الاردن: ادارة الحراك.. لا مواجهته!

أ. د احمد القطامين

افتتن العالم باداء الدولة الاردنية خلال الحراك الاردني الذي رافق ثورات الربيع العربي في المنطقة العربية منذ بدايته عام 2011 وحتى الانقضاض عليه واحباطه عام 2013. كان الحراك عميقا وفاعلا الا ان الدولة العميقة التي لجأت لادارته بدل من مواجهته كانت اكثر عمقا وفاعلية، وهكذا نجحت في تجنب مآلات اخرى كانت حتميه لو لم توظف العقل بدلا من القوة في التعامل معه.

عندما انفض سامر الربيع العربي وتم اجهاض كل آثاره، بدأت في الاردن سلسلة من التراجعات عن بعض الاصلاحات التي تمت اثناء الحراك الشعبي والتي كانت بجوهرها اصلاحات تجميلية لم تنفذ الى عمق عملية الاصلاح وكان الهدف منها توظيفا لفكرة ادارة الحراك الشعبي بالتفاعل الايجابي معه بدلا من اعتماد ردات الفعل في مواجهته.

ان الشعب الاردني بكل مكونات وعلى اختلاف توجهاته لم يكن يوما راغبا باسقاط النظام الحاكم لاسباب كثيرة منها ان النظام نفسه لم يكن يوما نظاما دمويا في منطقة يسودها شكل غريب من اشكال الانظمة التواقة للدم والقتل بسبب او بدون سبب. وكان النظام دائما وسطيا ويعمل بمعادلة محددة فيها ما هو ظاهر للعيان وفيها ما هو غير قابل للظهور.. وهكذا استمرت المسيرة لحوالي مائة عام من عمر الدولة الاردنية.

لكن، ومع خروج امريكا من دائرة الدولة  العظمى المتوازنة بانتخاب ترامب، اخذت الامور تنحى باتجاهات مختلفة وخطيرة.. فالادارة الامريكية لم تعد دولة يقودوها رجال دولة بل اصبحت دولة متخمة بالقوة والجبروت يقودها رجال اعمال ورجال عقارات وايديولوجيون يمينيون متطرفون جدا. انعكس ذلك على الاردن الدولة الاكثراندماجا مع السياسة الامريكية في المنطقة خاصة ان من اهم عناصر العقيدة الامريكية الترامبية الجديدة  هي فكرة انهاء القضية الفلسطينية تماما لصالح اسرائيل واتخاذ الاجراءات المطلوبة في المنطقة العربية بحيث يتم تهيئة المسرح لفرض عملية تصفية القضية الفلسطينية نهائيا والى الابد باستخدام العرب انفسهم وضمان انصياعهم لمتطلبات التصفية.

ان من اهم التغييرات المطلوية امريكيا هي تعيين الاشخاص المطلوبين للتماهي الكلي مع مشروع التصفية في مراكز القوة الرئيسية في الدول العربية وربما ايضا اجراء بعض التحريكات المحددة في دول جوار فلسطين لدول وقوى بعينها خدمة لمشروع التصفية.

من هنا تصبح الاردن مستهدفة استهدافا مباشرا وجها لوجه في قلب العاصفة، لذلك لا بد من ان تقوم الدولة باتخاذ الاجراءات المطلوبة لمواجهة الخطر القادم وقد يتطلب ذلك حتميا تغييرات كبيرة في التوجهات السياسية والتحالفات الاستراتيجية والابتعاد داخليا عن تعميق الهوة بين الشعب الاردني والدولة الاردنية وايجاد حلول عاجلة جدا للوضع الاقتصادي الخطير الذي ينتج ردود فعل شعبية على شكل مظاهرات واحتجاجات كما شهدنا مؤخرا.

ولنتذكر ان الدولة الاردنية كانت ذكية جدا في التعامل مع تفاعلات الربيع العربي ونجحت لكنها مطالبة اليوم ان تكون اكثر ذكاء لتستطيع مواجهة الحالة الجديدة التي تأتي على شكل اعصار مدمر ان لم تكن جاهزة للتعامل معه فستكون العواقب وخيمة جدا .

اكاديمي وكاتب عربي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. للاسف هذا الحراك مشبوه بتوقيته وحججه الفارغةالمسالة هناك جماعات وافراد تحركهم اجندات اقليمية وشرهات واعطيات سعودية وصهيونية واميركية يريدون لا سمح الله تكرار السيناريو المدمر في سوريا والعراق واليمن وتونس ومصر لكن الاردن سيكون عصيا عليهم مهما تكالبت عليه الضغوط وسيظل شامخا بمكونه الاجتماعي وبقيادته الهاشمية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here