الاردن: عن العسكر في عيدهم

 

 

الدكتور عبدالمهدي القطامين

محطتان لي مهمتان خضتهما في العمر مع العسكر في المحطة الأولى كنت فيها متهما معاقبا وفي المحطة الثانية كنت فيها ضيفا مكرما وما بين الاثنتين اكثر من عشرين عاما  ففي عام 86 التحقت مكلفا بالقوات المسلحة وجاء توزيعي في الحرس الملكي لواء الحسين بن علي ومقره القصور الملكية ثم وزعت على كتيبة الحرس الملكي في جبل عمان لقصر زهران وكنت اتهيأ لأكون من حرس البوابات على القصر الملكي الذي كانت تشغله الملكة زين الشرف والدة الملك الراحل الحسين بن طلال رحمهما الله صبيحة يوم قائض اخبرني قائد السرية ان أكون مطقما أي لابسا اللباس العسكري الرسمي حيث انه سيتم تحويلي الى مقر الكتيبة لأكون كاتبا في قلمها تهيأت جيدا لمعت البسطار وارتديت الملابس الرسمية وما هي الا هنيهة حتى جاءت سيارة روفر فيها  ثلاثة السائق ورقيب كان يجلس في المقعد الامامي وعسكري كان يجلس في السيارة من الخلف حين صعدت للسيارة وانطلقت بنا هاتف الرقيب الذي في صدر السيارة احدهم وهو يقول تمام سيدي المتهم معنا الان وحين التفت الى جاري العسكري رايته يوجه بندقيته نحوي اصابني الهلع مرة واحدة سألت الرقيب هل من شيء سيدي رد بعصبية لا شيء بعد قليل ستعرف بينما كانت الروفر تتأرجح في شوارع عمان ادركت ان في الامر ان وعندما اقبلت على جسر المخابرات العامة ظننتها هي الهدف الا ان السائق واصل الى بناية مجاورة لم اعرفها الا بعد وهي مكتب استخبارات عمان انزلني العسكري من السيارة ودفعني امامه الى احد المكاتب حيث سلمني احدهم افرهولا ازرق اللون كان يسع شخصين معي ثم جاء شخص ثالث ووضع على عيني كمامة سوداء من البلاستيك وانزلاني درجا يزيد على عشرين درجة سمعت بعدها مزلاج باب يفتح ويد تدفعني داخل زنزانة ثم يغلق الباب بينما كان احدهم يمسك ذراعي بقوة وهو يقول حتى تعرف كيف تعارض الملك حسين يا فاشل…..  الى هنا سانهي هذه الحكاية التي استمرت خمس ليالي طويلات ستكون ضمن مذكرات لي عاكف على كتابتها وانتقل الى المحطة الثانية.

عام 2006 أعلنت كلية الدفاع الوطني الملكية انها ستستقبل المدنيين في برنامج مدته عام لدراسة الإدارة الاستراتيجية في رحابها وتقدمت للبرنامج كنت وقتها مندوبا لوكالة الانباء الأردنية في العقبة جهزت الأوراق المطلوبة وبعثتها الى مقر الوكالة في عمان حتى فاجأني مدير عام الوكالة وقتها الرجل الطيب الرائع والصحفي القدير عمر عبنده اذ سألني يومها لماذا لم تخبرني انك تقدمت للبعثة ولم تسعى لها قلت له اثق بعدالتك ضحك ثم قال مبروك لقد قبلت ليس وحدك ولكن معك زميلة فاضلة أخرى هي فيروز مبيضيين .

في كلية الدفاع الوطني ثمة معاملة مدهشة من اصغر كادر فيها وحتى آمرها الرجل الاستراتيجي بالفطرة اللواء المتقاعد حاليا محمد فهد العلاف تبسط كلية الدفاع سكينة مطلقة على كل دارسيها خاصة المبدعين منهم وقد كنت احدهم كان عدد الطلبة في الكلية قد تجاوز خمسة وخمسين طالبا من اكثر من عشر دول عربية وصديقة اقل رتبة  في الدارسين هي عقيد واعلاها لواء كان من السودان الشقيق في الدفاع لا قيود على حرية الدارسين الفكرية وقد وجدت فيها مناخا ملائما لم اجده في محطات العمر كلها ما شجعني على ان تكون رسالتي للماجستير عن التحول الديموقراطي واثره على الاعلام والامن الوطني في الأردن .

في كلية الدفاع ساعدتني حرية القول والكتابة والحوار فيها على خوض الكثير من النقاشات الاستراتيجية والتي تعتمد السيناريوهات المتعددة وكنت أرى بعض الدهشة على وجوه الزملاء الدارسين من الطلبة الأردنيين وربما بعض العتب احجيانا منهم على بعض الطروحات التي رأوا فيها منسوب حرية عالية وكنت اجيبهم نحن ندرس استراتيجية والاستراتيجي واسع الأفق وليس ضيقه

اذكر من الأسماء التي كانت لامعة في قاعة الدرس اللواء المتقاعد حاليا فهد الضامن واللواء المتقاعد هلال الخوالدة واللواء المتقاعد إسماعيل العرود والعميد المتقاعد سميح القرالة وكان الرائع عضو هيئة التوجيه اللواء المتقاعد رياض الجوازنة دينامو الهيئة والمتابع لكل صغيرة وكبيرة  .

مرة جاء السفير الأمريكي في عمان والقى محاضرة فينا عن الديموقراطية الامريكية كنموذج يقتدى في العالم وكنت قد اعددت العدة لكشف زيف ديموقراطيتهم اعددت مداخلتان احدهما بالانجليزية وأخرى بالعربية وحين جاء دوري في الحديث بعد تجاهل عدة مرات من هيئة التوجيه بدأت حديثي بالانجليزية الا انني وجدتها لا تشفي الغليل فحولت للعربية وكانت الترجمة الفورية جاهزة في القاعة قلت للسفير …. نعم ان ديموقراطيتكم واضحة ولا تحتاج الى تسويق او الى محاضرة لشرحها فقد رأينا هذه الديموقراطية على حقيقتها في سجن أبو غريب وراينا حقيقتها في الصومال ورأيناها لامعة براقة في فلسطين وفي معاملة السود عندكم ديموقراطيتكم موجودة في كل بقعة وصلتموها فحل بها الخراب ….. واسهبت في الحديث ….و كان السفير يستمع ويبتسم ابتسامة باهتة وكانت القاعة تنصت كلها تنتظر رد السفير الذي لم يعلق واكتفى بالسؤال لاحقا عن هذا الدارس الذي لم يجامل وكان الرد اننا في حلقة درس وتحليل وللدارس حرية القول والتعبير عما يراه مناسبا .

في مساءات الكلية التي كانت تطل على ربوة منها تماما تشاهد أضواء القدس والمسجد الأقصى كنا نتسامر في باحاتها وكانت العقيدة القتالية التي يتم تداولها هي عقيدة واحدة ان العدو هناك ولا احد غيره في المنظور القريب …

ثمة ثيمة مدهشة في عسكر الأردن انهم قوميون بطبعهم يحرصون على الامن القومي حتى ولو كان بهم خصاصة يحلمون بوشم دولة قوية ويؤمنون ان قوة الأردن هي قوة لكل العرب وان الشعار المرفوع فوق الجبين يحمل اسم الجيش العربي ولا غرابة في ذلك فتكوين الدولة كان نتاج رؤية قومية وليس نتاج دولة قطرية .

اليوم في عيد العسكر أقول ان الشهادة تليق بهم وحدهم وليس  لنا نحن القاعدون على مفارق النت نجلد ما شاء لنا الجلد بلا ” جلد ” بفتح الحاء واللام ….لهم وليس  لنا نحن الذين نعاقر احرف الحاسوب ربما ونحن متكئون على مقعد وثير نعد عدد الرصاص الذي يخترق اجساد العسكر والامن ثم نطلب من ربة المنزل ان تعد لنا فنجان قهوة من بن العميد ….لهم وليس  لنا نحن الذين بتنا نحلل في امر لا نعلمه ولا ندريه ونقول لو انهم فعلوا كذا وكذا حتى اذا بردت قهوتنا تثاءبنا وطلبنا قدحا من الشاي… لهم وليس لنا نحن الذين نلتف باغطيتنا الوثيرة ونتساءل في غمرة البحث عن موقع اخباري هامل يقول غير الحقيقة ماذا اعددت لنا من غداء يا ربة المنزل.

امر محير وحيرة ما بعدها حيرة تلك التي باتت تلف اعمالنا ونياتنا ثم في فجيعة الموقف نتساءل لماذا قضى فلان شهيدا وكأننا نجلد الشهيد مرتين مرة حين اقبل على الموت واخرى حين عاد ملفوفا بالعلم ليدفن في مقبرة القرية بينما كانت روحه تصاعد في السماء لا توقفها حتى السماء السابعة .

تليق الشهادة بمن ان لم تكن بالجيش والعسكر والامن والدرك …تليق الشهادة بمن ان لم تكن بمن تلفع بالكوفية الحمراء وشد يده على زناد البندقية  واقسم بدمعة امه ان لن يمر الغزاة ….تليق بمن ان لم تكن بذلك الواقف على الحد يرمق بعينيه تراب الوطن ويرقب سماءه ويحلف بكل مقدس انه والموت على موعد .

منكم نعتذر أيها العسكر …..ايها  الشهداء الطالعون نجوما تتألق في السماء  …. منكم نعتذر عن عجزنا وقلة حيلتنا وعن دموع التماسيح التي نذرفها على حد النت متأبطين جهاز حاسوب محللين بما لا نعرف تتملكنا نشوة البطولة لكننا نقف عاجزين تماما عن فهم كيمياء الشهيد المقدم على الموت   غير هياب لرصاص كان ينهمر من كل الجهات .

لكم ايها الواقفون على حد الوطن القابضون على جمره وناره ودفئة وحره وقره ….  لكم يا اصدقاء العتبى حتى ترضون عنا فما نحن الا من طينة هذه الارض وكنتم انتم ملحها وزادها وزوادتها بعد ان جف المطر او كاد …. لكم ايها الطالعون في السماء نكتب مع كل ترويدة حرة اردنية ودعت حبيبها الشهيد ….وهتفت سبل عيونه ومد ايده يحنونه .

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here