البانوسى بن عثمان: رسومات بالقلب “نص”

البانوسى بن عثمان

لقد بدأ التعرّف عليها، لحظة دخولها وعّيه الطري، كان حينها يرْتع في ربوع طفولته , مع أقرانه من صبّية القرية، أحيانا كانوا يتقاسمون , اهجوزه بمقاس أعمارهم، التي لم تتخطى السنين الست بعد،   شاءت الصدف , أن يتعامل ودائما , مع صدر الاهجوزه وبعضهم،  أما البعض الباقي , فكان لهم عجزها،  أما هي , فكانت تتربع في الصدر،  ألذى كانوا ينغّمونه بحناجرهم الصغيرة، فتخرج  لحن ونغم بريء، كان يتحسّسها في عيون رفاقه، عندما تتعالى نغما فوق رؤسهم     فكانت تشعْ بهّجة وفرح.

   ذات مرة سمع أحد رفاقه، يتحدث عنها، فالصغير , كان في تماس معها , من خلال عيون ولسانه أبيه،  ألذى كان يسافر دائما إلى ديارها , ويمكث طويلا هناك، وفى عودته يأتي محملا بالثياب والحلوة والأعياد، مند ذلك الزمن البعيد  , ارّتسمت على صفحات ذاكرته بهجة وفرحا، والده لم يسافر قط، إلى حيت ديارها، فقد كان به شيء  من اليُسر، بمقاييس ذلك الزمان الشظِف، كان عالمه الصغير في دلك الزمان، تتقاسمه هي مع قريته والله في سماواته بالاعالى، ومع السنين كبر وأتسع عالمه ليضم آماكن أخرى،

بعدما تخطى ابتدائية القرية، رحل إلى حاضرة الجنوب، لملاحقة العلوم والمعارف،  هناك أظهر ميل إلى القراءة، فاقتطعت المكتبة العامة القريبة من سكنه، مساحة واسعة من وقته، صدفتا التقاها ذات يوم  , وهو يقلب كتاب في الأدب، داخل مرثية، تؤبن فيها أحد أبنائها، ألذى امسّك بمجامع النبل بكل كيانه، خيل له حينها، لو خير النبل إن يختار صنو له،  لما كان غير ابنها المختار.

أحس بها تقترب من روحه، فطفق يوسع من معارفه عنها، فقالت :- بأن لها صحارى وأرياف , وجبل تكّسوه الخضرة على مدارا لعام، وحواضر عديد، أكبرها تستلقي على الشاطئ، تناطح أمواج البحر بأقدامها،  وأخريات تسلّقن الجبل , واسترحن على الذروة، يستمطرن السماء شتاء،  ويلامسّن سحبها بأكف خضِبه، وقف طويلا مبهور أمام ديوانها، الذي خطّته على صفحات ذاكرتها، أشعار ونثر،  تختلط فيه الجغرافية بالتاريخ،  وتتجاور  فيه الفروسية بالصعلكة،  أما الغزل فتجده دائما، برفّقة القمر والشمس والحسناوات , وأشياء أخرى جميلة،  وتظهر القباب والاضرحه فيه بهّيبة، تلامس قدسّية السماء.

ديوانها عندما يصعد الجبل، تزداد رقته، وتتداخل فيه التلاوين،  وعندما يذهب به الشوق المذاهب ويشتط،  تجده يرّسم أشياء مذهلة، سيقان حسناوات بأعمدة من مرمر.  وصور أخرى , تحرك في النفس , أشياء كامنة مند زمن الإنسان الأول، وعندما ينّحدر صوب الصحراء، وتحّتويه مفازتها , تجده خشنا صلبا , يخالطه جمال بدائي متوحّش، مند دلك الزمن، عرف بأنها مسّكونة بروح الشرق حتى النخاع.

في احد المرات خطر له أن يرسمها، أستلقي بعقله بعيدا، وأستدعى قلبه، بعدما صف أدواته أمامه، وذهب في خطخطاته، حتى افرغ القلب ما عنده، أيّقن، بان الصورة قد تكاملت، نهض عقله، وقال من فوّره وبلا  تردد :- إنها الخنساء لاريب،  ترّفل في خزّها وقزّها،  فللخنساء خز وقز، وأثواب أخرى تلبسها عند ألحاجه،  وقد فعلت، عندما تقيئ البحر، مسخ بشرى شاك السلاح،  يرفع رايات له، يزينها برسّم لدابة متوحّشة، تُرضع صغار لها، عندها تخلت عن خزّها وقزّها، ولبست ثياب الحرب، وقذفت بأبنائها، في وجه ذلك المسخ،  فسطروا ملّحمة، ببطولات تزيّنت بها صفحات ديوانها.

أتت الحرب على كل شيء، وعصفت بكل ما وصلت له يدها أو لم تصل، وانقشعت بانّكسار روما، وجاءت بآخرين، يعّرفهم الشرق جيدا، فهم من زرعه دسائس وفتن، أثخنته جراحات لم تندمل بعد، وأخرى تنزف بغزاره حتى اللحظة، وكذلك يفعلون، من وراء مدنهم وعاصمتهم المغلّفة بالضباب.

مرة أخرى تحط به ألصدفه في ديارها، بعدما أقنعه بعض من دويه، بالذهاب إلى هناك، لتحّصيل علوم ومعارف , لم يألفها من قبل،  كانت علوم ومعارف خشنه، نظام صارم،  تساءل في نفسه :- هل يستطيع التوافق مع هده العلوم والمعارف ؟ وهو يملك. كيان مسالم , ولسان خجل،  غير أن صدره، ينغلق على قلب غير هيّاب،  أكتشف دلك مند الصغر، بعد خروجه من عدة معامع، خلال سنواته اليافعة ، خضبت بالقاني فئ القليل منها، جلس ذات مرة , يسّترجع خطوط مساراتها  العريضة من ذاكرته،  كانت في الغالب، تبتدئ بترّسيم ساحة العراك  ,  بتلاسن، يتحوّل وبسرعة  إلى سباب متشنّج، ثم تتعمق حدود ساحة العراك، بكلمات بذيئة عارية، لا يُجيد التلفظ بها، ولا يستطيع تحمل وقعّها،  فيتقدم بكيانه , على نحو غير متماسك، اتجاه ساحة العراك، وما أن يقترب من حافتها، حتى ينتفض قلبه، ويفّتك أعنة كيانه، ويُدره بحزم وحرفيّة صعلوك، وما أن تضع الحرب أوزارها، حتى  ينزوي ذلك الغض , الى ركّنه القصيّ، منّهمك في دقاته الرتيبة الدافئة.

لم يصادف صعوبة في التوافق مع العلوم والمعارف الجديدة،  أرجع دلك , إلى نشأته وأسلوب حياته، البعيد عن الترف، وانشغاله بها،  فها هو في ديارها يجدها أن ّأتجه، يعايشها في ظروف متنوعة،  ومع الزمن صارت قريبه من روحه، حتى الالفة، عرفها عن قُرب، كانت منّفتحة على الجميع , وأكثر بقليل على ذاتها، على استعداد دائم , لمد يد العوّن بتلقائية فريدة،  يملاها شعور بالتفوق , على محيطها، دلقت اللسان , لا تُجارى في الحديث والنظم، تملك الكثير من الشجاعة فقد تعتر بها ذات مره، فانتفضت كلبوئه في تحفز , يتطاير شرر، ديارها ذات مرّتع خصب , تفيض لبن وعسل، يجّدب الكثير اليه , من الجوار يتقون به الجوع وشظف العيش، وآخرون أتوها، ولهم فيها مآرب أخرى، ألتقى أحدهم على صفحات احد الدوريات الجادة , يتحدث فيها عنها، بلسان العارف الضليع، أتاها زمن الانتداب , تحت عابئة مستشار للمعارف، كان يحمل درجة علمية رفيعة،

    استكمال العلوم والمعارف الجديدة، دهب به إلى خارج بلاده، حيت مدن الجوار، التقاها هناك في شي منها،  في جوّف الليل، بأحد الشوارع الماجنة بقاهرة المعز،  كانت  تنّتصب في منتصف الشارع وترّبكه،  تضع يدها على أدنها، لتضبط بها إيقاع , تصّدحْ به لغناوة :-  ( شريف لَصّلْ وافى الديّ ن ،،،،،.،)-ابتدعتّها فضائات صحراوية واسعة، حدودها آفاق تلامس أطراف السماء،  فضاقت بها شوارع المدية وأزقتها واستفزتها أيضا، كان ذلك ظاهر في عيون المارة وحركتهم المتوترة،  كان واقفا يُتابع أبعاد الصوت القوى، ألذى يجوب صحارى ووديان وآفاق من شجن بدائي ،  يسّحبه ليغطي به , سماوات المدينة الوَسِنة، اسّتغّراقه في الإنصات للصوت القوى , فصله عن محيطه تماما،  أنتبه إلى يد تحط على كتفه، وهى تقول بلهّجة مصّرية قحة :- ماله ده بيزعّق أمه ماتت وإلا أيه،  صدمه التساؤل وأضحكه، وولد بداخله تساءل :- لمادا اختارت اليد أن تحط على كتفه دون سواه ؟ هل أوّحت  ملامحه وهيئته , بأنه بعض منها،  ولكن ما اذهله كثير في لحظات عبثها هذه، كمْ تبّدو مسّكونة بحب ديارها، وكم هي شغوفة، بأن تعلق شي منه، في عيون الناس وأسماعهم.

انتهى من تحصيل العلوم والمعارف وعاد إلى بلاده،  وذهب مع السنين في تقلباتها، حتى حشرته ذات يوم، في زاوية لقاء عاصف، شُحن توتر واستفزاز، كشرت فيه , عن أنيابها ومخالبها، ربما في محاولة منها لتدّجينه، ولإخافة الحضور ألذى يلفّه، ارعدت وازبدت وتوعّدت،  مُستنفرة المخّلب والناب، وقف محدّق فى وجهها للحظات، ثم قدف  كل أوراقه عند قدميّها، وقرر الرحيل.

جرّته قدماه إلى ديارها، مُودّعا، ثم رحل في غياهب، أسفار شاقة أرهقته، وعاد،  متّعب بعد سنين، أستلقي في استراحة , يُعيد فيها أنفاسه، نفض غبار أسفاره،  تفقد ذاته، ودويه وكل القريبين من روحه ومحيطه، فتش عنها , بين الوجوه , فعيّنيه لا تُخّطئها، وجدها، وقد فُرزت بعيدا , خشنت الملّبس , بوجه عابس مُتجهّم،  كمن لاحقتّه أيادي زمن متفحش، وضيّقت عليه , ورمته على بُعد خطوات من تكفف الناس،  أحْزنه كثيرا، ما خطته ايادى البؤس على صفحات وجهها، شغلته أحزانه ببؤسها، أعتاد عندما تغالبه همومه، وتثقل عليه، ينسحب بعيد مع ريشته، وبعد أن يصفّ أدواته  أمامه، يتناولها، ويذهب في خطخطات لرسومات بالقلب،  فعل دلك كعادته، وما أن توقفت الريشة، وجفت خطخطاتها،  ظهرت أمامه، قباب مكّفهرة الوجه، بوسع المدى، تستسقى لها السماء، كى تُمّطرها بسنين سعدًا، يغاث فيها الناس ويعصرون، عسى أن تتخلى عن خشن الثياب، وتعاود ترفل , في الخز والقز، بوحه مشّرق يتوسطه، انف أخنس جميل.

الجنوب الليبيى

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here