الانتخابات البرلمانية المقبلة في شبه القارة الهندية بين المحاسبة والمساءلة الديمقراطية

 

د. وائل عواد

يخطئ من يعتقد أنه من الممكن التكهن بنتائج الانتخابات الديمقراطية في الهند .وقلما نجحت وكالات ،مؤسسات او مواقع متخصصة في إعطاء النتائج المتوقعة ،كما هي الحال في العديد من بلدان العالم . والانتخابات التشريعية للمجالس الإقليمية  التي صدرت نتائجها خير دليل على ذلك .فقد أجريت الانتخابات التشريعية في خمس ولايات هندية تعد ضمن الحزام الهندوسي الشمالي وأدت إلى خسارة الحزب الحاكم بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي على حساب حزب المؤتمر الوطني  الذي سجّل أول فوز له في ثلاث ولايات رئيسية تحت زعامة راهول غاندي ابن سلالة غاندي الذي تسلم زعامة حزب المؤتمر الوطني في 16-12-2017  هذا الحزب الذي  حكم الهند لأكثر من نصف قرن منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني  .

هذه الانتخابات التشريعية كانت بمثابة صفعة قوية للحزب الحاكم الذي يعّول كثيرا” على أبناء الطائفة الهندوسية  من خلال إثارة قضايا مثيرة للجدل لجذب أصوات الناخبين  والتي زادت من حالة التوتر الطائفي والعرقي في البلاد .وفضّل الناخب الهندي التصويت للحزب الرئيسي المعارض بعد فشل الحكومات الاقليمية ، الموالية للحكومة المركزية ، بتنفيذ برامجها الانتخابية وتحسين مستوى الحياة المعيشية للشرائح الفقيرة من المجتمع الهندي والتي تشكل الأغلبية من السكان .

وكما يقول اليكسس دي دوتيكويفيل ” ” لا ديمقراطية دون محاسبة وإلا انكفأ  الأخيار وتمادى الأشرار “.

لذا تلعب الانتخابات الديمقراطية دورا” هاما”في المحاسبة وتقييم دور السلطة الحاكمة في المجتمعات الجديدة التي تطمح إلى التحديث والتطوير وبناء المجتمع المدني الحر .

تلك هي قواعد اللعبة والمنطق الفكري المتحضر وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا” رئيسيا” في الوصول إلى المواطن العادي والمناطق النائية التي كانت معزولة وخارج دائرة صنع القرار .

وتلعب الانتخابات في الهند دورا” حيويا” في التعرف على مدى نضج الشارع الهندي في الانتخاب والتصويت بما يراه مناسبا” وهذا بحد ذاته تحد للأحزاب السياسية للبقاء على تواصل مستمر مع فئات المجتمع كافة التي تتوقع من هذه الأحزاب التي صوتت لها أن تنّفذ وعودها الانتخابية .

ويبدو ان الانتخابات بدأت تأخذ منحى آخر في جعل الصراع مفتوح بين الحوار المفتوح والمحاسبة التقليدية  و المونولوجية المتمثلة بشخص واحد وهو رئيس الوزراء ناريندرا مودي .

تعد الهند بلد المليار و300 مليون نسمة  اكبر ديمقراطية في العالم حيث يحق لأكثر من 750 مليون شخص الإدلاء بأصواتهم واختيار ممثليهم إلى البرلمان .

وتشتد المنافسة بين الأحزاب الرئيسية مثل حزب المؤتمر الوطني وحزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي وغيرها من الأحزاب الوطنية الأخرى .كما تلعب الأحزاب الاقليمية دورا” هاما” في تشكيل الحكومات الائتلافية والتي على ما يبدو في طريقها مرة اخرى إلى الساحة السياسية الهندية .

ويشتد التنافس اليوم لكسب اصوات الاغلبية من الهندوس ولذلك بدأت هذه الحملات الانتخابية تأخذ منحى” دينيا” ويميل معظم قادة الأحزاب السياسية لإرضاء العامة من خلال الوعود ببناء المعابد للالهة الهندوسية ،تغيير اسماء المدن والشوارع إلى شخصيات هندوسية ،حماية البقرة الهندية  وغيرها من القضايا حتى قيام أنصار من الحركات الهندوسية المتشددة إلى بناء معبد في جامعة جواهر لال نهرو وبناء معبد هندوسي مكان جامع مسجد الشهير في العاصمة دلهي وعلى مراى من رجال الامن والشرطة ولم يعارضهم بالهتافات المتطرفة أحد.وهذا ما زاد من مخاوف الاقلية من مغبة استهداف ممتلكاتهم لتحقيق المتطرفين مآربهم.

الصراع على السلطة

بعد فوز حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي بالانتخابات البرلمانية العامة الأخيرة وتبنيه للقضايا الهندوسية الدينية وعلى أنه حامي مصالح الاغلبية من السكان، عمدت الاحزاب الاخرى لتغيير سياستها في الحملات الانتخابية واظهار مدى انتمائهم للهندوسية من خلال التودد إلى نساك المعابد وإظهار مدى تفانيهم في الدين .مع العلم أن الدستور الهندي يساوي بين جميع المواطنين بغض  النظر  عن الدين أو العرق أو الطائفة أو الجنس .وقانون الانتخابات يحظر على المرشحين للانتخابات وأنصارهم من مناشدة الناخبين على أسس دينية  للتصويت لصالحهم.

ولوحظ تردد زعيم حزب المؤتمر الوطني راهول غاندي إلى المعابد الهندوسية خلال زيارته للمدن والقرى الهندية  وتودده للنساك الهندوس لإظهار انتمائه الديني ، الأمر الذي دفع البعض للقول أن حزب المؤتمر خطف الأنظار من حزب بهارتيا جاناتا وأصبح “حزبا” هندوسيا” معتدلا” ” ولهذا السبب فاز في الانتخابات للمجالس المحلية في ثلاث ولايات رئيسية كانت تعد معاقل لحزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي الحاكم . ويبدو أن خسارة الحزب الحاكم كانت موجعة للغاية وبدا قادة الحزب بوضع الخطة المقبلة لخوض الانتخابات المقبلة

ومن بين  القضايا  الأخرى التي تطرحها الأحزاب السياسية  تتمثل بمحاربة ظاهرة الارهاب ،السياسية الوطنية والخارجية ، الحوار مع باكستان ،والتقرب مع الولايات المتحدة في الحرب على ما تسميه بالإرهاب في جنوب آسيا .وسبل تحسين الحياة المعيشية والاجتماعية للطبقات الفقيرة والحفاظ على نمو اقتصادي  محلي من خلال مواجهة تحديات الانحسار الاقتصادي العالمي .

البقرة تمنحك الحليب وليس اصوات

كان هذا العنوان من التعليقات القاسية على نتائج الانتخابات الأخير للمجالس المحلية . وهي اشارة إلى الحزب الحاكم بأن استغلال مشاعر الهندوس والدعوة لحماية البقرة باعتبارها مقدسة لن يكسب الحزب المزيد من الأصوات خاصة بعد وتعرض العديد من المسلمين للقتل بتهم ذبح الابقار وتناول لحومها، وهذا أثار من مخاوف الشارع الهندي حول المزيد من الانقسام والفوضى .وما يهم المواطن الهندي أن يستطيع العيش بامن وأمان ودخله كاف في بقائه على قيد الحياة .ولذلك كان السخط واضحا” ضد الحكومة وحملوها مسؤولية ارتفاع أسعار المواد الغذائية و التضخم وانخفاض الدخل وارتفاع نسبة الضرائب.

ومن العوامل المؤثرة في نتائج  الانتخابات الهندية :

  • الرغبة في تغيير الحزب الحاكم

  • العامل الديني : والمطالبة للأغلبية الهندوسية المشاركة بالانتخابات للتقليل  من أهمية أصوات المسلمين الأقلية الذين يشكلون 13% من المجتمع الهندي.

  • الأوضاع الاقتصادية ومدى تحسين مستوى الحياة الاقتصادية والمعيشية للمواطن .

  • الطبقية : والتي لا تقل اهمية حيث تصوت بعض الطبقات لصالح مرشحيها من أبناء هذه الطبقات المنحدرة .

  • عوامل اخرى مثل سياسة الحكومة والقادة السياسيين والعامل المادي في إغراء الناخب الهندي.

زعامة سلالة غاندي لحزب المؤتمر الوطني

تسلم راهول غاندي نجل الزعيم الراحل راجيف غاندي زعامة حزب المؤتمر الوطني العام الفائت وتعرض لانتقادات لاذعة من رئيس الوزراء ناريندرا مودي وأنصار حزبه وطاقمه  على الشبكة العنكبوتية الإلكترونية الذين هاجموا وسخروا من هذا الزعيم الشاب وأنه لا يضاهي رئيس الوزراء ناريندرا مودي الذي حقق شعبية عارمة داخل وخارج الهند .

لكن هذه الحملات لها حدود وفاز حزب المؤتمر بالانتخابات التشريعية الماضية تحت قيادته وهو أول انتصار للحزب والذي رفع من معنويات  أنصار الحزب المنهارة .

الانتخابات البرلمانية المقبلة مفتوحة

من المتوقع أن تتوجه شبه القارة للانتخابات البرلمانية العامة  منتصف العام المقبل وفتح باب التنافس  على مصراعيه واحتمالات فوز أي من الحزبين الرئيسيين باعلى نسبة من المقاعد في البرلمان الذي يضم 543 مقعدا” .

سوف تكون هذه الانتخابات بمثابة استفتاء للحزب الحاكم خاصة في سياسته الاقتصادية  وقدرتها على التقارب للفلاحين وانهاء معاناتهم .

سوف يتصدر ملف بناء معبد  الاله رام  عند الهندوس مكان مسجد بابري، الذي دمر عام 1992، في مدينة أيوديها في ولاية أوتار براديش وسط البلاد .وهل سيقوم حزب بهارتيا ،المتبني لسياسة هندكة الهند،  بإصدار قانون يسمح بموجبه بناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري بدون العودة للمحاكم. وقد تكون الخطوة الاولى لتدمير العديد من المساجد بحجة انها بنيت على انقاض معابد هندوسية  خلال حقبة حكم المغول الهند. شعارهم توحيد صفوف الهندوس لمنع الانشقاقات وتقسيم الهند من جديد .

رغم كل ذلك، قطعت الهند مرحلة طويلة في تأسيس دولة المؤسسات الديمقراطية  على مدى سبعة عقود منذ الاستقلال. وأخذت الدولة طابع العمانية والتسامح وتقبل الطرف الآخر .  وعمدت  الحكومات المتعاقبة على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل ملحوظ .وهاهي ، بلد المليار و300 مليون نسمة ، تتربع اليوم على أبواب نادي الدول العظمى القوية اقتصاديا” وسياسيا” وعسكريا” على عكس جيرانها الذين مازالوا يتعثرون في طريق ترسيخ الديمقراطية في بلادهم .ويكفي الهنود فخرا” أن بإمكانهم التصويت بكل حرية لاختيار من يمثلهم في البرلمان مهما اعتبر البعض أن الإفراط بالعملية الديمقراطية لا يعطي ثماره للطبقات الفقيرة.

ومن سيفوز بالانتخابات المقبلة ؟هل يحتفظ حزب بهارتيا جاناتا الحاكم بالسلطة بمفره أم بمساعدة حلفائه (وهذا ما هو متوقع) ؟ أم سيعود حزب المؤتمر الوطني بالتربع على عرش السلطة بمساعدة حلفائه من الأحزاب الإقليمية والعلمانية واليسارية ؟

أسئلة عديدة من المبكر الإجابة عليها ولكن الشيء المؤكد أن حقبة الحكومات الائتلافية في شبه القارة  الهندية ستعود من جديد…

متخصص بالشؤون الاسيوية

 www.waielawwad.com

Twitter acc. waiel awwad @abunouman

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. احييك دكتور وائل على هذه المقالة الرائعة. شكرا لكم وارجو ان تحتفظ بنسخة خاصة لي من المجلة ولو شراء ان كانت متوفرة هنا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here