الانتفاضة مستمرة

  بشارة مرهج

أن الموضوع الأساسي الذي يشغل الأنتفاضة الشعبية المباركة منذ أنطلاقتها في 17 ت1 هو التعبير عن وجع اللبنانيين المزمن جراء الممارسات الظالمة التي احترفتها السلطة الحاكمة… تلك الممارسات التي نالت من كرامة اللبنانيين وهدرت أموالهم وحشرت معظمهم في خانة الفقر والجوع والمهانة، بعد أن أطلقت يد المليشيات والأحتكار والتخلف في نهب مؤسسات الدولة وإداراتها وأشاعت فكرة  التبعية والاستزلام بين مؤيديها. ولمقاومة هذه الحالة المزرية التي وصلت اليها البلاد وأبناؤها إجترح اللبنانيون  إنتفاضة  فريدة من نوعها هزت منظومة الفساد فلفتت أنظار العالم وحركت لبنان الأغتراب الذي يتوق، كما لبنان المقيمين، إلى وطن متحرر من الطائفية السياسية المتخلفة والجماعات الأحتكارية الظالمة.

ولما كانت الانتفاضة السلمية قد نجحت في التسامي على كل أنواع العصبيات المريضة التي تتوسلها السلطة الحاكمة لأدامة أستغلالها وجورها فقد كان من الطبيعي أن تتعرض هذه الأنتفاضة إلى ضغط مفتعل من هنا وتشويه متعمد من هناك بغية حرفها عن خطها المستقيم المتجه الى مقاومة الظلم والهدر والفساد وأقامة نظام ديمقراطي عصري عادل. ولم يكن مستغرباً في هذا السياق أن تعمد أطراف في الطبقة الحاكمة كما بعض السفارات إلى المس بسلامة الأنتفاضة وانتهاك استقلاليتها والعمل على تشتيتها وإطلاق النعرات من حولها عبر شعارات إستفزازية يتكفل بطرحها وصوليون وانتهازيون ينشطون “غب الطلب” لتوفير الذرائع لكل من يبتغي التراجع عن مواقفه ، ولكل من يتربص شراً بالحركة الشعبية التي تجرأت على تحدي الحاكم وإحراجه .

لكن الأنتفاضة التي ولدت من رحم المعاناة واشتد عودها على طريق النضال تسعى الان جاهدة لتفادي الوقوع في الشرك  والرد على تلك المحاولات الخبيثة بمزيد من العمل الايجابي كانت ذروته مبادرة سيدات الأنتفاضة في عين الرمانة والاشرفية إلى التواصل والتفاعل مع أهالي الشياح وخندق الغميق مما بدد الأجواء السامة وأشاع جواً وطنياً عارماً لم تكدره، بعد ذلك، سوى حادثة فردان وما تلاها من أعتداءات، بما فيها  أقتحام قصر العدل، وكلها تجاوزات قوبلت بأستنكار مختلف الأوساط اللبنانية التي هالها التعدي على قضاة وفتيات وفتيان مسالمين.

وإذ تستمر الانتفاضة في تحمل مسؤولياتها بوجه الفساد والمماطلة والأحتيال فقد أصبحت أشد تصميماً على متابعة الطريق الشاق مدركة أكثر من أي وقت مضى حجم المعركة التاريخية التي تقودها في سبيل التغيير والإصلاح بالتزامن مع أنقاذ الدولة من مستغليها والمسيطرين على مواردها وخيراتها.

أما العبرة الأهم التي خرجت بها الأنتفاضة من خلال اصطدامها بحماعات التسلط والفساد فتتلخص بكشف المتواطئين والمزايدين الذين لا يختلفون موقفاً ونهجاً عن كل من فرّط بحقوق البلاد وهدر أموالها ورفض تقوية الجيش وتحامل على المقاومة وتخلف عن  نصرة بلاده في وجه الصهيونية والأستعمار والأرهاب.

لكن صمود الأنتفاضة لا يعفيها من مراجعة جادة وموضوعية ترسخ هذا الصمود وتجعلها مرة أخرى على طريق الأنتاج والإنجاز. ولعل الوقت قد حان للمصارحة ولا سيما فيما يعود إلى بعض الشعارات والممارسات التي تحتاج إلى تعديل أو تطوير لتفادي أي نزعات شمولية او فوضوية يمكن ان تتسرب الى ثنايا الأنتفاضة تحت ستار الثورية او الجذرية. صحيح ان الطريق طويل ومؤلم قبل إسقاط المنظومة الفاسدة، ولكن كل المواقف القمعية والتصرفات الفوقية لهذه المنظومة تشير أن لا بديل من هذه الأنتفاضة لتحقيق أماني الشعب اللبناني.

كاتب ووزير لبناني سابق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الزُّمرة االحاكمة مثل مثيلاتها في البلدان العربية لا تهمّها الشعوب بقدر ما تهمها مصالحها الشخصية ، فالشعب مُهمَّش بعيد عن هموم البلد ف” الزمرة المُتحكِّمة ” هي صاحبة القرار ، فماذا جنت لبنان من مشاركة ( حزب الله ) في حرب سوريا التي لا ناقة و لا جمال لِلُبنان فيها ؟ لا شيء ، قرارٌ اتخذته الشرذمة التي تتحكم في كل شيء . مصيببةٌ كبرى لحقت بالشعوب العربية من جرّاء هذه ” السلطات المُخزِية ” ، إن لم تنهض هذه الشعوب و تنتفض ضد هؤلاء و تُزيل أثرَهم من على وجه الأرض فستبقى تعاني إلى أجل غير مسمّىً ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here