الانفجار العسكري في سوريا؟!

صبحي غندور

تساؤلاتٌ عديدة رافقت ما أُعلِن في وسائل الإعلام عن استخدام النظام السوري للغازات السامّة في منطقة دوما، خاصّةً من حيث توقيت الحديث عن هذا الأمر الذي تزامن مع انتهاء العمليات العسكرية في منطقة غوطة دمشق، وتوصُّل الطرف الروسي لاتّفاق مع المقاتلين في دوما من أجل مغادرتهم المنطقة مع عائلاتهم. فما هي مبرّرات استخدام الأسلحة الكيمائية إذا كانت المعارك قد حُسِمت لصالح الحكومة السورية وحلفائها؟! ثمّ ألم تكن هناك تهديدات أميركية وفرنسية، منذ عدّة أسابيع، بضرباتٍ عسكرية في حال استخدام الغازات الكيمائية في الغوطة، فكيف يُعقل أن يقوم النظام السوري بما يُسبّب هذه الضربات؟!.

أيضاً، وفي قضية التوقيت، لماذا حدث القصف الصاروخي الإسرائيلي لمطار التيفور قرب حمص في ليلة اليوم نفسه الذي طالب به وزير الأمن الإسرائيلي جيلاد أردان واشنطن والمجتمع الدولي باتّخاذ إجراءاتٍ عسكرية ضدّ حكومة دمشق؟! وهل هناك تفسيرٌ آخر غير وجود تهيئة غربية وإسرائيلية لعملياتٍ عسكرية في سوريا متعدّدة الأهداف بتعدّد الأطراف المعنيّة بها؟!.

هذه التساؤلات لا تنفصل أيضاً عن تعيين ترامب لجون بولتون كمستشار لشؤون الأمن القومي، وهو المعروف باتّجاهاته المحافظة المتطرّفة والداعية لشنّ حروب حيث هناك أزمات دولية معنية بها الولايات المتّحدة. فإدارة ترامب الآن تخضع لتأثيرات قوى ثلاث جميعها ترغب بالتصعيد في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، وهي التي ستتحكّم بالسياسة الخارجية الأميركية في هذه المرحلة. وهذه القوى تجمع بين التيّار الإنجليكي المتصهين والتيّار المعروف باسم “المحافظون الجدد”، إضافةً لدور اللوبي الإسرائيلي والعلاقة القوية القائمة الآن بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.

وربّما يجد الرئيس الأميركي مصلحةً كبيرة الآن في حدوث انفجار عسكري كبير لأزمةٍ دولية، كالأزمة السورية وكالخلاف مع روسيا، ليس فقط لخدمة سياسة مقرّرة، بل أيضاً لصرف الأنظار عن مشاكله الداخلية وعن التحقيقات القانونية الجارية مع فريق حملته الانتخابية، ولتعزيز قاعدته الشعبية، ممّا يُسهّل تنفيذ أجندة عهده في “البيت الأبيض”، وممّا قد يساعد أيضاً على فوز حزبه الجمهوري في الانتخابات القادمة في شهر نوفمبر.

إنّ الجبهة الإسرائيلية- السورية – اللبنانية هي من المواقع المؤهّلة لحدوث تصعيد عسكري كبير، والتي قد يتمّ استخدامها لتغيير مسار الأزمات المشتعلة حالياً في المشرق العربي، وحيث يُحقّق فيها خصوم أميركا تقدّماً على الأرض، وحيث سيكون من الممكن الاعتماد أميركياً على دور القوّة الإسرائيلية دون حاجةٍ لتورّط عسكري أميركي واسع في هذه الجبهة. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تحدّث أكثر من مصدر مسؤول أميركي وروسي عن احتمال قيام الولايات المتحدة بضرباتٍ عسكرية داخل سوريا ضدّ الجيش السوري وحلفائه، كما تزايدت التهديدات الإسرائيلية ضدّ قوات “حزب الله” في لبنان وسوريا.

ترامب هيّأ المناخ الآن لهذا التصعيد في سوريا والشرق الأوسط، والذي يريد الرئيس الأميركي أن يجعله متزامناً مع تخفيف الأزمة في الشرق الأقصى مع كوريا الشمالية، ممّا قد يجعله بنظر بعض الأميركيين “بطل سلام” في الشرق الأقصى و”بطل حرب” في الشرق الأوسط!. فترامب يراهن على أنّ التصعيد ضدّ روسيا وإيران وسوريا سيلقى تجاوباً من “الجمهوريين” و”الديمقراطيين” معاً، وهو أقال وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي كان يعارض إلغاء الاتفاق مع إيران واستبدله بمايك بومبيو المعروف بمواقفه السلبية من العالم الإسلامي.

ويحرص الرئيس الأميركي الآن على نقل الاهتمام الداخلي الأميركي من مسألة التحقيقات القانونية حول دعم موسكو لحملته الانتخابية إلى قضايا خارجية ساخنة (سِلماً وحرباً)، وهو هذا المزيج المتوقّع من “سلامٍ” مع كوريا الشمالية ومن “حربٍ” في سوريا. وسيحاول ترامب إقناع حزبه الجمهوري بأنّ أجندته الخارجية هذه، ستساعد “الجمهوريين” على الفوز في مقاعد الكونغرس بالانتخابات القادمة، وستطوي صفحة التحقيقات حول الدور الروسي في الانتخابات الماضية، إذ من المعروف عن الأميركيين أنّهم يقفون خلف رئيسهم حينما يخوض حرباً في أيّ مكان.

ترامب استطاع أيضاً ضمان دعم المؤسّسة العسكرية (البنتاغون) له حيث زاد في ميزانيتها مبالغ ضخمة حتّى وصلت إلى حوالي 700 مليار دولار، رغم العجز الكبير في الميزانية الأميركية والتخفيض الذي حصل في مشروعات مهمّة صحّية واجتماعية وتربوية.

الأخطر فيما يحدث الآن هو المراهنات على سوء الأوضاع العربية والفلسطينية من قِبَل الطرفين الإسرائيلي والأميركي. فحكومة نتنياهو ترفض منذ وجودها في مطلع عام 2009 الدخول في تسويات نهائية بشأن القضية الفلسطينية، وهي عملت جاهدة على إفشال الحراك الأميركي، الذي قام به جورج ميتشل الذي اختاره أوباما مبعوثاً شخصياً له في بدء ولايته الأولى، وسعت لجعل الصراع مع إيران هو أوّلاً، ولتوريط الولايات المتّحدة في حربٍ عسكرية ضدّها، لكي تتوالد مناخات مناسبة أكثر لصراعاتٍ طائفية دامية في العالمين العربي والإسلامي، تُهمّش نهائياً القضية الفلسطينية، وتُبرّر وجود دويلات طائفية ومذهبية في المنطقة. وقد استفادت إسرائيل وتستفيد كثيراً من التداعيات السلبية التي رافقت الانتفاضات الشعبية العربية، ومن ظواهر العنف الدموي الذي يحصل الآن في عدّة بلدانٍ عربية، ومن وجود وممارسات جماعاتٍ ترفع شعاراتٍ دينية إسلامية، وتخدم في أعمالها الإرهابية السياسة الإسرائيلية الراهنة.

وللأسف، يستمرّ الآن تهميش القضية الفلسطينية عربياً بأشكال ومضامين مختلفة. وساهم في هذا التهميش الخطير، الذي كانت لبنته الأولى في معاهدات “كامب ديفيد”، ثمّ بما حصل في “اتّفاق أوسلو” من اعتراف “منظمّة التحرير الفلسطينية” بإسرائيل والتخلّي عن حقّ المقاومة المسلّحة ضدّ المحتل الإسرائيلي مقابل اعتراف إسرائيلي ودولي ب”منظمّة التحرير” وقيادتها فقط، وليس بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه ودولته المستقلّة.

فلم تعد القضية الفلسطينية تعني الكثير لغير الفلسطينيين من العرب، بل للأسف أصبحت أيضاً قضية “التحرّر الوطني” عموماً مسألة فيها “وجهة نظر”!، إذ هناك الآن تهميشٌ للقضية الفلسطينية وطلب تدخّل عسكري أجنبي ومعايير طائفية ومذهبية وإثنية، وذلك كلّه هو المناخ المناسب لتحقيق الأجندات الأجنبية في عموم المنطقة.

إنّ العالم كلّه، وليس فقط منطقة الشرق الأوسط، مهدّدٌ الآن بانفجار حروب عسكرية وأزمات دولية لا يمكن التحكّم بمسارها وبنتائجها. فشرارة النّار موجودة في سوريا والمنطقة حولها، لكن التصعيد في الخلافات بين موسكو وواشنطن وتضارب المصالح الدولية والإقليمية سيجعل لهب النار تمتدّ للعالم بأسره. وهنا خطورة ما يحدث الآن من تغليب في الولايات المتحدة للمصالح الفئوية على حساب المصالح القومية الأميركية. وهذه تجربة عاشتها أميركا والعالم قبل 15 سنة حينما جرى غزو العراق بحجّة أسلحة الدّمار الشامل، وفي ظلّ إدارة مشابهة لما عليه إدارة ترامب الآن، وكان الثمن باهظاً لهذه التجربة التي يحاول البعض الآن تكرارها في ظروفٍ أسوأ للولايات المتّحدة!.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

 <mailto:Sobhi@alhewar.com>

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

4 تعليقات

  1. الاخ علي الخواجة من فلسطين لم افهم سؤالك انا قلت لو وضعت نفسي مكان الجيش السوري و اعلم ان ضمن المنطقة هذه هناك مختطفين سوريين فكيف اضرب بالسلاح الكيماوي حرصا على سلامتهم خاصة ان المساحة اصبحت صغيرة واعلم ان كل الغرب ضد السلاح الكيماوي وبالنسبة للاحوة الفلسطينيين اسأل كيف كانو يعيشون في سورية وخاصة في مخيم اليرموك الذي يحتله الان جماعة ما يسمى اكناف المقدس لتذهبو الى بلادكم وتقاتلو الاسرائيليين هذا اولى لكم ولو كانت سورية مثل اي دولة خليجية لما حل بها ما حل

  2. الى السيد هاشم السلموني
    بعد التحيه
    كيف عرفت هل انت شاهد
    او من قال لك الكلام هل منهم؟

  3. لا يمكن اعطاء الرأي بما جري حاليا بدون العودة الى اصل المشاكل بالمنطقة وهم الصهاينة ,, فلقد اوجدوا حولهم مباشرة وغير مباشرة اي عبر اميركا وحلفاء اميركا بالمنطقة عربا يشغلونهم ,, لقد شغلوا الانعزاليين بلبنان واثاروا مسألة الطائفية المسيحية كعنوان لانضمام اكبر قدر مسيحي للانعزاليين والهدف حينها اخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان ونجحوا في ٨٢ ,, واجتاحوا فولدت المقاومة وباتت خطرا فاعطي الحريري التجييش الطائفي تحت حجة الدفاع عن اهل السنة لالتفاف تحته اكبر عدد من السنة لنيل اكبر تمثيلنيابي والهدف النيل من المقاومة عبر التمكن من القرار ,, السيطرة السياسية على الجيش وقراراته والاعتماد على السياسة الخارجية لنيل الموافقة الدولية على ضرب المقاومة ,, كان قبله رفيق الحريري يحاول شراء ذمة الجيش وكان حينها لحود ورفض ولاحقا فضحه عندما لاحقا اصبح رئيسا وانتهت ولايته ,, فالجيش لضرب المقاومة ولم ينجحوا فتوصلوا عبر اميركا والسعودية ومن يدور بفلكهم لضربها عبر الصهاينة في ٢٠٠٦ وبتلك الفترة كانوا يصادرون سلاحها كما كانوا يطلبون منها حثيثا بتسليم سلاحها ويطلبوا من الصهاينة اكمال المعركة اي يحرضونهم ,, فشل الصهاينة ,, نقلت جماعة الحريري مسألة الدفاع عن اهل السنة للخارج ,, وبروباغاندا دائمة انهم خائفون من المقاومة ,, العالم العربي لم يكن يعيش بتلك الحالة ,, فنقلوها عبر الحقائب بداية لسوريا عبر خدام وشخصيات كان رفيق الحريري حينها بموقع الصديق لكنه تلك طريقته بالشراء لكسب اكبر جمع موالي لتسهيل اموره ,, ومحاولة رشى الجيش بلبنان ليؤتمر بما يريد ,, الرشى بسوريا كانت آثارها خطيرة وتبين انشقاقات لاحقا ,, كما اثاروا تلك الطائفية بالعالم العربي حتى تطورت تلك الحالة وتلقفها مخابرات عدة وتم تكوين المنظمات الارهابية التكفيرية التي تنادي كما ينادي الحريري بالدفاع عن اهل السنة , فكرة التجييش الطائفي اثمرت بسوريا وخاصة عبر الاموال والعشائر ,, فسوريا معاش الموظف كان قديما في ٢٠١١ وقبلها حوالي ١٠٠ دولار بالشهر او اكثر ,, فعندما دخلت مليارات الخليج فجن جنون كثيرون واستماتوا وانشقوا وصارت حربا ودخل داعش والنصرة وكثيرون تشكلوا والمال والسلاح تدفق بشكل غزير ,, والحريري الذي كان ولا زال يعمل بروباغاندا معادية للاسد ,, واتبع في مسائل عدة نهج والده في فرنسا ,,رفيق الحريري صادق شيراك وتحول بسبب تلك الصداقة من صديق للمرحوم حافظ الاسد الى عدو لابنه الرئيس بشار وعدو ايران ,, وشيراك اتهم بالفساد لذلك كانت علاقته بالحريري نتيجة اسلوب الحريري المكشوف الكرم والسخي لاصدقاء وغير اصدقاء يتحولوا عبر الوسيلة نفسها اصدقاء مصالح ,, فرنسا فيها رشى كما ايضا اتهم ساركوزي وهناك حالة ساسة كانوا ياخذون من قطر ولما انكشفت القصة توقفوا ,, فالحريري بجلوسه مع ماكرون انما يثير نفس الاسطوانة التي نسمعه عن الرئيس بشار ,, فمكرون بتلك العلاقة وزيارته بن سلمان بدأ باتباع نفس وتيرة الحريري تجاه الاسد وركز كثيرا خلال الفترة بتحرير الغوطة بشكل استثنائي وكبير على التهديد لسوريا والاسد تحت حجة الكيماوي وتلك حالة واضحة وجاهرة بان تلك الحالة كان وراءها الحريري وبن سلمان ويتواصل مع ترامب لانه بات طرفا عدائيا واضحا ,, ماي كانت زيارة بن سلمان مظاهرات بالشوارع تصفها تعد الفلوس وبن سلمان يرمي الجثث ففي بريطانيا لديهم انطباع انها تقبض ,, اما مليارات ومئات مليارات بن سلمان لترامب فباتت واضحة ,, والصهاينة بات ترامب العوبة بيدهم يطلبوا فيعطي ,, ففي العودة للاصل ان الهدف بكل ما حصل من خراب وقتل وتدمير للمنطقة هو صهيوني وعرب يشاركون بصياغة وتحقيق الاهداف ,, وكيف اجتمعوا مع رايس بلبنان للبدء بمشروع الشرق الاوسط الجديد ,,وبالعودة ماكرون يبدو انه ينفذ لترامب بتوافق معه ,, لكنه يحاول تغيير موقف اوروبا من الملف النووي تمهيدا لحرب تريدها الضهاينة والسعودية , وهذا التصعيد كان ينمو بالفترة الاخيرة ليصب بالمخطط المرسوم ,,ترامب لا يدخل حروب بدون اوروبا ,, وكانت الضغوطات التجارية لعودتها لبيت الطاعة ,, لكن لم يحصل بل حصل عبر توجيه الحريري وبن سلمان لماكرون وبن سلمان بزيارته الى تيريزا ماي ,, اما ما كان الحريري يريد عندما لا يكون نفوذ للمقاومة فكان اقله نهب النفط والغاز على الاقل , وربما كان الصهاينة سيستولوا ويدفعوا كومسيونات ,, لكن الحال تغيرت وبدت اطماع الصهاينة مؤخرا بحقول لبنان وبظل جيش ومقاومة فكيف مثلا لو نجحوا بالقضاء على المقاومة سابقا وما زالوا يراهنوا على ضرب سوريا بكل البروباغاندا والحجج والفبركات عسى برايهم ضرب المقاومة ,,
    فتلك الحالة لها الصهاينة تلعب بالمنطقة منذ ان جاءت وتخطط لكل قوة تؤثر عليها ,, لكن ما كل ما يتمنى الصهاينة يحققوه فهناك واقع حال لا يمكنهم تحمله ,, فعليهم ان يتعودوا عليه ويستعدوا لما قال لهم بنغوريون عن اول هزيمة هي مؤشر لنهاية الصهيونية ,, وربما هو احقر صهيوني لكنه يعرف معدنهم ويعرف كيف سينكشف جبنهم وهزيمتهم امام من سيهزمونهم بعزم وثبات سيبث بقلوبهم رعبا يكبر مع الايام ,, لذلك المعركة تكبر ككرة الثلج بالمنطقة ,,

  4. اعتبروني انني ضد النظام السوري ولكن لدي سؤال اعتقد انه منطقي وهو بما ان النظام السوري يعرف بأن لديه مختطفين في دوما وعددهم بالآف فكيف يضرب بالكيماوي وهو لايعرف مكان وجودهم , ألا يخشى النظام ان يصيف المختطفين بالسلاح الكيماوي ؟ كما ان الجيش السوري اصبح ضمن المنطقة الا يخشى على عناصره؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here