الاخوان المسلمون: ما أجمل الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه

د. كمال الهلباوى

قرأت منذ أيام قلائل – كما قرأ آخرون- بيانا من الاخوان المسلمين إلى الأمة حول الواقع الجديد للقضية المصرية. وبقراءة البيان يتضح أنه بيان من المكتب العام للاخوان المسلمين . وذلك يعنى أنه من فصيل من الاخوان بعد التشرذم والتفرق والانشقاقات، التى أصابت الاخوان المسلمين، ليس فى مصر وحدها ولكن للأسف الشديد فى بلاد كثيرة ، ولم يعد ذلك يخفى على الدارس بل والمتابع حتى من الخارج، ولكن بعض أهل الدار قد لا يعلمون ، ومنهم من لايزال يعيش الحلم أو الاحلام المتنوعة، وقد يكون بعضها متعارضا.

وقبل أن أدخل فى قراءتى لذلك البيان، أذكر بما ذكرت من قبل فى عدة مرات فى مصر وخارجها. رحم الله تعالى الامام حسن البنا ، فقد نبهنا فى مواضع كثيرة عن ضرورة المراجعات وتصويب الأخطاء، واختيار القيادة الصالحة والسمع والطاعة فى غير معصية ، مستندا فى ذلك إلى القرأن الكريم، وإلى السنة النبوية والاحاديث الصحيحة، وحياة الصحابة الكرام رضى الله عنهم وأرضاهم، والتجارب التاريخية العديدة .

قرأنا للامام البنا فى أول رسالة المؤتمرالخامس،  هذا النص ) كنت أود أن نظل دائما نعمل ولا نتكلم , وأن نكل للأعمال وحدها الحديث عن  الإخوان وخطوات الإخوان , وكنت أحب أن تتصل خطواتكم اللاحقة بخطواتكم السابقة في هدوء وسكون من غير هذا الفاصل الذي نحدد به جهاد عشر سنوات مضت ، لنستأنف مرحلة أخرى من مراحل  الجهاد الدائب في سبيل تحقيق فكرتنا السامية .

ولكنكم أردتم هذا , وأحببتم أن تسعدونا بهذا الاجتماع الشامل فشكرا لكم , و لا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا , ونراجع فهرس أعمالنا , ونستوثق من مراحل طريقنا ، ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة , و تصحح النظرة الخاطئة , و تعلم الخطوة المجهولة , وتتم الحلقة المفقودة , ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم , من غير لبس ولا غموض .

لا بأس بهذا , ولا بأس بأن يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة و من سمع أو قرأ هذا البيان , برأيه في غايتنا و وسيلتنا و خطواتنا فنأخذ الصالح من رأيه , و ننزل على الحق من مشورته , فإن الدين النصيحة لله و لرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم).

كما قرأنا فى آخر رسالة التعاليم (فَخُذْ نفسك بشدة بهذه التعاليم, وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين. وأعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غايتك, كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة, وأنت منا ونحن منك, وإن إنصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك, وإن تَصدَّرتَ فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر”.).

وفى ضوء ذلك، وفى ضوء بيان الاخوان المسلمين أو المكتب العام للاخوان المسلمين بتاريخ 29 يونيو 2019، إن ما جاء فى هذا البيان هو الاعتراف بالخطأ حيث جاء بالنص ” فإننا قد قمنا بمراجعات داخلية متعددة وقفنا خلالها على أخطاء قد قمنا بها فى مرحلة الثورة ومرحلة الحكم كما وقفنا على أخطاء وقع فيها الحلفاء والمنافسين من مكونات الثورة. وقد تسببت تلك الأخطاء والخلافات فى تمكين الثورة المضادة من زمام الأمور”.

وبغض النظر على الخطأ اللغوى فى كلمة ( والمنافسين) حيث يجب أن تكون ( والمنافسون) لأنها تأخذ حكم الفاعل ، فإن لى عدة ملاحظات على هذا الأعتراف الجميل والصريح من جانب المكتب العام للاخوان المسلمين.

ـ  أولا : أن هذا الاعتراف الصريح جاء بعد ست سنوات ، أهمل الاخوان فيها وقبلها مئات النصائح، بل واتهموا أصحابها حتى بالخيانة والتعاون مع أعداء الوطن، ولم يقدروا المساحة الواسعة والتنافس والاختلاف والتنوع.

جاء هذا الأعتراف متأخراً جداً وبعد أن سالت دماء كثيرة ، وبعد اعتصامات وسجون ومعتقلات وصراعات لاتزال قائمة حتى اليوم، فهل ينهيها هذا الاعتراف، وهل نبدأ حياة جديدة فيها لقاء وحوارات وتسامح ونظرة للمستقبل، توفيرا للامكانات المهدرة والدماء المسالة، أم أن الاستراتيجية المقترحة مع الاعتراف فى آخر البيان نفسه على:” صنع أرضية فكرية مشتركة تعمل على إعادة النضال الثورى الفاعلة من جديد” قد تفسد كل ذلك الاعتراف، وتزيد الصراع إشتعالا!!، وهل هناك مع الاعتراف تحمل شيئ من المسؤولية عن كل ما وقع أم أن الاعتراف دون تحمل المسؤولية وتحميلها للآخرين جميعا؟

وما هو الفرق بين هذه الاستراتيجية وبين استراتيجية الكيانات العديدة التى دعا لها الاخوان أو فصائل منهم وفى مقدمتها ؛ المجلس الثورى المصرى ، وهو كما جاء فى التقديم له : كيان للقوى والأفراد المصريين على إختلاف إتجاهاتهم السياسية وإنتماءاتهم الفكرية ، المتمسكين بمبادئ ثورة 25 يناير والعاملين على تحقيق أهدافها، والمناهضين لكل صور الفساد والاستبداد والانقلاب العسكرى وما ترتب عليه والرافضين لتدخل المؤسسة العسكرية فى السياسة والمؤمنين بالشرعية الدستورية…ألخ.

ـ ثانيا: الجميل أنكم وقفتم على أخطائكم، والأجمل أن تتركوا الحلفاء والمنافسين من مكونات الثورة أن يقفوا بأنفسهم على أخطائهم، لا أن تقدرونها أنتم وحدكم ، وتدارس الأخطاء مع بعض أولى وأكثر نفعا. ومن ثم يدور الحوار والنقاش حول هذه الأخطاء ثم مصارحة الشعب بها تفصيلا. والسؤال هنا الذى يحتاج إلى إجابة واضحة: ماذا فعلتم أو تفعلون للتصحيح داخليا تجاه كل الأخطاء حتى لا تتكرر فى المستقبل ، وحسبى أن هذه الأخطاء وغيرها تحتاج إلى إعادة هيكلة داخلية، وتصويب للأهداف والغايات والوسائل، لا يقوم بها فريق واحد بل الجميع..

ـ ثالثا: ضرورة الأعتذار للشعب المصرى والتوجه له قبل التوجه إلى الشعوب الحرة جميعا كما جاء فى بيانكم” تتوجه جماعة الاخوان المسلمين بالتحية إلى الشعوب الحرة حول العالم”.

ـ رابعا: مع أخطائكم التى وقفتم عليها ، هل كانت 30 يونيو إنقلابا عسكريا أم ثورة مضادة ؟ والفرق هائل بينهما ، وقد جاء التعبيران فى بيانكم. واستراتيجية التصحيح أو حتى المواجهة تختلف فى الحالتين.كما قد تعلمون.

وختاما: أقول إن الأدراك المتأخر للخطأ أفضل من الاستمرار فيه دون إدراك واعتراف وتصحيح . نعم إن الاعتراف بالخطأ فضيلة، والرجوع عنه قوة، وهو من خلق الأقوياء بل من الفروسية والأخلاق الحميدة. وأولى بذلك من يدعو إلى الاسلام قولا وعملا، وخلقا وسلوكا ، وكما دعا الأنبياء والمرسلون(اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) وكذلك (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وكذلك (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي).

ولكن السؤال المهم، ما هو موقف الفصائل الأخرى من هذا الأعتراف، وما هو موقفكم واستراتيجيتكم من كسب ثقة الشعب التى فقدها بسبب تلك الأخطاء؟؟؟؟، وكيف يعود الشباب الى الصواب بعد ادراك تلك الاخطاء؟

وبالله التوفيق فى القول والعمل .أخطائهم ، ومعأ

اكاديمي وكاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. تحول الا خوان من جمعيه دعويه دينيه الى تنظيم سياسي مليشياوي عندما تم انشاء التنظيم الخاص المزدوج بعلم البنا بقيادة كل من السندي والشادي وصراعهما على قيادة النظام الخاص و عدم قدرة المرشد الاول على حسم الصراع بينهما . الى ان جاءت مرحلة العنف بتفجيرات الفنادق والوكلات التجاريه واغتيال الخازندار والنقراشي باشا فيما بعد واستمرار السيناريو الى يوم الناس هدا.
    المراجعات لدى الجماعات المتأسلمه كما ثبت دائما هو تدوير زوايا وهدنه مؤقته الى حين مرور العاصفه واستجماع القوى لمحاولة الانقضاض من جديد على السلطه بكل الطرق .

  2. المختفي تحت اسم(بلا مزح)..لقد فضحت انتماؤك الفرعوني..وكشفت الغطاء عن عائلتك العسكرية أجهل جهال الكون…….وهل ترفض الارادة الشعبية في اختيارها من تريد..رئيسا كان او برلمانيا….اتركوا الشعب يختار من يريد…..متى تدركون الانسانية والآدمية مثل البشر في اوروبا وامريكا واسرائيل….متى يعتبركم الناس في الغرب أنكم آدميون ولستم خراطيش ورصاص حي وخناجر لجز الاعناق…متى تتخلون عن الهمجية التي لاتفارقكم أبدا منذ قرن ونيف من الزمن

  3. أصبح من النادر أن تسمع لغة عربية صحيحة. والكارثة أن من يدعون كونهم أهل القرآن هم أنفسهم يرتكبون ما يرتكبه العوام. المنافسين والمنافسون

  4. كلام منطقي وإستراتيجي حيث وصلنا لمستوى أننا نخطيء ولكن لا نريد الإعتراف بالحقيقة و تربينا وتعلمنا من أهل رأس البيت دائما علينا الطاعة والسمع حتى لو كانت أفكار وأراء متعارض ومتناقدة لأحكام الله والسنة النبوية بحجة وحكم عدم العقوق للوالدين والرضا الربانية منهم والسخط كذالك منهم والتوصية بهم أن نكون دائما معهم في السراء والضراء فما المقارنة بحكام الدول الإسلامية حيث كثر الفساد والمنكر والظلم والتمييز العنصري والحقد والكره بين الشعوب بسبب الطائفية والدينية والمذهبية أين مفتاح النجاة و النصر والعودة إلى العقول السليمة و الصادقة والأمنة حيث القضية المركزية لعبة وأداة إستغلال لهؤلاء الفاسدين والخائنين من أجل بقاؤهم على كراسي العرش والرئاسة إلى الدقيقة الأخيرة من حياتهم وإن كانوا في سبات عميق وعطل صحي وروحي و أحزان و إختلافات وحروب أهلية لكن لا يفكرون قبل سقوطهم في الجحيم وهم نادمين حيث لا نفع لندم.

  5. يا سيد هلباوي، قبل الاعتراف بالخطأ او الاعتذار عنه، على المرء او الحركة ان يرى الواقع كما هو، وان يتقبل الواقع كما هو.

    حركة الاخوان لا زالت تكابر على انه لو ترك الأمر للشعوب في اختيار حكامها لكانت حركة الاخوان هي الفائزة في طول عالمنا العربي المنكوب بها وعرضه.

    حركة الاخوان لا يمكنها حتى اليوم استيعاب او قبول ان 30 مليون مصري كلفوا انفسهم عناء النزول الى الشارع للمطالبة بالتخلص من حكم الحركة في ما بات يعرف بثورة 30 يونيو، كما يبدو ان حركة الاخوان لم تسمع بعد بهزيمة خليفتها في معقله في اسطنبول بفارق 800 الف صوت.

    قبل المراجعات والاعتذارات التي لم تعد تفيد بعد خراب مكة في بلداننا جميعا على يد هذه الحركة، اقله ان تبدأ الحركة وقياداتها ومنظروها واعضاؤها برؤية الواقع والتعامل معه كما هو، لا كما تصوره لهم اوهامهم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here