الاردن الى اين؟ سؤال يحتاج الى حسم

الدكتور عبدالمهدي القطامين

يواجهني العديد من الاصدقاء كلما التقيتهم وهم بقايا من الاحزاب القومية والشيوعية وحتى من الوجهاء وشيوخ العشائر وبعض الحراكيين بسؤال كل مرة هو الاردن الى اين ؟؟؟؟  وكنت في كل مرة احاول ان اكون دبلوماسيا في الاجابة فانا اولا واخيرا موظف عام يتلقى راتبه من الحكومة الاردنية ولكن ذلك لا يمنعني من التحدث بصوت عال في بعض الاحيان على الاقل كمواطن عمل في الدولة الاردنية في قطاعي الاعلام والثقافة ما يزيد على ربع قرن واتبعها باربع سنوات في هيئة حكومية مستقلة ويعجب البعض من بعض كتاباتي التي يرونها حادة السقف احيانا لكن الجواب الحاضر ابدا لكل متسائل …. نحن في الاردن غير ، وما هو متاح لنا من حرية في التعبير والتي ضمنها الدستور لو كتبها احد في دولة عربية اخرى لاختفى خلف القضبان وربما اخذ رقما وليس اسما وبقي طيلة عمره يحمل ذلك الرقم دون ان يعرف اين يستقر ذاك الرقم والى متى  .

وحول حكومة الدكتور الرزاز التي وصفت بالمخلصة عند تشكيلها والتنويرية والديموقراطية ايضا فقد استمعت الى الرجل مباشرة لدى لقائه نخبة من مثقفي الاردن  كما استمعت اليه عبر وسائل الاعلام وهناك فارق كبير بين ما يقوله الرئيس وبين ما يترجم وينفذ على ارض الواقع بين طروحاته الاكاديمية النظرية وبين اجراءات الحكومة على ارض الواقع ولن افشي سرا اذا ما قلت ان  هذا هامش المناروة المتاح للرجل وبغير ذلك عليه ان يحزم حقائبة من الرابع ويرحل الى اللويبدة حيث بيت العائلة .

المطلعون عى مدار السنوات العشرين الماضين يرون ان الاردن سار على نهج اقتصادي خاطىء بدءا من الخصخصة وانتهاء بمشروع النهضة الذي يبشر به الرزاز وكل المشاريع التي ادرجت  كانت بعض احلام لم تصمد طويلا امام الواقع ويفسر البعض ذاك بغياب مفهوم الولاية العامة عن الحكومة وهذا المفهوم مطاط ولزج وزئبقي احيانا ولا يستطيع احد على الاقل في الاردن ان يقول ما هو مفهوم الولاية العامة كيف يمكن ان نفصل الحكومة باشخاصها وتوجهاتها عن الدولة العميقة في الاردن والكل يعرف ان جل قرارات الدولة تأتي من هناك بل ان حتى الدولة العميقة التي يتغنى بها البعض كان لها من الهفوات والاخطاء ما ينوء به الجبل وهي ربما اخطاء مرتكبة عن قصد او جاءت في سياق الاجتهاد وكلا الامرين قاتل ففي مفهوم قيادة الاوطان ليس هناك خطأ عن قصد او بجهل فالنتيجة  واحدة كما يقول اهل السياسة .

ويتساءل البعض عن ماهيات الحراك الاردني الذي تفجر في الربيع العربي ثم خمد ثم عاد مرة اخرى وما مدى تأثيره على الاردن كدولة ومجتمع وتبدو  هنا الاجابة ضابية ايضا فلا احد يستطيع التكهن بمالات هذا الحراك في ظل اصرار الدولة العميقة على شيطنة الحراك والذي يبدو للناس ايضا ان فيه من الشياطين الكثير وان اهواء الحراكيين متضاربة غير منسجمة بل وحتى ان الكثير منها غير واع لمفهومه الحراكي وهذا يجعل الدولة العميقة تتشدد في مواجهة الظاهرة دون البحث عن الاسباب والتي اولها السبب الاقتصادي والمجتمعي فيما يتضاءل مفهوم التغيير السياسي باستثناء بعض التلميحات هنا وهناك عن الملكية الدستورية وتغيير النهج متناسين ان تغيير النهج يحتاج الى مقومات وادوات هي بكل تأكيد غير موجودة في المجتع الاردني حاليا وفي ذلك اسباب عدة نورد اهمها على الاقل والمتمثلة بغياب الشخصيات السياسية الوطنية الوازنة القادرة على التأثير في الرأي العام وابداء ملاحظاتها في الحكم مباشرة ودون مواربة وهذه الشخصيات ان وجدت فهي مغيبة لصالح تيارات برزت مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي وهي شخصيات تعلمت  في الغرب ثم عادت تحمل منهجيات جديدة لم يستطع المجتمع الاردني هضمها وان حاول فانه سيلاقي عسر هضم شديد خاصة وانه يرى ويسمع ويحس ان هذه الشخصيات لم تاتي بجديد وكل ما تفعله هو محاولة استيراد نظريات اقتصادية معلبة هي في اغلبها نتاج بيئتها التي نمت فيها ولا تمت لواقع الوطن بشيء فالحسابات الاقتصادية هناك مختلفة عن حسابات الاقتصاد لدينا في ظل تدني انتاجية الفرد والتي لا تزيد عن ساعة في اليوم  كما اشارت  احدى الدراسات اضافة الى التبعيات المجتمعية لوظيفة الاقتصاد في بلدان العالم الثالث في حين انها تبعيات محسومة اساسا في بلدان العالم المتقدمة وفق العدالة والقانون وليس وفق الاهواء والتوجهات .

في السابق كانت الضمانات المجتمعية احد صمامات الامان للوطنية وكان شيوخ العشائر لهم القدرة على قيادة التيار نحو تحقيق اهداف الدولة والمحافظة على بنية النظام السياسي وكانت الشخصيات الاجتماعية الوازنة تستطيع التحرك بموازاة اجهزة الدولة المختلفة بل كانت تستطيع ان تجيش للدولة وتحميها على كافة المفترقات الحساسة التي تمر بها وقد مرت بالكثير لكن وفي ظل عصر العولمة الذي بدأ يجتاح العالم وثورة الاتصالات التي شهدهاالعالم اواسط التسعينيات من القرن المنصرم  بدأت الدولة والحكومات تبتعد شيئا فشيئا عن التاثير القبلي العشائري لصالح المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي فاصبح من كثر اتباعه الوهميين على مواقع التواصل هو المقياس لمدى القدرة على التاثير واصبح نفوذه بعرف الدولة والحكومة يفوق نفوذ شيوخ العشائر والقبائل فتم استبدال الوجوه التقليدية للعشائر بهذه الوجوه الجديدة تماشيا مع مدنية الدولة على حد مزاعم الديجتال وايضا مع مفهوم سيادة القانون الذي يطبقونه حين يحلو لهم ويدوسونه حين يريدون فاصبح الجميع مثل طائر الغراب الذي قيل في الاساطير  الشعبية انه حاول ان يقلد مشية الحمامة فلم يستطع وحين عاد الى مشيته القديمة كان قد نسيها وظل يعرج هكذا حتى الابد .

ولم تسلم الاحزاب السياسية ايضا من العبث الذي طال ما اسماه الديجتال عصر التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فقد لجأت الدولة الى ايجاد احزاب سياسية بديلة عن الاحزاب الفكرية والايدلوجية القديمة باخرى لها مسميات الاحزاب وتدعم من قبل الدولة لكنها عاجزة عن فهم اي معادلة حزبية وانضم لها اميون وشيوخ بدلاء وهواة ومراهقين واناس خارجون على القانون عبر متاجرتهم بالممنوعات والمحرمات وغيرها  في ظل نقص حاد في الثقافة الحزبية والسياسية فدمر القطاع الحزبي تماما الذي كان ابرز سمات منتسبيه الثقافة المتقدمة والقدرة على الحوار واحترام وجهات النظر المختلفة والاهم القدرة على محاورة الدولة واجهزتها بندية عالية .

سألني احدهم ذات يوم هل نحن اقرب ما نكون الى الغراب وحسب ما وصفت اعلاه أجزم اننا كذلك فلم نصل الى المدنية ولا لسيادة القانون وفرطنا بضوابطنا المجتمعية مثلما فرطنا باقتصادنا الوطني ورهناه تماما بايادي الصناديق المقرضة التي لا ترحم حتى لو ابدت بعضا من الشفقة علينا وهي تمارس جراحاتها العلاجية في اقتصاد هو اقرب للانهيار ويأتي من يقول في ظل الاوضاع التي ذكرت : لماذا لا يصنع الرزاز كذا  ؟؟؟ولماذا لا يمنع كذا ،،، ناسين او متناسين ان من يريد الفعل عليه امتلاك ادواته ….  والرزاز لا يمتلك من تلك الادوات شيئا واي رئيس اخر هو مثله تماما اذن اين الحل ؟ وكيف يمكن ان نستعيد الوطن الذي باتت ملامحه غريبة علينا ؟؟؟…. الحل من وجهة نظري سيكون في المقالة القادمة والذي يقع ضمن معطيات الواقع الذي ذكرت مع قليل من الامنيات

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. المطلعون عى مدار السنوات العشرين الماضين يرون ان الاردن سار على نهج اقتصادي خاطىء – مقتبس من المقال

    فعلا , نشعر أن العشرين ستة الأخيره هي سنوات مكانك سر برغم من كل الشعارات البراقه

  2. بما ان غالبية المجتمع الاردني يرفضون السياسات الفاشله المتعاقبة من قبل الحكومات السابقه لماذا لا يشكل حزب سياسي وطني يضم ابناء الوطن الرافض لسياسات الحكومه ومن ثم ينخرط في المطالبات الوطنيه بعيدا عن العنصريه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here