د. عبد الله ابو حجيلة: الاردن: هل تتفق قرارات النيابة العامة الصادرة بحق نقابة المعلمين مع القانون؟

 

 

د. عبدالله أبو حجيلة

من الموضوعات التي يتداولها أبناء الشعب الأردني في هذه الأيام موضوع أزمة نقابة المعلمين وما تمخض عنها من قررات أصدرتها النيابة العامة بحق النقابة،وتتلحص هذه القرارات بإغلاق مقرات النقابة في المحافظات لمدة سنتين، ووقفها عن العمل، وكف يد أعضاء مجلسها وأعضاء الهيئة المركزية وهيئات الفروع وإداراتها عن العمل، وتوقيف أعضاء مجلسها لمدة إسبوع.

 ويتضح من بيان النيابة العامة أن  هذه القرارات صدرت بعد التحقيق مع أعضاء مجلس النقابة  بشان جرائم تندرج ضمن تجاوزات مالية وإجراءات تحريضية،ولم يُوضح البيان ماهية التجاوزات المالية وطبيعة الإجراءات التحريضية حفاظاً على سرية التحقيق، وفي هذا السياق يُطرح تساؤل جوهري هو- ما مدى قانونية هذه القرارات؟ وبصيغة أخرى –  ما مدى صلاحيات النيابة العامة لإصدار هذه القرارات؟

للإجابة عن  هذا التساؤل، يتعيّن علينا ابتداءً تحديد هذه القرارات وطبيعتها من الناحية الجنائية، ومن ثم بيان مدى موافقتها للقانون- وذلك كما يلي :

أولاً: القراران الصادران باغلاق مقرات النقابة لمدة سنتين ووقفها عن العمل

 من حيث المبدأ العام تستمد النيابة العامة صلاحياتها من نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية بصفته الشريعة الإجرائية العامة في المجال الجنائي،وبالرجوع إلى هذا القانون لم نجد نصاً يمنحها صلاحية إصدار هذين القرارين ،وهنا يتكرر السؤال السابق ولكن بصيغة ثالثة هي- ما السند القانوني  الذي استندت عليه النيابة العامة حينما أصدرت هذين القرارين؟

قد يقول البعض، ثمّة ثلاثة نصوص قانونية يمكن الاستناد إليها لإضفاء صفة المشروعية على  هذين القرارين وهذه النصوص هي : نص المادة (35/1) من قانون العقوبات الأردني التي تنص على أنه: ( يجوز الحكم بإقفال المحل الذي أُرتكبت فيه جريمة بفعل صاحبه أو برضاه لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة إذا أجاز القانون ذلك بنص صريح )، ونص المادة (36) من ذات القانون التي تنص على أنه: ( يمكن وقف كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة اعتبارية…. )، ونص المادة (38) من القانون ذاته التي نصت على أنه:         ( يُقضى بالوقف شهراً على الأقل وسنتين على الأكثر وهو يوجب وقف أعمال الهيئة كافة….).

ويمكن الرّد على القول السالف الذكر بأنه لا يجوز إضفاء صفة المشروعية على قراري النيابة العامة  سالفي الذكر من خلال هذه النصوص لسببين رئيسيين هما :

1- إن إقفال المحل المنصوص عليه في المادة(35/1) السالفة الذكر يندرج ضمن التدابير الاحترازية التي تعتبر الصورة الثانية للجزاء الجنائي بجانب صورة العقوبة، وهذا ما أكده المشرع الأردني حينما أورد التدابير الاحترازية بعد العقوبات في الفصل الثاني من الباب الثاني من قانون العقوبات تحت عنوان: (التدابير الاحترازية بصورةعامة).

ومن المبادئ المستقرة  قانوناً وفقهاً وقضاءً أنه لا جزاء جنائي بدون حكم قضائي يصدر بحق مرتكب الجريمة، لذلك فالجزاء الجنائي سواءً إتخذ صورة العقوبة أو التدبير الاحترازي يطبق من خلال المحكمة المختصة، ولا يجوز للنيابة العامة تطبيق هذا التدبير بأي حال من الأحوال، لأنها تعتبر خصماً للمتهم في الدعوى الجنائية عملاً بقاعدة لا يجوز أن يكون الشخص خصماً وحكماً في ذات القضية.

2- لقد استعمل المشرع الأردني كلمة ( الحُكم ) في  بداية المادة  (35/1) السالفة الذكر  حينما قال: ( يجوز الحكم في إقفال المحل )، ومن المسلم به أن  الحكم في موضوع الخصومة الجنائية والبت فيه هو من اختصاص المحكمة وليس النيابة العامه لكونها خصما في الدعوى الجنائية، كما أن المشرع استعمل كلمة    ( يُقضى ) في المادة (38)  السالفة الذكر،حيث يُستفاد من هذه الكلمة أن الذي يقضي  بتدبير الوقف عن العمل ويفصل فيه هو المحكمة وليس النيابة العامة لأن الأخيرة كما أسلفنا تعتبر إحدى طرفي الخصومة في الدعوى الجنائية، ناهيك أن كلمة (يُقضى) تنسحب بمدلولها القانوني واللغوي إلى السلطة المختصة في القضاء وهي المحكمة دون غيرها.

ومن المفيد الإشارة في هذا المقام إلى نص المادة (27/أ) من قانون نقابة المعلمين رقم (14) لسنة 2011، حيث جاء في هذا النص : ( يُحل مجلس النقابة في أي من الحالتين التاليتين : 1– بموافقة ثلثي أعضاء الهيئة المركزية للنقابة في اجتماع تعقده لهذه الغاية على أن تنظم جميع الأمور المتعلقة بالاجتماع بمقتضى نظام يصدر لهذه الغاية 2- بقرار قضائي قطعي إذا خالف المجلس أحكام هذا القانون).

إن هذه المادة لا تجيز للمدعي العام حل مجلس النقابة، لأن النص يشترط صدور قرار قضائي قطعي بحل مجلس النقابة إذا خالف المجلس أحكام قانون النقابة، ويقصد بالقرار القضائى القطعي هنا- القرار القضائي الذي يصدر من محكمة مختصة وليس من النيابة العامة، ومن المعلوم،  أن القرار القضائي يكتسب صفته القطعية،  حينما يصدر ويكون بقوة القانون غير قابل  للطعن به بكافة الطرق، أو بإنقضاء ميعاد الطعن دون أن يتم الطعن فيه، أو باستعمال طرق الطعن فيه  وتفصل المحكمة المختصة في موضوع الدعوى.

وصفوة القول مما تقدم أننا لا نرى وجود نص قانوني يجيز للنيابة العامة إصدار قرار باغلاق مقرات النقابة لمدة سنتين أو إصدار قرار بوقف النقابة عن العمل،لأن هذين القرارين من صلاحية المحكمة المختصة عملاً بالمادة (27/أ) من قانون نقابة المعلمين أوالمواد (35،36،38) من قانون العقوبات التي أوضحناها فيما سلف.

ثانياً: القرار الصادر بكف يد أعضاء مجلس النقابة وأعضاء الهيئة المركزية وهيئات الفروع وإداراتها عن العمل

بمطالعة نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لكي نعثر على نص يمنح النيابة العامة صلاحية إصدار قرار بكف اليد عن العمل لم نجد نصاً يمنحها هذه الصلاحية – وهنا يُعاد تكرار التساؤل ذاته- ما السند القانوني  الذي استندت عليه النيابة العامة حينما أصدرت  قرار كف اليد عن العمل ؟

نعتقد بأنه يمكن  أن يكون هذا القرار موافق للقانون إذا  صدر بالاستناد إلى  نص المادة (9/أ/3) من قانون الجرائم الاقتصادية  الأردني الذي  جاء فيه : ( للنيابة العامة أو المحكمة بعد  أحالة القضية إليها اتخاذ أي من الإجراءات التالية: ………3- كف يد مرتكب الجريمة الاقتصادية عن العمل إذا استدعت الضرورة ذلك وللمدة التي ترتأيها النيابة العامة أو المحكمة حسب مقتضى الحال)، ويقصد بإجراء كف اليد عن العمل في هذا السياق وبحسب رأينا: ( الإجراء الاحتياطي المؤقت الذي يتم بمقتضاه إبعاد الموظف عن العمل حينما تُسند إليه جريمة إقتصادية تحقيقاً لمصلحة العمل).

ويُشترط لتطبيق هذا النص أن تُصنف الجريمة المرتكبة على أنها من الجرائم الاقتصادية، ونعتقد أن بعض الاتهامات التي أسندت لإعضاء مجلس النقابة تدخل في دائرة الجرائم الاقتصادية، لأنه  يتضح من بيان النيابة العامة المعلن عنه أن هناك تجاوزات مالية ارتكبها أعضاء مجلس النقابة وتم التحقيق فيها من قبل مدعي عام هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، ومن المفيد القول في هذه الجزئية، إن جميع أعضاء نقابة المعلمين يأخذون حكم الموظف العام حينما يمارسون أعمال تتعلق بالنقابة لغايات تطبيق قانون الجرائم الاقتصادية عملاً بنص المادة (2/أ/4) من قانون الجرائم الاقتصادية ، كما تعتبر أموال النقابة من  الأموال العامة عملاً بنص المادة (2/أ/4) من ذات القانون ، كما أن أي فعل  ينجم عنه هدراً للمال العام  فهو يُشكل جريمة اقتصادية وفقاً لنص المادة (3/أ) من ذات القانون.

ثالثاً : القرار الصادر بتوقيف أعضاء مجلس النقابة لمدة إسبوع

لا نستطيع بيان مدى صحة هذا القرار إلا بعد الاطلاع على التهم المسندة لأعضاء مجلس النقابة ومعرفة أرقام المواد القانونية التي تُجرّم أفعالهم بشكلٍ دقيق، سيما أن إجراءات التحقيق لا تزال غير معلنة ، ولكن وبحسب القواعد العامة الواردة في المادة (114/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لا يجوز إصدار مذكرة توقيف بحق المشتكى عليه أو الظنين أو المتهم إلا بعد استجوابه من قبل المدعي العام، وأن تتوافر أدلة تربطه بالجريمة المسندة إلية، كما يجب أن تكون الجريمة المسندة له معاقباً عليها بالحبس أكثر من سنتين أو معاقباً عليها بعقوبة جناية،والعقوبات الجنائية كما وردت في المادة (14) من قانون العقوبات هي الاعدام والأشغال المؤبدة والاعتقال المؤبد والأشغال المؤقتة والاعتقال المؤقت.

كل عام وأنتم بخيربمناسبة عيد الأضحى المبارك

حفظ الله بلدنا وشعبنا  ومليكنا

أستاذ القانون الجنائي المساعد / كلية القانون / جامعة اليرموك

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here