الاردن بين مطرقة الواقع الاقتصادي المتأزم وسندان مواقفة السياسية

احمد عبد الباسط الرجوب

لا شك أن المتغير الاقتصادي يلعب دورًا مهمًّا في تحديد السياسة الخارجية للدول ، إذ ان هناك ارتباط قوي بين الدبلوماسية والقوة الاقتصادية للدول وخاصة على وجه التجديد بالنسبة للاردن، وعلى غرار كل الدول، وبالخصوص الدول النامية، فإنه يحتاج إلى الاستثمار الأجنبي من أجل تعزيز نموه الاقتصادي وتحسين الوضع الاجتماعي لمواطنيه. ومن أجل تحقيق هذا المسعى، لابد من توفير بيئة قانونية واقتصادية ملائمة، لكن يلزم أيضًا علاقات دبلوماسية سليمة وغير متوترة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات التي تقوم بها الدول أو صناديق الاستثمار السيادية التابعة لها…

وكما تعلمون فقد قامت الحكومة الاردنية ومن خلال مجلس النواب باصدار قانون  صندوق الاستثمار الاردني لسنة 2016 لجذب استثمارات لمشاريع كبرى ذات طبيعة خاصة ومكلفة، ولتعزيز تنافسية الاقتصاد، والتمكين للاستثمار في القطاعات الاخرى ، واستكمالا لذلك فقد تم التوقيع على تأسيس شركة قابضة لإدارة الاستثمارات الأردنية التابعة لصندوق الاستثمار الأردني السعودي حيث قد تم الترويج لهذه الشركة بأن يبلغ حجم الاستثمار فيها من خلال الصندوق إلى مليارات الدنانير، على أن يودع الجانب السعودي في الصندوق مبلغاً يفوق ملياري دولار، فيما يوفر الأردن نحو خمسمائة مليون دينار أردني من البنوك المحلية ، ويأتي هذا المشروع تعزيزا للاستثمارات المشتركة بينهما في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتشجيعا للاستثمار في الأردن، وتوفير بيئة استثمارية محفزة تسهم في جذب المستثمرين المحليين والدوليين …

لقد استبشر الاردنيون خيرا من من انشاء هذا الصندوق ووقوف الشقيقة العربية السعودية الى جانب الاردن مثل وقوف الكثير من الاشقاء العرب الى جانبنا، وذلك نظرا للمواقف المشرفة التي يقفها الاردن مع الاشقاء العرب … ولكن للاسف يبدوا انها لا زالت حبرا على ورق وانها اي الاتفاقيات اصبحت حبيسة الادراج ويبدو انها كانت فزعة سياسية لامر ما قد اتت عليه لحظة النسيان في خضم تواتر الاحداث مما ادخل حالة من الضجر المغلف بالشكوك وعدم الثقة لدى الاردنيين على جدية مثل هذه المشاريع والتي يبدو انها حيكت في مطابخ السياسة التي يجهلها الاقتصاديين في غالب الاحيان وتصبح نصوصا تصلح لاعمال الدراما التلفزيونية … وهذا يذكرنا بتلك الحملة “الإعلامية ” للإعلام الرسمي الأردني التي انطلقت عام 2011 والتي كانت تحت عنوان انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي..!!

لقد سارعت الصحافة والبنوك وشركات الاستثمارات العالمية بنقل خبر المشروع الاستثماري العملاق على سواحل البحر الاحمروالذي اطلقة ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان بتاريخ 24 اكتوبر / تشرين اول 2017 وهو مشروع انشاء مدينة ” نيوم  NEOM ” وتعني (NEO) بالإغريقية كلمة “جديد”، وحرف (M)  منفصلًا، ويشير بالعربية إلى كلمة ” مستقبل ” أي أن (NEOM) كاملة تعني المستقبل الجديد. كما يشار لها بالعامية ” نويسا ” وذلك اختصارا للمصطلح الانجليزي North West Saudi Arabia  وهي إشارة إلى موقعها في شمال غرب السعودية…

سيقام هذا المشروع على أراض شاسعة في الدول المتشاطئة على بحر المرجان (البحر الاحمر) وعلى الحدود المصرية والأردنية، وستكون أول منطقة خاصة ممتدة بين ثلاث دول، كما سيشتمل على إطلالة على ساحل البحر الأحمر، الذي يعد الشريان الاقتصادي الأبرز، والذي تمر عبره قرابة 10% من حركة التجارة العالمية… وبحسب المعلومات الاولية الراشحة من الجانب السعودي الصادرة في شهر ابريل 2019 بأن أشهر قليلة، تفصل فريق عمل مشروع ” نيوم “، عن الانتقال لموقع المشروع، والبدء بوضع أولى لبناته الإنشائية، معتبرين أن ” نيوم رحلة طويلة تحتاج إلى التخطيط الدقيق والعمل الدؤوب”. والذي ستكون كلفة انشائة ( 500 مليار دولار) أي ( نصف تريليون دولار ) ، وسيقام على مساحة 26500 كيلومتر مربع، وسيضم مناطق صناعية متخصصة بالماء، والطاقة، والتكنولوجيا، والغذاء، والترفيه…

والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا عن ضخامة الكلفة التي اعلن عنها لتشييد هذه المدينة والذي لم يسبق أن غامرت به اي دول أو مجموعة من الدول حتى الغربية الغنية ، وكذلك الظروف الامنية المحيطة بها بسبب وجوده في منطقة نزاعات ، وما هو دور دولة الاحتلال الصهيوني من انشائها وهل يتطلب ذلك موافقتها عليه؟ أو هل تم اخذ موافقتها المسبقة عليه قبل تصاعد الدخان الابيض لولادتة …

انا لست من المشككين بمدى نجاح هذا المشروع من عدمة بقدر ما يقلقني من المثلث الجغرافي الذي ستجثم عليه هذه المدينة وخاصة وجود دولة احتلال التي لا تهتم بالمواثيق والعهود وهى في شغف دائم لقضم المزيد من الاراضي العربية … افهم دوما بأن الزعماء الصهاينة ينظرون الى منطقة خليج العقبة على البحر الأحمر، باعتبارها موقعاً مثالياً لتدعيم العلاقات التجارية مع كل من الأردن والسعودية ومصر، وهذه الدول تقع جميعاً على طول الممر المائي مثل دولة الكيان وان العلاقات الاقتصادية بينها ” باعتقادهم كما الامريكيين “هى مفتاح السلام بين إسرائيل وفلسطين… يضاف الى ذلك الفترة الزمنية التي سوف تستغرق في بنائها ،  حيث من المتوقع الانتهاء من انشائها في العام 2025 ، حيث لا يعلم احد بالمتغيرات التي تتعرض لها منطقة الشرق الاسط عموما ومنطقتنا العربية خصوصا والايام حبلى بالمفاجأت…

وفي هذا السياق وما قد يكون له اثرا وانعكاسا على مشاركة الاردن في مشروع ” نيوم ” عودة العلاقات الاردنية القطرية وعلى مستوى السفراء ، حيث كانت الاردن قد تبنَّت ” نصف موقف ” من الازمة الخليجية حيث خفض الاردن مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر في يونيو/ حزيران 2017وذلك في أعقاب الأزمة الخليجية التي اندلعت في شهر يونيو / حزيران 2017، وقاطعت على إثرها السعودية والإمارات والبحرين، ومصر الدوحة ولا نعرف المقياس الذي تم على اساسة اتخاذ الاردن هذا القرار السياسي والخلفيات التي اعتمدها صانع القرار في حينه ، وكم كنا في حينها نتأمل من اتخاذ موقف يتمثَّل في عدم الانحياز لأي طرف من أطراف الأزمة ، وذلك من منظور تاريخي ،حيث كانت العلاقات الأردنية الخليجية علاقات قوية، خصوصًا من الناحية السياسية،…

اليوم نشهد انفراجا في مشهد العلاقات الاردنية القطرية والذي تمثل في اعلان عودة السفيرين الى عمّان والدوحة في غضون ايام تزامنا مع كتابة سطور هذا المقال وهى في رأيي الشخصي تعني انخراط الاردن في الجهود الرامية لإيجاد حل للمشكلة الخليجية من خلال العلاقات المتوازنة ” فالأردن كان على الدوام يحافظ على سياسة امساك العصا من الوسط ” مع اطراف المشكلة والتي هي بالدرجة الاولى مشكلة ” عربية عربية ” … كما ان هذا التقارب الأردني القطري يحمل أبعادًا مختلفة؛ فمن ناحية، لن يؤثر هذا التقارب كثيرًا على العلاقات الأردنية – الخليجية، في ظل الحرص الأردني على التزام معادلة الموازنة في علاقاته مع دول الخليج العربية كما اسلفنا، ومن ناحية أخرى يشكل هذا التقارب منفعة متبادلة بالنسبة لكل من عمان والدوحة، حيث يحتاج الاْردن في ظل الضائقة الاقتصادية التي يمر بها بأن يبحث عن مصادر متنوعة للتعاون في مختلف المجالات ، حيث أن أكبر أزمة تمر بها البلاد تتعلق بالملف الإقتصادي بأزماته وتعقيداته المختلفة لا سيما عجز الموازنة الداخلية وارتفاع المديونية العامة إلى نسب قياسية منذ انخفاض قيمة الدينار الأردني عام 1989 ، كما ان الأردن الآن يعاني كثيرًا، لقد بلغ الدين العام 94 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للبلاد وتبلغ خدماته وفوائده حوالي ملياري دولار سنويًا، بينما وصل العجز في ميزانية هذا العام حوالي المليار دولار ، وتسجّل البطالة معدلاً مرتفعاً (19%)، وتتسبّب أزمة اللاجئين المستمرة باستفحال التحديات الاقتصادية الراهنة…

وفي هذا السياق كانت دولة قطر قد أعلنت في 13 أغسطس/ آب 2018 عن تقديم حزمة مساعدات بقيمة 500 مليون دولار إلى الأردن، تشمل استثمارات وتمويل مشاريع، وتوفير نحو 10 الآف فرصة لتوظيف الأردنيين، خلال زيارة قام بها نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى عمان، التقى خلالها الملك عبد الله الثاني، في الوقت الذي لم يجد فيه التعويض الكافي عند السعودية أو الإمارات، إزاء تخفيض حجم مساعداتهما للأردن وتحويل القيمة الأكبر منها إلى مشاريع بدلًا عن السيولة النقدية…

وفي هذا الاطار هناك سؤال استراتيجي يتبادر للذهن … هل ستكون عودة السفراء بين الاردن وقطر حجر عثرة في سبيل اشرك الاردن بمشروع ” نيوم ” ؟… هل سيكون ايضا له رجع الصدى (عكسي) على قرارات قمة مكة 11 يونيو / حزيران 2018 بشأن المساعدات الخليجية (السعودية والاماراتية والكويتية) وحرمان الاردن من تلك المساعدات والتي تضمنت في شكل أساسي من قروض في شكل ودائع (تشمل وديعة في البنك المركزي الأردني لتعزيز احتياطي العملات)، ومن ضمانات قروض من البنك الدولي، ودعم سنوي للموازنة، وتمويل للاستثمارات في البنى التحتية… بإمكان السعوديين والإماراتيين والكويتيين التراجع عن إيداع أموال في البنك المركزي وعن الاستثمار في البنى التحتية، بحسب تقديرهم الخاص، ما يعني أنه يمكن استخدام هذين النوعَين من القروض كورقة ضاغطة لانتزاع تنازلات سياسية – وهذا احتمالٌ قائم بشدّة مع ابتعاد السياسة الخارجية الأردنية عن خط هذه الدول!…. قادم الايام كفيل بالاجابة وازالة الغموض عن هذه الاسئلة!…

ختاما … الاردن بين مطرقة الواقع الاقتصادي المتأزم وسندان مواقفة السياسية ونقولها وبشكل صريح لا لبس فيه ودون خجل أو مواربة بان بلادنا تتعرض لضغوط جبارة من ذوي القربى بما تملك على الأردن من أوراق قوة حتى تسير في ركبها بالشكل الصحيح ” والذي يتطلب تنازلات من جانب الاردن في سياسته الخارجية “… وليعلم الاردنيين وان يدرك الجميع الآن وفي هذه الظروف بأنه لن يقدم لنا المساعدة احد وعلينا الاعتماد على الله وعلى أنفسنا أولا وأخيرا…

باحث ومخطط استراتيجي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لم تأت بجديد.

    نعيش في مرحلة ضغط على الأردن لأسباب سنعرفها لاحقا. المهم لا خوف على الأردن و ولا على قيادته. الخوف فقط على شعبه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here