الأردن: حزم حكومة الرزاز.. بين الواقع والمؤمل

الدكتور عبدالمهدي القطامين

هذه هي المرة الاولى التي اكتب عن حكومة الدكتور عمر الرزاز التي توشك ان تطوي عامها الثاني والحكومة التي لقيت اصداء شعبية ايجابية واسعة حين شكلت اول مرة كان مبررات تلك الاصداء هي سيرة الرئيس الجديد القادم من خارج اندية رؤساء الوزراء التقليدية فلم يكن يعلم عن الرئيس الجديد وقتها سوى بعض المعلومات والانطباعات تشكلت ابان ادارته للضمان الاجتماعي وتسلمه وزارة التربية والتعليم في حكومة الدكتور هاني الملقي وباستثناء ذلك ما يعرف عن الرجل انه قادم بلا اي اجندات ذاتية يعزز القناعات بشأنه سيرة عائلية طيبة ممتدة عبر التاريخ الاردني الحديث بدءا من والده الدكتور منيف الرزاز المعروف  كمفكر قومي الاتجاه دفع ثمن ذلك الانتماء  غاليا  مرورا بالاخ الاكبر مؤنس والذي كان ايقونة عذبة للفن الروائي المنتمي للانسانية والوجع الوطني .

الرئيس القادم على موازنة عامة للدولة على حافة الانهيار يكاد ان يتساوى فيها الدين العام مع الناتج المحلي الاجمالي وترد في الخدمات العامة ويكاد الخراب يطال كل شيء على الرغم من محاولات سلفه الدكتور الملقي الخروج من عنق الزجاجة ضمن سياسة ضريبية متدرجة  الا ان الاحتجاجات الشعبية انذاك لم تمهله لاستكمال ما بدأه فالت التركة الى الرزاز الذي واجه حملا ثقيلا منذ اللحظات الاولى لتسلمه رئاسة الحكومة في ظل موازنة خاوية وقطاعات اقتصادية تعاني الامرين في ظل تنامي التذمر الشعبي من واقع الحال المعيشي الذي طال الطبقات الاجتماعية كلها .

كان واضحا للجميع ان حكومة الرزاز حكومة اقتصادية بامتياز لذلك بعد ان تدارست العديد من المعيقات الاقتصادية جاءت بجملة من الحوافز التحفيزية لمختلف القطاعات بين شهري تشرين الأول وكانون الأول  من العام الماضي  تهدف لتنشيط الاقتصاد وتحسين الاستثمار، وكان من ضمنها إجراءات لتحفيز سوق العقار والإسكان، وتفعيل قانون الاعسار وتحفيز  القطاعات الإنتاجية والصادرات والتشغيل اضافة الى اهم الحزم المتعلقة بتحسين الواقع المعيشي للناس عبر زيادات وصفت بالمجزية لموظفي القطاع العام والقطاع العسكري والمتقاعدين تزامن ذلك مع دمج ولو انه لم يكتمل بعد للعديد من المؤسسات المتشابهة في العمل نحو ترشيق القطاع العام ومنع تداخل الصلاحيات مع بعضها البعض وكان اخر هذه الحزم التوجه نحو تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في قطاعات النقل والصحة والتعليم .

على الرغم من النية الحسنة لمثل هذه الاجراءات التحسينية الا ان اي تغيير في واقع اقتصادي مشوه زمنيا يحتاج الى مزيد من الوقت ليؤتي ثماره وفي ظل ان الكل متعطش ليلمس التحسين بدأت اصوات العديد عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي تعلو ناقدة الحكومة والنيل منها وانتشرت هذه العدوى لتصل الى مجلس النواب الذي ركب الموجه في بحثه الحميم عن غرس شيئ من الشعبية على ابواب الرحيل القادم وهو رحيل دستوري مئة بالمئة بعد ان يكمل المجلس دورته العادية الاخيرة من عمره الحالي ولعل من نافلة القول ان نقول ان ما تعرض له الرئيس الرزاز من جلد خارج اطار النقد البناء كان خروجا على العلاقة التي تحكم النواب بالحكومة وكان التهديف صوب عائلته من قبل البعض بمثابة حرق لكافة وسائل التواصل مع الحكومة التي تريد الخروج باقل الخسائر في معركة مناقشة الموازنة العامة للدولة والطريف او المبكي في الموضوع والدرامي الى حد بعيد ان العديد من كلمات النواب لم تناقش الموازنة مناقشة  عقلانية علمية واقعية بلغة الارقام بل ظل الهجاء هو السمة العامة للكلمات النارية الموجهة للقواعد الانتحابية وليس للحكومة التي تقدمت ببياناتها المالية لاعتمادها .

على اية حال وبعيدا عن لغة النقد غير المعتمد على لغة الارقام نستطيع القول ان الاجراءات والحزم التحفيزية كانت خطوة في الاتجاه الصحيح وليست عبثية كما يحلو للبعض تسميتها ولكنها ليست سريعة المفعول في المساهمة برفع وتيرة النمو الاقتصادي الذي يحتاج الى دورات اقتصادية اطول ولا يمكن لاجراءات تصحيحية مر عليها عدة اشهر ان ترفع النمو الاقتصادي فجأة وربما كما يقول العرب ان مربط فرس النهوض بالاقتصاد الوطني امران لا ثالث لهما الاول هو فاتورة الطاقة المرهقة لموازنة الدولة وضرورة معالجة هذا الاستنزاف غير المبرر للعملة الصعبة والامر الثاني زيادة الصادرات عبر تعزيز قيام المشاريع المنتجة للبضائع والسلع القابلة للتصدير الى دول العالم مع ما يمثله ذلك من تدفق للعملة الصعبة وخلق فرص العمل للشباب الاردني المؤهل والعاطل او المتعطل عن العمل وهذا يستدعي تقديم الكثير من الحوافز للقطاع الخاص المحلي والاجنبي من اجل تشجيع الاستثمار وجلبه وتوطينه بعيدا عن لغة البيروقراطية السائدة والتي تقف حاجزا امام تدفق الاستثمارات الخارجية تحديدا  .

خلاصة الامر اذا وضعنا ما قدمته حكومة الرزاز بميزان عادل بعيدا عن لهجة التشكيك والرجم فأن حسناتها ستطغى على سيئاتها وسترجح كفة الانجازات خاصة وان الحكومة كانت تسير بما يشبه حقل الالغام سواء من الداخل الاردني الذي فيه ما فيه من التناقضات او من البيئة الخارجية التي لا يكاد يلمح فيها سوى التحديات التي يعج بها الاقليم وسط تجاذبات دولية واقليمية يبدو انها ستطول .

المدير التنفيذي لمركز افاق الفكر للاعلام والتدريب في الاردن

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here