عزيز أشيبان: الاقتصاد المغربي في مواجهة وباء كورونا

 

 

عزيز أشيبان

مما لاشك فيه أن ظهور فيروس كورونا الغير متوقع أربك الحسابات وأحرج النوايا ووضع كل البنيات على المحك.  من الطبيعي أن يستأثر الاقتصاد بالقسط الأوفر من الاهتمام والتركيز في ظل توقف الحركية الاعتيادية وتوغل الآثار المباشرة لانتشار الوباء.

هناك من نادى بتبني فكر اقتصادي جديد والاستفادة من دروس حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 لتجاوز الأزمة الحالية والتخفيف من الخسائر.

 المغرب كغيره من بلدان العالم تأثر بفعل توقف النشاط الاقتصادي خلال فترة الحجر الصحي وانضافت مخلفاته إلى آثار الاختلالات البنيوية التي تعيق عملية بناء أسس اقتصاد متين منذ عقود.

هناك تساؤلات منطقية لفترة ما بعد كورونا خصوصا وأن الاقتصاد المغربي كما هو الحال بالنسبة لبعض الدول العربية تستوطنه الهشاشة  ولا يتوفر على المناعة الضرورية لامتصاص أزمات من حجم انتشار الأوبئة ولا يزال في طور بناء هويته الاقتصادية.

من المؤكد أن الآثار الكارثية للوباء تتوزع مابين الآني والبعيد المدى، من أهمها:

  • انكماش اقتصادي بفعل تراجع النمو الاقتصادي وتقلص مستوى ووعاء المداخيل لتأثر موارد الدخل الرئيسية : انخفاض الإيرادات الضريبية، انخفاض موارد المهاجرين المغاربة في الخارج، انخفاض مداخيل السياحة…

  • ارتفاع عجز الميزانية العامة بسبب تعمق الفجوة بين النفقات والايرادات

  • تأثر قيمة العملة المحلية وتخفيض سعر الفائدة

  • استفحال العجز التجاري

  • ارتفاع نسبة التضخم

  • تقلص احتياطي العملة الصعبة

  • ارتفاع فاتورة أداء الدين الخارجي

  • تراجع وتيرة الاستثمار

  • تأزم وضعية المقاولات الصغرى والمتوسطة

  • تقهقر تنافسية المنتوج الوطني

  • تعمق الاحتكار و تكريس غياب تعددية الفاعلين الاقتصاديين

  • استفحال البطالة.

في ظل هذه الوضعية الخانقة، تلجأ الحكومات  إلى رزمة من الإجراءات التقنية الصرفة لتدبير المرحلة من قبيل: تبني سياسة التقشف وترشيد النفقات، دعم مباشر للمقاولات الصغرى وتسهيل الحصول على القروض، وإجراءات التخفيف الضريبي لإنقاذ الشركات من الإفلاس.

لكن، ما مدى نجاعة هذه التدابير الإجرائية الاحترازية   في ظل وجود اختلالات بنيوية تجهز على البنيان الاقتصادي من الأساس. بعبارة اخرى، لا مناص من الخوض في التدابير التقنية التي تتمحور أساسا حول إجراء تعديلات على عملية تدبير الميزانية السنوية، لكن يستوجب و بإلحاح الخوض في الحلول الجذرية لبناء أسس اقتصاد  بلد يسعى إلى الالتحاق بنادي الاقتصاديات الصاعدة.

لا جرم أن الاختيارات السابقة جعلت الاقتصاد المغربي عرضة للتطويق والهشاشة والانكماش، لذلك من الواجب إعادة بناء رؤية اقتصادية تنموية واقعية تراعي الخصوصية المحلية وموارد البلد الطبيعية والبشرية و ترمي إلى بناء أنساق جديدة لخلق الثروة وسبل توزيعها و إيجاد بدائل اقتصادية حيوية.

كما يجب التركيز على التنمية الاجتماعية وتقوية الطبقة الوسطى. حقيقة، لا أحد ينكر بعض المكتسبات الاقتصادية خلال الألفية الجديدة لكن حسناتها لم تتوزع على الشرائح الاجتماعية الواسعة وظلت بيد فئة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال.

ثمة ضرورة ملحة للاستثمار في الموارد البشرية وامتصاص  طموحاتها في مشروع تنموي محلي خصوصا وأن الجائحة أظهرت وبجلاء ارتقاء التكنولوجيا الرقمية إلى مستوى  نمط عيش.

في قلب عملية البناء، لا مناص من التركيز على بناء قطاع خاص محلي من خلال تهيئة بيئة لتشجيع المبادرات الفردية وتبني الأفكار الخلاقة وقيام مقاولة محلية بالموازاة مع تقنين نشاط القطاع الغير مهيكل وتمكينه من ولوج الدورة الاقتصادية.

كل ما ذكر سيكون بدون جدوى إذا لم  يتم الإسراع وبشجاعة في محاربة الفساد والقضاء على الريع وتكريس مبادئ الشفافية والمنافسة الحرة السليمة والاجتهاد.

قد تكون جائحة كورونا فرصة للاعتبار ومساءلة السياسات الاقتصادية المتبعة للتخلص من جائحة سوء التدبير المزمن.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. هل يمكن للمغرب أن يتخلى عن نموذج الاقتصاد الراسمالي الحاد والذي أثبت فشله الذريع؟
    هاذا هو السؤال الحقيقي الذي يشمل كل الجوانب الكالية والبنيوية التي تتعثر بشكل كتفاقم منذ سنوات طويلة..
    اعتقد ان ارتباط المغرب بمنظومات اقتصاد اوربا وامريكا سيكونراكبر عقبة في تحوله.. ولن نزيد علي ذلك فاهلدمكة ادرى بشعابها.. وارجو ان نقرا لمن يحلل مصائر دولته وشعبه بشكل جريء ليس،فيها حسابات حياء ولا خوف

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here