الأردن.. التحديات وإمكانات الصمود

عبدالحي الحباشنة

  الاردن الدولة ذات الموقع المهم على خارطة المنطقة والتي تميزت في حقب الازمات الحادة بهدوءها وقدرتها على التجاوز والعبور الآمن ضمن منظومة داخلية يغلبها التوافق العام وخارجية يضبطها القدرة على خلق التوازنا

ت والبقاء في حيز القدرة على الاستمرار , ترى هل تستدعي سؤالا عن مآلاتها في القادم من الايام وما الذي تغير حتى تكون محط سؤال مفصلي حول المصير والمستقبل والكينونة بذاتها ,والى اي مدى يمكن ان يكون ذلك منطقيا او واقعيا على اقل تقدير .

   المتغيرات الاقليمية والوضع الاقليمي الذي تتبدى فيه معالم تركيا وايران كقوتين اقليميتين او على اقل تقدير كمشروعين واضحين يتجاوزان الحالة الوطنية تمددا الى ما هو في الجوار سياسة واقتصادا وفكرا وامنا وبالمقابل غياب شبه تام لاي معادل عربي موضوعي لهذه المشاريع وكذلك تترسخ الكينونة الصهيونية بمظهرها القائم من خلال تعزيز حضورها في المنطقة عسكريا وسياسيا واقتصاديا والتفاصيل كثيرة في مجال تغلغلها في شرايين عربية مهمة وصلت الى حدود الطاقة والمشاريع المشتركة والتحالف في بعض الاحيان معززة بدعم امريكي غير محدود يقابل ذلك كله وضع عربي هش على الصعيدين الرسمي والشعبي , فالنظام العربي يكاد في احسن الحالات يؤول الى الاضمحلال دورا وحضورا وموقفا والاوضاع في نصف الدول العربية على الاقل في حال من عدم الاستقرار واعادة التشكل فسوريا في حرب دامية والعراق مباح لصراع اقليمي مستمر ومصر منشغلة باوضاعها المرتبكة والخليج منهمك ببينياته والسودان منهك واليمن في حال بائس والصومال ليست باحسن حال منها والجزائر وتونس تصارع من اجل استمرار الحياة  والفلسطينيون في حال من التشظي والفرقة والانكسار في ظل تزاحم وتمسك بسلطة ليست موجودة اصلا .كل ذلك مقترن بحالة شعبية عامة انهكها همها الاقتصادي والحياتي وغابت عنها القوى الحية القادرة على استنهاض اهدافها الكبرى .

  دوليا العالم بغيش مرحلة من اعادة التموضع في هرمية الوجود الدولي في ظل هيمنة امريكية واضحة تحت قيادة لا تبالي كثيرا ولا حتى قليلا  بالاعراف التقليدية للعلاقات الدولية التي سادت في القرن المنصرم وتؤيد بصورة عمياء الرؤى الاسرائيلية في المنطقة وتراها جزءا من رؤيتها الاستراتيجية  ودولة في طور اعادة الصعود كروسيا معنية باعادة نفوذها الى بعض المواقع مع الاحتياط دائما الى عدم الوصول الى درجة الصدام مع امريكا في حين تنشغل الصين بتنمية حضورها التجاري وتنشغل اوروبا بجملة كبيرة من اعباء المحافظة على وحدتها ومعالجة اقتصادياتها مع عين على التوجهات الامريكية في الميدان الدولي تماهيا او تاييدا وفي احسن ظروف قراراتها التعبير الخجل عن موقف مستقل هنا او هناك .

  في ظل كل هذه الانزياحات الواضحة مضافا اليها ما تسرب عن الخطة الامريكية للسلام كما تسميها واشنطن والتي تضرب حتى تنازلات العرب والفلسطينيين بعرض الحائط من خلال مشروع واضح على الارض لقضمها واعلان دولة فلسطينية اقرب الى شكل الكانتون الاقتصادي غير قابلة للحياة بمعزل عن اقترانها بدولة اخرى مع وضع فلسطيني مشوش غير واضح المعالم رسميا وشعبيا ووضع عربي مترهل يصبح سؤال الاردن الى اين جديرا ومهما ذلك ان كينونة الدولة بمكوناتها كافة تصبح محل استفهام كبير في خضم وضع يهدد مستقبلها لا بل وحاضرها المنظور فكل ما يجري يؤثر عليها بشكل مباشر وعميق خاصة اذا اخذنا بالاعتبار غياب العمق الاخر الذي يمكن ان تتكيء عليه الدولة في مواجهة اية استحقاقات متعلقة بالوضع الاقليمي وتحديدا المسار الفلسطيني في ظل ما يجري ترتيبه مما نعلمه كعرب او لا نعلمه وهو حتما كثير ومريب .

  الملح في مستقبل الحضور الاردني هو ما الممكن الاردني لمواجهة هذا الوضع في ظل هذا الوضع المعقد وهنا وبعيدا عن الاحلام والتعبيرات العامة لا بد من اطار واضح تستطيع من خلاله الاردن الخروج باقل خسائر ممكنة وهو مرتبط بجملة من الاجراءات الداخلية والخارجية التي يمكن ان تكون استراتيجية للعبور بالدولة الى بر الاستمرار ولا اقول الامان ذلك انه لا امان مضمون في ظل الاوضاع المختلطة والمعقدة التي يعيشها العالم .

 داخليا هناك ازمة مرتبطة بمجمل المكون الداخلي للدولة فالسلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب وهو وجهها الشعبي الابرز تكاد الثقة الشعبية فيه تؤول الى الصفر والحكومة كسلطة تنفيذية تصارع من اجل اقناع الجمهور بجدوى وجودها من خلال اجراءات لمعالجة الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه غالب الاردنيين دون انجازات حقيقية تقلل من فقدان الثقة بها او حتى تحسين صورتها المرتبطة في الذهنية الاردنية بالعبثية وعدم الجدية وفقدان الحضور وهو امر يعبر عنه الاردنيون على مدار ثلاث حكومات على الاقل اضافة الى حالة من الاحتقان العام نحو كل شيء وفقدان للامل في اي شيء مضافا الى ذلك تغيرات مهمة في البناء الاجتماعي للمجتمع وما يرتبط به من رموز وتشكيلات مع غياب شبه تام للنخب السياسية والنقابية والاجتماعية القادرة على تقديم بدائل جدية في كل المعضلات والتصدي لها او قيادة الجمهور الى رؤى فاعلة على كل الصعد مع فقدان بعض الهيبة للكثير من المؤسسات والرموز التي كانت فيما سبق اقرب الى المقدس الشعبي والاجتماعي . وهو الامر الذي يتطلب اجراءات جريئة لكل مكونات الدولة في مراكز صنع القرار لاعادة توليف عقد جديد مع الناس يبني ثقتهم من جديد ويؤسس لمفاهيم جديدة في العلاقات البينية داخل النسيج المجتمعي الواحد على اسس جديدة وصادقة مع الاجراءات المرتبطة بذلك من تولي حكومة قادرة على اقناع المكونات الاجتماعية شكلا ومضمونا  بجدوى الدولة والمجتمع والمؤسسات . يرافق ذلك اجراءات مرتبطة بالشفافية في السلوك الاقتصادي للدولة اذ اصبحت الكثير من السلوكات الاقتصادية غير واضحة في الياتها واجراءاتها لكل المجتمع .وهو الامر الذي يمكن ان يشكل مدماكا مهما في بناء جبهة داخلية قادرة على الصمود في وجه التحديات الخطيرة التي تواجهها الدولة .

   خارجيا لا بد من محاولة الانزياح من السكة الامريكية ولو قليلا نحو بعض اوروبا الفاعلة وتحديدا فرنسا والمانيا واعتقد ان جهود الملك يمكن ان تشكل فارقا مهما لقدرته على فهم العقلية الاوروبية خاصة فيما يتعلق بالقدس وفلسطين اضافة الى اهمية خلق فرص اكثر وضوحا في العلاقة مع مصر والعربية السعودية والعراق وقطر والخليج عموما  بزاوية مرتبطة بالاردن بغض النظر عن العلاقات البينية بين هذه الدول وتبني مقاربات ذات طبيعة توفيقية دون الدخول العميق في المحاور الخاصة مع عمل دؤوب لخلق حد ادنى فلسطيني قادر على المواجهة او على اقل تقدير الصمود خاصة وان الاردن يمتلك وسائل ونفاذية عالية مع المكونات الفلسطينية على نحو مميز والعمل على خلق توازن في فهم سياسة الاردن تجاه الاقليم وتفاعلاته قدر الامكان .

   ادرك تماما اننا لا نعيش في جزيرة منعزلة واننا دولة بامكانات محدودة وقدرات محدودة ايضا لكن ايا تكن مساحات التحرك ضيقة فان تحدي الوجود والمستقبل تتطلب ان تتظافر جميع الجهود من اجل اعادة البناء القادر على الصمود بدءا من اعادة بناء الثقة وتمتين الجبهة الداخلية وتوحيد وتناغم مؤسسات القرار والعمل باستغلال الممكن والمتاح يمكن ان تشكل الاداة الابرز للعبور والصمود امام التحديات الكبيرة التي يواجهها الاردن على صعيد البنية والحضور.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here