الاقتصاد اللبناني .. نزيف اللاجئين السوريين وجعجعة الدعم

 lebanon2

بيروت ـ عدنان كريمة:

قبل انعقاد “مجموعة الدعم الدولية للبنان” في نيويورك الأربعاء، اكدت عدة مؤسسات دولية على شدة المخاطر التي تهدد لبنان جراء تطورات الحرب السورية وتداعياتها اعتبارا من المؤثرات الأمنية والسياسية مروراً بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية وانتهاء بمخاطر التطور الديموغرافي على المجتمع اللبناني.

وسيصل عدد اللاجئين السوريين بنهاية العام المقبل الى نحو 1.6 مليون نازح في لبنان، وحدد البنك الدولي في تقرير رسمي الخسائر المترتبة على الاقتصاد اللبناني جراء الحرب السورية وتدفق اللاجئين من دون هوادة بنحو 7.5 مليارات دولار على امتداد الأعوام 2011 – 2014.

واذا كانت الحكومة اللبنانية لم تنتظر من المجتمع الدولي أن يتخذ القرار المناسب لدفع هذا المبلغ، فانها ذهبت الى نيويورك برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وهي تأمل الحصول على دعم دولي، خصوصاً من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي.

وذلك بهدف تجنب التداعيات الأمنية للحرب السورية ومنع امتدادها الى لبنان، وتطبيق القرار الدولي 1701 لا سيما لجهة تأمين سيادة لبنان بحدوده الدولية، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني في مختلف مناطقه، ودعم الجيش اللبناني بالسلاح، مع إمكان تعديل سياسة الحدود المفتوحة حيال اللاجئين، ووضع آلية تمويل خارجي بما يعادل المبلغ الذي حدده البنك الدولي لتغطية تكاليف الاستقرار ودعم مسيرة الاقتصاد الوطني.

الدعم الأمريكي

وقبل مناقشة تقرير البنك الدولي مع الاوراق المقدمة الى اجتماع “مجموعة الدعم الدولية للبنان” التقى الرئيس سليمان مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد أبلغ الرئيس اللبناني الرئيس الأمريكي “أن لبنان يقع في قلب صراعات أصبحت تهدد كيانه، وأن العملية السياسية في الداخل يجب ان تستكمل بتطبيق اعلان بعبدا، ونحن نسعى لتحقيق ذلك”.

وتمنى الرئيس اللبناني “اعطاء الجهد الكامل لدعم الجيش اللبناني في خطة تسليح خمسية لتمكينه من تولي شؤون الدفاع عن لبنان بمفرده والتصدي لعمليات الارهاب التي يمكن ان يكون لبنان معرضاً لها، نظراً الى تمدد التطرف والارهاب في المنطقة”.

اما الرئيس اوباما فقد أبلغ الرئيس سليمان دعمه لقيادة البلاد، مشيداً “بشجاعته وقيادته الاستثنائية وتصميمه على المحافظة على استقرار لبنان ووحدته”، كما ابلغه دعم الجيش اللبناني بمبلغ 7.8 مليون دولار، وهو مبلغ ضئيل ويكاد لا يذكر بالنسبة للتكلفة الكبيرة لتمويل الخطة الخمسية للجيش اللبناني.

ولكن الرئيس اوباما في الوقت نفسه أكد للرئيس سليمان أن ” الولايات المتحدة تدعمكم في الحفاظ على استقرار لبنان ووحدته”، وأبلغه “نرجو منكم أن تشعروا بالثقة التامة اننا سنعمل بشكل جاهد ليس فقط معكم، وانما مع المجتمع الدولي من اجل دعم لبنان في هذه الظروف العصيبة والحؤول دون انتقال النزاع عبر الحدود”.

 وأكد اوباما “رفض الولايات المتحدة التورط القوي لحزب الله في سوريا، وهو نزاع ادى الى نزوح الملايين وزعزعة استقرار المنطقة” مشدداً على ضرورة ” ألا يؤثر النزاع السوري على الدول المجاورة وخصوصاً لبنان”.

وكذلك في مجال مساعدة اللاجئين السوريين لم ينس أوباما ان يذكر ان ” الولايات المتحدة قدمت اكثر من 254 مليون دولار للمساعدة في موضوع النازحين” مؤكداً “على الاسرة الدولية ان ترفع من دعمها وتأييدها للمساعدة في مسألة اللاجئين السوريين في لبنان”.

اجتماع نيويورك

لقد انطلقت فكرة انعقاد “المجموعة الدولية لدعم لبنان” بمبادرة من حكومة تصريف الاعمال بالاتفاق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وبالتنسيق مع ممثل الامين العام للامم المتحدة في لبنان، واطلق الدعوة لانعقادها الامين العام بان كي مون، وحدد جدول أعمالها بنقاط ثلاث:

1. درس امكانية دعم الحكومة اللبنانية في ما يختص بالصعوبات التي تجتازها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي جراء الازمة السورية.

2. مساعدة لبنان على احتواء المشاكل والصعوبات التي سببها تدفق النازحين السوريين اليه بكثافة في وقت قصير.

3. دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن.

وقد عقد الاجتماع في موعده المحدد في 25 أيلول (سبتمبر) بحضور دولي كثيف ولافت بما يعكس اهتمام عالمي بلبنان وما يواجهه من تحديات امنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وديموغرافية تهدد كيانه بمخاطر مختلفة ومتنوعة. ومن أهم الحضور الدول الخمس الاعضاء الدائمين في مجلس الامن ودول الاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية.

وتركزت المناقشات على النقاط الآتية:

اولاً: تعزيز الاستقرار، وبرز في هذا المجال ضرورة ترسيخ بنيان الدولة وسلطتها، ودعم المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الجيش والقوى الامنية النظامية التي تواجه باستمرار تحديات جديدة تستوجب المزيد من الجهود والقدرة، خصوصاً بعدما اثبت الجيش اللبناني وحدته وتماسكه وتفانيه في محاربة الارهاب والسهر على صون النظام الديموقراطي والمحافظة على السلم الاهلي، والعمل على ضبط الحدود وتنفيذ القرار 1701 بالتعاون مع قوات اليونيفل.

ولكن تبين أن هذا الجيش بحاجة ماسة لتجهيز ولعتاد وسلاح نوعي وحديث يسمح له بالاستشراف وانجاز مهامه، ويجب أن يتم ذلك من خلال تنفيذ خطة خمسية وضعتها القيادة اللبنانية مع قوات اليونيفل، حتى يتمكن من القيام بمهام أكبر وأوسع، وتلبي واجبه الوطني.

ثانياً:لقد تمكن لبنان من وضع نظام مالي، لم يكتف بتوفير حماية تامة من تداعيات الازمة المالية العالمية، بل سمح له بتحقيق نسب عالية من النمو بلغت 8 %، إلا انه بات يعاني من انخفاض ملموس في النشاط الاقتصادي منذ اندلاع الازمة السورية عام 2011، أصاب كل القطاعات الاساسية وترجم بخسارة فعلية في الدخول من أجور وأرباح وضرائب، ثم جاء الدفق الهائل للاجئين السوريين ليضع اثقالا اضافية على الاقتصاد اللبناني.

وقد قدر البنك الدولي حجم الخسائر الاقتصادية بنحو 7.5 مليارات دولار على امتداد الاعوام 2011-2014، لذلك يبدو لبنان بحاجة ماسة وملحة اليوم لدعم سريع وفاعل من الاسرة الدولية، كي يتمكن من تلافي اهتزاز الهيكل الاقتصادي، وما لذلك من انعكاس على الاوضاع الانسانية والامنية والمعيشية.

ثالثاً: موضوع اللاجئين الوافدين من سوريا، وقد بلغت ارقاماً غير مسبوقة، ووفق تقرير البنك الدولي، وصل الى لبنان اكثر من 914 الف نازح حتى أغسطس/آبالماضي، ويتوقع أن يرتفع الرقم الى 1.3 مليون نازح بنهاية العام 2013، ثم الى 1.6 مليون في العام 2014، مما أدى إلى أكبر مشكلة انسانية في العالم، ويشكل هذا العدد نحو 37 % من سكان لبنان.

وتتفاقم المشكلة أكثر فأكثر إلى أن تهدد كيان المجتمع بكامله، مع إضافة 70 الف فلسطيني نزحوا مؤخراً من سوريا الى لبنان، ويؤدي الصراع بين 2012-2014 الى خفض معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي بنحو 2.9 نقطة مئوية لكل سنة، ويرتب خسائر كبيرة في الرواتب والارباح والضرائب والاستهلاك الفردي والاستثمار، ويدفع نحو 170 الف لبناني تحت خط الفقر، فضلاً عن مليون يعيشون حالياً دون هذا الخط، ويضاعف البطالة الى أكثر من 20 %.

وقد وصف المجتمعون هذه المشكلة بانها تفوق قدرة لبنان، بل وقدرة أي دولة على الاستيعاب، لذلك بات هذا العبء المتفاقم يشكل أزمة وجودية فعلية، نتيجة التداعيات الامنية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذا الاكتظاظ السكاني الطارئ، وكل ذلك يتطلب تدابير ملحة وعاجلة في انتظار التوصل الى حل سياسي من شأنه أن يسمح للاجئين بالعودة الى بلادهم بكرامة وأمان.

وبنتيجة المناقشة، انتهى الاجتماع الى تأكيدات من ابرزها أن “المجموعة الدولية لدعم لبنان” هي مجموعة ستستمر، ولها صفة الدوام والمواكبة للبنان، وهدفها إحداث تأثير معنوي، عبر الاتفاق الدولي على الاستقرار.

كما أكد الاجتماع أن لبنان ليس خارج الاهتمام الدولي، وهذا يعني أنه تحت مظلة رعاية دولية لتأمين استقراره، وكذلك دعم الاقتصاد اللبناني بطرق مختلفة واعتماد آليات تمويل لمساعدته ككل، وليس للنازحين فقط.

 وأن يحصل لبنان من خلال أصدقائه والمتضامنين معه على امكانيات مادية للتخفيف من عبء الوضع الذي أوجدته الأزمة السورية.

وهكذا يكون لبنان قد حصل عاجلاً على دعم معنوي من المجتمع الدولي، على أمل أن يؤدي تدريجياً الى توفير دعم مادي لاحقاً لدعم اقتصاده وفق آليات يرعاها البنك الدولي بالتعاون مع الدول التي ترغب في المساهمة بتقديم المساعدة المطلوبة.

(الاناضول)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here