت الى كل الجسم العربي.
    لقد أعطينا بيروت مرة اخرى مكان الوردة سكينا.
    كانت بيروت و منذ شهور خلت موضوعا و محورا لروايتي القادمة المعنونة بيت بيروت حيث كنت اخطط ان تكون عمارة الاسكوى او المبنى الأصفر احد اهم الاماكن في تلك الرواية لما له من اهمية تاريخية حيث حافظت عليه بعض منظمات المجتمع المدني و انقذته من الوقوع ضحية للمضاربات العقارية.
    لكن انفجار بيروت الغاشم ذهب بكل هذا التخطيط ادراج الرياح فاصبح انفجار بيروت ٢٠٢٠ هو المبتدأ و الخبر و المنطلق لأي عمل أدبي يتناول هذا الهلوكوست الثاني للأمة العربية بجانب الهلوكوست الفلسطيني المفتوح.

  2. يا رب لا تهجر سما لبنان وتتركه للبوم وللغربان.!! وللعربان المتصهينين الذين يدعمون اذنابهم في لبنان والذين يطالبون بعودة الاستعمار.. لا عزاء للخونة المتآمرين المطبعين والمتصهينين.
    الرحمة لأرواح الشهداء والشفاء العاجل للجرحى والصبر والسلوان لاهالى الشهداء وحفظ الله لبنان وشعبه العظيم من كل سوء ومن الفاسدين الخونة عملاء الصهاينة والمتصهينيين.
    تحياتي لكم مع رجاء نشر التعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here