الاستراتيجية الأوروبية لحل ازمة اللاجئين

 fawzi-naji-

د. فوزي ناجي

لقد تسببت الأعداد الكبيرة للاجئين الى أوروبا بالحرج و الارتباك للمسؤولين الأوروبيين. فهم من ناحية يريدون اظهار الوجه الحضاري و الإنساني للأوروبيين و من ناحية أخرى لا يستطيعون القيام بما يتوجب عليهم بالوقت المناسب و بالطريقة المثلى. لقد تسببت ازمة اللاجئين بمشاكل أوروبية داخلية لكل دولة على حدة و أزمات بين الدول الأوروبية مع بعضها البعض مما هدد مكتسبات الاتحاد الأوروبي و بدا بتصدع اتفاقياته.

لقد انتشرت الخلافات بين الأحزاب المكونة للحكومات الائتلافية على عدد اللاجئين الذي تستطيع الدول استيعابه و على مناطق توزيعه داخل القطر الواحد. بينما انشغلت الحكومات الأوروبية في محاولة حل الأزمات فيما بينها و المتعلقة بإنشاء جدران و اسيجة شائكة تمنع تدفق اللاجئين الى أراضيها و تبقيهم في أراضي الدول المجاورة. في المانيا اشتدت الانتقادات للمستشارة الألمانية ميركل من أعضاء حكومتها و من المعارضة في البرلمان الألماني (البوندستاج). و ظهر خلاف بين سلوفينيا و كرواتيا على بناء الأولى للسياج العازل على الحدود المشتركة لمنع تدفق اللاجئين اليها و بقائهم في الثانية. و قد بدأ التفكك يظهر على اتفاقية شينجن التي تنص على حرية الحركة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عندما قررت كل من المانيا و السويد و سلوفينيا و المجرمراقبة حدودها مع الدول الأوروبية الأخرى. و قد تفاقمت الأزمات بين الدول الأوروبية بخصوص تجاهل بعضها لاتفاقية دبلن و التي تنص على عودة اللاجئين الى الدولة الأوروبية الأولى التي وصلوا اليها و ضرورة تقديمهم لطلبات اللجوء هناك.

 تحتل المانيا المركز الأول في استيعاب اكبر عدد من اللاجئين بينما تأتي في المركز الرابع بعد المجر و النمسا و السويد إذا أخذنا في الاعتبار عدد اللاجئين مقارنة بعدد السكان. حذر المسؤولون الألمان في مكتب الهجرة و اللجوء حكومتهم من خطر الإسراع في انهاء قضايا اللاجئين و البت بأمرها لأن ذلك يهمل التدقيق في شخصية اللاجئ مما يسهل من دخول أعضاء من تنظيم داعش الى الأراضي الألمانية. و هذا من اكثر العوامل التي تخيف المجتمع الألماني الذي يريد تقديم الدعم الإنساني للاجئين و المحافظة على امنه و استقراره بنفس الوقت.

تتحمل المانيا القسط الأكبر من أعباء اللاجئين و قد خصصت مبلغ ستة مليارات و مائة مليون يورو في موازنتها للعام 2016، و تشمل تكاليف انشاء وظائف جديدة في وزارات الداخلية للمقاطعات الألمانية المختلفةلتحمل أعباء اللاجئين و تأهيل اللاجئين و تسهيل عملية دمجهم في المجتمع الألماني و تقديم المساعدات الإنسانية لدول الأزمات و الدول المجاورة لها التي تأوي اللاجئين.

لا يزال الخلاف قائما بين الدول الأوروبية على توزيع اللاجئين بطريقة منصفة على جميع الدول الأوروبية.

من اجل الوصول الى حلول لكل ازمات اللاجئين الى أوروبا بدأت تتبلور استراتيجية أوروبية ترتكز على ما يلي:

أولا: مكافحة أسباب اللجوء في دول المصدر. يتطلب ذلك تقديم المساعدة الأوروبية المادية و التدريب لتأهيل الكوادر اللازمة للقيام بمهام المحافظة على الاستقرار و الأمن في الدول الفقيرة و المضطربة، و العمل على مكافحة الفقر و البطالة و تحسين مستوى التعليم. يعني ذلك ضرورة التعاون مع أنظمة سياسية فاسدة والتخلي عن مبادئ الحرية و الديمقراطية لصالح الاستقرار و الأمن.

ثانيا: ربط تقديم الدعم الأوروبي بمعاهدات مع دول المصدر بالموافقة على إعادة استيعاب اللاجئين الذين ترفض طلباتهم للجوء الى أوروبا.

ثالثا: تقديم الدعم العسكري لأفغانستانو مالي لتأهيل الكوادر العسكرية القادرة على ضبط الأمن و دعم الاستقرار.

رابعا: تقديم الدعم المادي للدول الفقيرة التي تحتضن اعدادا كبيرة من اللاجئين مثل الأردن و لبنان.

خامسا: حث المانيا على زيادة نشاطاتها العسكرية في المناطق الساخنة في العالم بحيث يتضمن ذلك زيادة الدعم العسكري للبشمركة في العراق و المساهمة في إقامة مناطق محمية في كل من أفغانستان و شمال سورية و المشاركة مع أعضاء حلف الناتو الآخرين بتدريب القوات المسلحة الليبية.

يظهر مما سبق ان أوروبا الرسمية اعادت تقييم سياستها الخارجية بناء على مصالحها بحيث أبدت استعدادها للتخلي عن مبادئها في نشر الديمقراطية مقابل استقرارها و امنها الداخلي.

لقد صرحت وزيرة الدفاع الألمانية اورسولا فون دير لاين بضرورة إعادة بناء مؤسسات الدولة و دعم الاستقرار في دول مثل سورية و العراق و ليبيا و أفغانستان. كما صرح وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بان المانيا تنظر باهتمام كبير لأن تقوم مالي بواجباتها تجاه مواطنيها في تحقيق الأمن و القيام بجهد فعال في محاربة الجريمة المنظمة و تجارة المخدرات و البشر. كما كانت تصريحات المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بضرورة التحدث الى النظام السوري و اتفاق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم الذي عقد في لوكسمبورج في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على ضرورة التحلي بالمرونة في التعامل مع النظام السوري يصب في هذا المضمار.

ان الهدف الرئيسيلزيارة ميركل الى تركيا و الصينفي الشهر الماضي و انعقاد القمة الأوروبية الافريقية في مالطا في الشهر الحالي هو تنفيذهذه الاستراتيجية.

ان الاستراتيجية الأوروبية الجديدة المتعلقة باللاجئين لا تزال تتفاعل في الأوساط الرسمية و الشعبية الأوروبية و تتأرجح بين الموافقة و المعارضة. الموافقون يتذرعون بضرورة المحافظة على الاستقرار الداخلي و الإقليمي في دول الاتحاد الأوروبي و ضرورة الحد من اعداد اللاجئين و حماية الحدود الاوروبية. ان العمليات الإرهابية التي قام بها أعضاء تنظيم “الدولة الإسلامية” في باريس بتاريخ 13.11.2015 و ذهب ضحيتها 132 مدنيا بريئا و أدت الى جرح 352 شخصا اكثر من 90 من بينهم بحالة خطيرة دعمت وجهة نظر هذا الفريق، و شكلت ضربة قويةلموقف المعارضين الذين يرفضون التعاون مع أنظمة ديكتاتورية فاسدة و يتمسكون بمبادئ الحرية و الديمقراطيةكما يرفضون إعادة اللاجئين الى ديارهم لأنهم يعتبرونها مشاركة في جريمة قتلهم او تعريضهم للتعذيب و الملاحقة.

*أكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here