د. باسم عثمان: الانتخابات الفلسطينية بغياب الحل السياسي…  إعادة انتاج الذات القديمة

 

د. باسم عثمان

أن الركود السياسي والدوران في حلقة مفرغة, وإعادة انتاج الذات القديمة بشهوتها ورهاناتها, السمة الأبرز للمشهد الفلسطيني العام ونظامه السياسي الرسمي, الذي خطف ويخطف كل يوم آمال الفلسطينيين في الوصول الى حالة فلسطينية متعافية وصحية, وكان التقدير أن يشكل اجتماع القيادات الفلسطينية في رام الله وبيروت في 3/9/2020, خطوة لانطلاقة جديدة, تعيد نوعا من “الثقة الغائبة” بين الشعب وقيادته السياسية, ليتضح بالممارسة ان ما حصل, ليس الّا حدثا إعلاميا ورسالة إعلانية دون ترجمة نصوصها وبياناتها, ودون تفعيل ما تتطلبه تحديات الحالة الفلسطينية واستحقاقاتها سياسيا وتنظيميا ودستوريا, لترتيبات النهوض الفلسطيني الجديد الذي قزمته رهانات المراهقة السياسية للرسمية الفلسطينية ،حيث استخدمه البعض- الاجتماع القيادي- لتعزيز حضوره وتسويق نفسه إقليميا ودوليا, ليتمكن من “العبور السياسي” المنتظر, وفق الترتيبات الإقليمية والدولية التي تجتهد في البحث عن “غطاء فلسطيني” لتمرير صفقاتها المشبوهة, وكأن الهدف منه, عقد صفقات بينية وتفاهمات ثنائية بين ذات السلطة القديمة, لإعادة تدوير وانتاج “ذاتها وامتيازاتها”, على حساب المشروع الوطني الفلسطيني وانطلاقته الجديدة, وتقويم عمل نظامه السياسي وتأصيله, في تحديد معالم خارطة طريق فلسطينية جديدة, كفيلة بإنهاء الانقسام وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية الفصائلية الضيقة.

ان “القائمة المشتركة” بين (طرفي السلطة) في الانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها – وفق التفاهمات الثنائية وتصريحات قادة الحركتين -هي الوصفة الامثل لتدمير اسس النظام الديمقراطي الفلسطيني وشرعيته الثورية, استنادا الى تعريف الحالة الفلسطينية وخصائص سمتها الراهنة في التحرير الوطني والاستقلال, لأن الكل الفلسطيني شركاء بالهم والدم والمسؤولية الوطنية وصنع القرار, ولأن القضية الفلسطينية قضية حقوق وطنية وليست قضية نقابية او مؤسساتية شعبية, في دولة كاملة السيادة الوطنية تخوض معاركها “الإدارية و النقابية” على حساب معركتها الوطنية والسياسية!!, خصوصا ان الشعب الفلسطيني بكل شرائحه الاجتماعية لا زال مغتربا عن حالته الوطنية وقيادته السياسية، بفعل الركود السياسي لمرجعيته, وسياساتها الخاطئة والضبابية في رؤيتها السياسية.

إن الانتخابات الفلسطينية- بغض النظر عن مسمياتها- جزء من الحل وليس كل الحل، وليست وسيلة لتقويم المسار السياسي, بل اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي, الانتخابات نتيجة طبيعية للحل الوطني العام والرزمة الشاملة لتحديات الحالة الفلسطينية وتعقيداتها داخليا وخارجيا، هي الأداة والوسيلة لأهداف وطنية وليست هدفاً بحد ذاته، لذلك، فان الدعوة إلى الانتخابات في الوضع الفلسطيني الحالي بدون انهاء الانقسام, وتوحيد المؤسسات, والتوافق على رؤية وطنية والشراكة السياسية، مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في المجهول، الّا اذا كان ” الثنائي” المتحاور يسعى لإدارة الانقسام وإعادة انتاج الذات المأزومة سياسيا بأسلوب نقابي وسلطوي صرف, و يسعى أيضا,الى تذليل كل الخيارات الوطنية للفلسطينيين وحقهم الدستوري والوطني في انتخاب ممثليهم, بطرق وطنية وديمقراطية للكيانية السياسية(م.ت.ف) المعبرة عن طموحاتهم وحقوقهم المشروعة وتلازمها, او السعي لكسب الوقت لأهداف “تكتيكية” تهدف الى انتاج و”تلميع” البديل الفلسطيني وانخراطه في تسويق اجندات المحاور الإقليمية والدولية؟!.

ان “التفاهمات الثنائية المشتركة” بديل عن ” التفاهمات الوطنية العامة” ، شأنها ان تكرس نهج “الأبوة” السياسية واحتكار المسؤولية, وهي ليست اكثر من التفاف تكتيكي لإعادة انتاج القديم بالجديد-القديم ,الذي جربه الشعب الفلسطيني طويلا, وكان سببا رئيسيا في انتكاساته المتتالية واغترابه الوطني والسياسي عن حالته الوطنية ومرجعيته السياسية, وأيضا الامعان في إدارة الظهر لإرادة الجمهور الفلسطيني وادراكاته, حيث تحشره امام خيار وحيد : انتخابات ادارية جزئية – “لتقاسم وظيفي”- لنهجين مختلفين تماما (اجتماعيا وايديولوجيا وسياسيا) وبقائمة مشتركة, الهدف منها ان يحمل كل منهما الاخر لإعادة تدوير السلطة بينهما؟! وتغييب منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها من خلال مصادرة حقوقها وواجباتها, وتعويم حضورها ككيانية سياسية تمثل كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وصاحبة قراره الوطني والسياسي والسيادي.

ان مفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني، يقوم على اساس الاستراتيجية الوطنية التوافقية للكل الفلسطيني، بمختلف اطيافه وقواه السياسية والاجتماعية والجماهيرية، من خلال حوار وطني جاد ومسؤول، تحت راية (م.ت.ف) باعتبارها الوعاء والإطار الوطني الذي يجمع كل الفلسطينيين والكيان السياسي له، وباعتبارها الإطار المفترض ان يوحد كل القوى في معركة التحرير، وما السلطة الفلسطينية الا احدى ادواتها الكفاحية والخدماتية الوظيفية التي تخص جزء من الشعب الفلسطيني فقط.

ان الهدف من اية انتخابات كانت، هو التنافس الديمقراطي لبرامج عمل انتخابية بغض النظر عن شخوصها وقواها، تفتح المجال امام الجمهور في اختيار ممثليه الذين يعبرون عن طموحاته واهتماماته، فهل هناك برنامج انتخابي مشترك يجمع بين نهجين مختلفين في كل شيء؟ وهما ذات النهج الذي لا زال السبب الرئيسي لكل انتكاسات الحالة الفلسطينية وانحسار حضورها عربيا وإقليميا ودوليا، وفتح شهية بعض أنظمة الخليج “للتطبيع” مع الاحتلال، إذا، هو “تحالف الخائفين” من ضياع السلطة, بعد تعريّة أداء “السلطتين” في وعي وادراكات الشعب الفلسطيني، او الخوف من تسويق شبح البديل الفلسطيني المفروض عربيا واسرائيليا وامريكيا، وهذا ما تم الإشارة له من تسجيلات صوتية او مقابلات لبعض من قادة الحركتين بعد إقرار التفاهمات الثنائية بينهما, في الوقت الذي ندرك فيه تماما, ان تحصين القيادة الفلسطينية من خطر البديل, هو بتمكينها الاستراتيجية الوطنية التوافقية للكل الفلسطيني دون استثناء, والتفاف الجماهير من حولها دعما لرؤيتها السياسية, وهذا يندرج تحت عنوان : الحل السياسي وانهاء الانقسام أولا, ومن ثم تأتي تجديد الشرعيات الفلسطينية كنتيجة طبيعية لهذا الحل السياسي وليس العكس.

ان الضرورة الوطنية واستحقاقاتها, وتضميد الجراح النازفة للحالة الوطنية, وابراز الحضور الفلسطيني القوي في كل المحافل الإقليمية والدولية, يتطلب وطنيا واخلاقيا, اصلاح النظام السياسي الفلسطيني ووحدة استراتيجيته المقاومة, بهذا فقط ستلبي نتائج الانتخابات متطلبات النهوض الوطني الفلسطيني, وغير ذلك, ستكرّس ما هو قائم وتزيده استفحالا, تعبيراً عن عجز ويأس سياسي  لا يرتقي الى مستوى التحديات الراهنة لا داخليا ولا خارجيا.

في المقابل، إذا بقي الحال على ما هو، ولم تتراجع الحركتين عن تفاهماتهما البينية، فأننا ندعو كافة الأحزاب والقوى الفلسطينية والشخصيات الوطنية والاكاديمية الأخرى, العمل على النزول في الانتخابات بقوائم موحدة على أساس رؤية وطنية مشتركة، ووفق ما يقتضيه النظام الانتخابي القائم على أساس النسبية الكاملة، حيث ان الاستحقاق الانتخابي سيضع الجمهور الفلسطيني امام تحدياته ، قوى قديمة جربت وتريد انتاج ذاتها، مقابل قوى التجديد والشباب ورؤيتها الوطنية الجديدة ، وعلى الشعب الفلسطيني الاختيار بين التجديد او إعادة انتاج القديم، بين الانتظارية والتسويفية وسياسة الامر الواقع او نبض الشارع الفلسطيني وارادته الوطنية التجديدية.

الكاتب والباحث السياسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here