الاردن: إطالة اللسان وتقويض نظام الحكم

محمد يوسف الشديفات

خيبة كبيرة تلك التي أشعر بها في كل مرة أقرأ فيها هذه التهمة الجاهزة التي رافقت مؤخراً عديد الحالات من الاعتقالات العشوائية، والتي طالت طيفاً واسعاً من الاردنيين، خيبة لا تقل شأناً عن الخيبة التي نشعر بها ازاء الحال الذي وصلنا اليه، يرافقها تساؤلات عن جدية هذه الاعتقالات وجدواها، وعن مدى ادراك صانع القرار لخطورة صناعة افواج من الاعداء للدولة وهم يرتدون لباس الابطال؟

ترى أي نظام هذا الذي سيقوضه مغمور ذو تأثير لا يكاد يتجاوز اصابع اليد الواحدة فيمن حوله؟ ولماذا هذا النزق في التعامل مع الانتقادات الموجهة لصناع القرار، والذي يوحي لك بأن أمرنا قد استقام وها نحن ننعم في رغد من العيش؟! وما هو الذنب العظيم الذي اقترفه الاردنيون حتى يتم ترهيبهم بهذه الصورة التي تعيدنا الى زمن الاحكام العرفية البائد؟! وما الغاية من دفع الاردنيين الى الكفر بكل ما أبدوه من مسؤولية وحرص على وطنهم ومنجزاته عندما بلغت القلوب الحناجر؟

يقول المثل الانجليزي “Perception is reality”، أي ان الشيء الذي تدركه حسياً هو حقيقة وواقع، لذا وبالرغم من كل المحاولات البائسة التي يقوم بها عقل الدولة المركزي لتسويق فشله من خلال انتصارات وهمية حيناً، والحديث عن ضغوطات ومؤامرات حيناً آخر، الا ان واقع الحال وباعتراف النظام الرسمي نفسه يقول بأننا نرزح تحت وطأة مديوينة وعجز تاريخيين، ونسب بطالة غير مسبوقة، وتردٍّ للبنى التحتية والخدمات والتعليم، وقائمة غير منتهية من معيقات التنمية، ليأتي المسؤول بعد هذا كله وهو يهدد ويتوعد بملاحقة المنتقدين “بالدستور والقانون”!

وبمناسبة الحديث عن الدستور، متى سندرك اننا عبثنا بدستورنا وقلبناه رأساً على عقب؟ وان مسلسل الفشل الذي نعيشه اليوم سببه المواد الهلامية التي تم تعديلها في السنوات الاخيرة والتي طالت الصلاحيات والمهام الممنوحة لكل ركن من اركان النظام؟! واتحدى هنا اي متصفح للدستور الاردني ان يحدد ماهية الولاية العامة للحكومة، وآلية مباشرتها للمهام الموكولة لها دستورياً، وغيرها من المواد التي ضربت مسيرة الاصلاح في مقتل، حتى غدونا ضحية لتضارب المرجعيات وتبادل الاتهامات.

وأود هنا ان اسوق ما جرى مؤخراً من تغييرات وتعديلات طالت مواقع الصف الاول في الدولة الاردنية، بالاضافة الى التعديل الوزاري الذي تم على حكومة الرزاز، فالرسالة الملكية لمدير جهاز المخابرات العامة الجديد كانت واضحة بأن هنالك تجاوزات شابت عمل “الدائرة”، وأن خللاً استدعى اقالة المدير السابق وتكليف المدير الحالي للجهاز، فما هو الخلل الذي حدث؟ وما مدى تأثيره على مسيرتنا الوطنية؟ ومن سيحاسب المقصرين؟ وهل يُكافأ المقصّر بالترفيع الى رتبة أعلى قبل إقالته؟

التعديل الوزاري هو الآخر كان أشبه بالاحاجي والالغاز، فلا نعلم الاسباب الموجبة لهذا التعديل او مبرراته، او دور الاشخاص الذين انضموا للفريق الحكومي الذي يطالعنا يومياً بتصريحات تتعلق بعجزه عن ايجاد الحلول لمشكلاتنا، او تحصيل ما وعد به من ارقام بعد كل هذه الرفوعات والضرائب والرسوم، او حتى موقف الحكومة العملي والواضح مما يجري في المنطقة تحت مسمى “صفقة القرن”.

لا يمكن لمسلسل التجاهل وانكار الواقع وتكميم الافواه ورفض الانتقاد ان يستمر بصورته الحالية، كما انه لا يمكن التنبؤ بتبعاته، وليس من المعقول ان تدار الدولة بعقلية القرون الوسطى دون حسيب او رقيب، فلا سلطة بدون مسؤولية، و “النوم في العسل” لن يكون خياراً متاحاً في قادم الايام.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مقال رائع.للعلم نحن نعيش في القرن 21 .تغيير الانظمة حق معلوم للشعوب وتمارسه بشكل متواصل وسلمي في معظم بلدان العالم المتحضرة .صانع القرار يجب ان يكون منتخبا وليس معينا أو وارثا لمنصبه.وصانع القرار يجب ان يخضع للمسائلة والمحاسبة والمكاشفة والعزل ان لزم الامر.فصل السلطات هو الركيزة الاولى لاي مجتمع متحضر والتمثيل العادل لكل مواطن في النظام ،حتى يعلم كل مواطن ان له سهما في الدولة ولا يتم معاملته كواحد من الرعية .اسلوب الترهيب والمحاكمات العسكرية واعطاء يد مطلقة للاجهزة الامنية بدون رقيب ولا حسيب هي وصفة جاهزة للثورة اوالتذمر في احسن الاحوال.
    الجميع يعلم ان الحكومة والبرلمان بغرفتيه في الاردن مجرد ديكور وواجهه وان القرارات الحقيقية والتي دمرت البلد واوصلته الى ما وصل اليه تتخذ في مكان اخر من قبل طرف اخر.
    اخاف ان اقول اكثر فاتهم باطالة اللسان واحكم بالسجن من سنة لثلاث سنوات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here