د. ماجد العبلي: الاردن: لماذا الشك في العلاقة بين القيادة والشعب؟

د. ماجد العبلي

تضيق القيادة الأردنية بـ “الشك أو التشكيك” الداخلي، في الوقت الذي تتعرض فيه للضغوط الخارجية للقبول بـ “صفقة القرن”، التي يُنظر لها-شعبيا- باعتبارها تصفية نهائية للقضية الفلسطينية حسب المقاييس الإسرائيلية.

وإذا كانت الضغوط الخارجية تقع خارج نطاق سيطرة وتحكم القيادة الأردنية، فإنها ترى أن الشك أوالتشكيك الداخلي يقع ضمن سيطرتها وتحكمها. غير أن هناك طريقان للتحكم والسيطرة:

الأول: القمع أو الترهيب، وذاك يشوّه العلاقة بين الشعب والقائد، ولا يزيد القيادة إلا إرباكا، والوطنَ إلا ضعفا في مواجهة الضغط الخارجي.

الثاني: الإقناع والترغيب، وهذا يكرس علاقة المحبة والثقة ما بين الشعب والقائد، ما يقوّي الوطن، ويزوّد القيادة بالقوة والثقة والثبات في مواجهة الضغط الخارجي.

وفي ظل الجدل حول الشك والتشكيك فلا بد من التمييز بين المفهومين:

فالشك عملية حسية ذهنية تلقائية فطرية، تتمثل بشعور الفرد أو الجماعة بأن هناك خطأً أو مشكلة ما بشأنٍ معين. ومن المسلّم به أن الشعور بالمشكلة هو أول خطوات التفكير العلمي. وينشأ الشك حين تتساوى دلائل النقيضين وجوداً أو انعداماً. لذا لا يستطيع أحد أن يمنع الآخر من الشك، وقد قال “ديكارت” من قبل: “أنا أشك فأنا أفكر، وأنا أفكر إذن فأنا موجود”. والشك لا يكون إلا بالموضوع من حيث الشكل أو المضمون (المقدمات والنتائج) أو كليهما.

وأما التشكيك فموقف سلوكي مقصود، وهو نوعان:

الأول: التشكيك بالموضوع: الشكل أو المضمون (المقدمات أوالنتائج) أو كل ذلك. وهذا التشكيك مقبول في حالة استطاع “المشكّكُ” أن يقدم مرافعة منطقية مقبولة أو مقنعة شكلا أو مضمونا أو كلاهما. وإلا فإنه يكون على خطأ، وعليه إذن إما إعادة النظرأو السكوت.

الثاني: التشكيك بالنوايا: وهذا النوع من التشكيك مرفوض إلا في حالة تقديم برهان دامغ لا سبيل لردّه. وإلا فهو اعتداء على الآخر، وعليه إذن الاعتذار.

وإن الشك أو التشكيك لدى شرائح من الشعب الأردني إنما يتعلق بالموضوع وليس بالنوايا، وذلك بسبب اتساع نطاق بيئة عدم التأكد ما بين القيادة والشعب. فإذا كان شكهم نابعا من عدم يقينهم بصدقية أو واقعية النتائج المستقبلية التي تعلنها القيادة الأردنية لعدم تلمّسهم مقدمات واقعية عملية تدل على ذلك، فإن هذا يفضي منطقيا إلى أحد أمرين:

الأول: فإما أنّ لدى القيادة الأردنية “مقدمات” إجرائية قوية ومقنعة ومفضية -منطقيا- إلى النتائج التي تعلنها؛ فتكون المشكلة شكلية فقط تتعلق بمبدأ الشفافية، وبالتالي فإن كشف القيادة عن هذه الإجراءات ومصارحة الشعب بها، سينهي المشكلة جذريا، ويقلب الشك إلى دعم ومساندة وتأييد.

الثاني: وإما ليس لدى القيادة-حتى الآن- تلك المقدمات الإجرائية اللازمة؛ فتكون المشكلة مزدوجة: شكلا ومضمونا. وبالتالي فإن مصارحة القيادة للشعب بذلك يحل المشكلة الشكلية المتعلقة بالشفافية. وأما حل المشكلة المتعلقة بالمضمون فيكون باستنهاض وحشد وتوظيف طاقات القوى الوطنية كافة لإنتاج المقدمات الإجرائية المطلوبة، وهذا يحل المشكلة برمتها، ويقلب الشك إلى دعم ومساندة وتأييد.

وأما مواضيع هذا الشك أو التشكيك فتتركز أساسا في القضية الفلسطينية وآثارها على الأردن: صفقة القرن، والوطن البديل، والقدس.

وبخصوص صفقة القرن، فلم تكشف القيادة للشعب عن المرتكزات الأساسية لهذه الصفقة والتي سيترتب عليها تغييرات جوهرية في الأردن خاصة وفي المنطقة عامة. كل ما تقوله القيادة: “نحن نتعرض لضغوطات كبيرة، ولن نرضخ”، ولكن ما فحوى هذه الضغوطات؟ وكيف لن ترضخ؟ لا أحد يدري. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالوطن البديل، فالقيادة تؤكد أنها ترفضه، ولكن الشعب لا يدري كيف؟ وينطبق الأمر كذلك على موضوع القدس، حيث تخبرنا القيادة أنها تتعرض لضغوط بخصوص القدس، وأنها لن ترضخ، ولكن كيف؟ لا أحد يدري.

هذه الحلقة المفرغة من “اللاأدرية” وبيئة “عدم التاكد” التي يعانيها الشعب الأردني تدفعه دفعا قويا نحو دوائر الشك والتشكيك خوفا على الأردن ومستقبله. وإنّ مواصلة “غياب الشفافية ” ستجعل حالة الشك أو التشكيك مستدامة وتزداد عمقا وتعقيدا وتوسعا يوما بعد يوم.

لذا فإن الوطن اليوم أحوج ما يكون لاتصال القيادة بالشعب، وتلاحمهما، وإعادة العلاقة بينهما إلى أصلها النقي الطاهر، الذي تأسست عليه الدولة الأردنية باعتبارها وريثة الثورة العربية الكبرى بشعبها العربي الأردني وقيادتها العربية الهاشمية.

 

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أخ عدنان الأكرم..
    العنوان الأصلي كان كالتالي..
    لماذا الشك؟…
    في العلاقة بين القيادة والشعب..
    وشكؤا على ملاحظة تبسيط اللغة..

  2. شكرا للكاتب والذي أتمنى عليه استخدام لغه مبسطه اكثر
    اعتقد ان العنوان يجب ان يقرأ بطريقه مختلفه …..

  3. اتفق مع طرح الدكتور ماجد: لماذا هذا الشك والتشكيك، ولماذا تبتعد القيادة الأردنية عن شعبها وأمانيه الحقيقية يوماً إثر يوم برغم كثرة الزيارات والتقاط الصور التي لاتسمن شعباً ولا تغني من جوع!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here