الاردن: حال بين الامس واليوم

د. محمد جميعان

   حاولت الابتعاد عن السياسة ، فاخذتتي الذكريات مرة اخرى الى السياسة،  الى ما كان، وما هو كائن الان، تذكرت قاعدة اساس في العمل تعتمد على النقد الذاتي ونبذ التبرير واعتباره شرعنة للتقصير.

قبل عقود مرت، كانت الاحزاب تتباهى بانها تمارس النقد الذاتي ، وكانت هذه الممارسة ركن اساسي في اجتماعاتها، ابتداءا من اصغر وحدة بالحزب حتى  اعلى هيئة قيادية فيها.

    مراجعات وعصف نقدي وفكري، ودؤوبة للتصويب والخروج بالافضل دائما وهكذا.

  في ظل ذلك الوضع كانت الاخطاء قليلة والانتاجية كثيرة، والفساد حالة نادرة بالكاد نسمع عنها ، وان وقعت تجد الغاسدين رحماء (قلوبهم رهيفة)، او قل خائفون وقلوبهم ضعيفة، وما ينهبونه يكاد لا يذكر مقارنة بما يجري اليوم.

    بالطبع هذا الحال كان قائم بالحكومات نفسها ايضا ، وكانت المؤسسات الرقابية على قلتها ، خلايا دؤوبة للمراقبة والمتابعة مع السلم الهرمي للمؤسات العامة ، ولم يكن النقد والتقد الذاتي غائب عن الحكومات واداراتها المختلفة ، ابتداءا من اصغر وحدة الى اعلى هيئة للحكومة بمجلس وزرائها،  ودائما يطرح  السؤال  ؛ اين اخطأنا واين اصبنا ؟، لذلك تجد الانحرافات قليلة ، وسرعان ما يتم اكتشافها من خلال الايرادات وتقييمها ، وحصيلة الارقام والبيانات ومداخيلها المختلفة..

   كانت الحكومات ابوية وداعمة ،  تدعم الطحين والحليب وبعض المواد الغذائية ، وكانت تقدم الدعم للفاتورة النفطية بسخاء  ، وكان اقصى امنياتها ان يتحول الدعم الى بطاقة تموينية يحصل فيها المواطن على حصته دون ان يذهب الدعم هدرا او يجد طريقه للخارج او للتجارة، وكان العجز ضئيلا رغم ضعف المداخيل ، وكانت المديونية وزيادتها معقولة وآمنةو تحسب بالالف وان تخطت بضعة ملايين كمحصلة نهائية..

  كانت مؤسساتنا التي تديرها الدولة قبل الخصخصة تقدم للموازنة وترفدها، الى جانب ضرائب لم يشعر المواطن حينها انها تثقل كاهلة ، وكانت ايرادات ضريبة الدخان مثلا هي من اكثر ايرادا، و تقدر بدقة متناهية وبالكاد يخطئ بها التقدير لاقرب مئآت الدنانير، وكان الفساد خائفا والفاسدون خائغون او كما قلت رحماء وقلوب ضعيفة تلطيف لوصفهم ، وكان الهبش ضمن المعقول..

ما الذي تغير ، وغيرنا ، واصبحنا نعيش الهم والغم وتوابعه بارقام فلكية، وسوء تقدير تعجز عن تفسيره ، لقد غاب النقد والنقد الذاتي وحضر التبرير واساليبه وفنونه،  واصبحنا في استبداد نسعى لتبرير الاخطاء والخطايا ، وتصبح معها اهم واجبات الحكومة كيف تبرر وكيف تخلق الاستقرار بالاستبداد والفهلوة .،

    اصبحنا نستمع من الحكومات احاديث ملائكية ، وافعال مختلفة او شيطاتية ، في غياب انتاجية حقيقية ومديونية متعاظمة ، وفساد تشيب منه الولدان..

  اما الاحزاب ، وللاسف ، في ظل غياب النقد والنقد الذتي ، فلم يعد لها علاقة بالسياسة الا في اطار مناسبات ونفاق، واصبحت معه الاحزاب دكاكين، ومقرات لتقديم التهنئة والتعزية ، واصبح معه النقد والنقد الذاتي خراريف وهلوسات،  هذا اذا لم توصف بالهمز واللمز والاجندات..

كاتب اردني

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. من إنجازات وزارة التنمية السياسية أن أصبح عدد الدكاكين اقصد الأحزاب السياسية ما يقارب ال ٦٠ حزب
    والغالبية الساحقة من هذه الأحزاب بلا لون او طعم أو راىحة
    وأصبحت الدولة تقدم دعم مالي لهذه الدكاكين رغم ضعفها وعزوف الناس عنها
    اعتقد أن المرحلة تحتاج إلى دماء جديدة وتفكير خارج الصندوق بعد الفشل الذريع للنخبة الحاكمة الفاسدة المتكلسة والتي أثبتت عجزها وفشلها على كافة الصعد
    تعليم صحة غذاء دواء مواصلات الخ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here