الاحتلال الدبلوماسى فى التاريخ المصرى الحديث

السفير د. عبدالله الأشعل

عرف التاريخ الاحتلال العسكرى عقب الحروب أو عن طريق الغزو  وأصبح له توصيف ووضع قانونى محدد، وهو أنه حالة عارضة مؤقته تنتهى يصورة من الصور. وقد يكون الاحتلال لجزء من إقليم الدولة كما حدث فى سيناء والجولان وقد يكون لكل إقليم الدولة كما حدث الاحتلال البريطانى لمصر الذى تحول إلى احتلال سياسى وهيمنة شاملة على كل مقدرات مصر. وقد يبدأ الاحتلال بالغزو ثم يضم الدولة المحتلة أو الاقليم المحتل إذا كانت متجاورة كما حدث فى حالة احتلال العراق للكويت.

وقد عرفت مصر نوعا آخر من الاحتلال عندما قبلت الدولة العثمانية فى ولاياتها ومنها مصر الامتيازات الأجنبية حيث كان لممثلى بعض الدول الأجنبية سلطات الأشراف على رعاياهم وتشكيل محاكم قنصلية للفصل فى المنازعات بين أبناء الجاليات الأجنبية ثم عرفت مصر القضاء المختلط عندما يكون أحد أطراف الدعوى أجنبيا. وفى بعض الدول طبقت سلطات القناصل بشكل إقليمى حيث عرف التاريخ ما يسمى بالحي الدبلوماسىquartier diplomatique والحى الدبلوماسى الحديث هو حى تخصصه الدولة على أرضها لتجميع البعثات الدبلوماسية فيها ولكن الحى الدبلوماسى فى العصور الوسطى كان يعنى أن كل حى تسكنه طائفة من الأجانب تكون كيانا منفصلا لاسلطان للدولة المضيفة عليه.

 فالحالة التى نحن بصددها هى أن مصر دولة مستقلة ليست محتلة وذات سيادة قرارها بيد حكومتها وهى عضو فى المجتمع الدولى وتتعامل مع بقية أعضاء هذا المجتمع بأحكام القانون الدولى.

ومنذ أعوام قليلة بدأت بعض البعثات الدبلوماسية وبالذات الصين الشعبية وأسبانيا والدنمارك والنرويج وكلها فى حى الزمالك بالقاهرة فى بناء حائط أسمنتى ضخم التهم معظم الشارع العام وأدخل ما وراء الحائط إلى زمام السفارة ونقلت السفارة بابها من مكانه إلى السور الجديد. أما السفارات الأخرى مثل استراليا فإنها حرمت الناس من الاستفادة من الأرصفة، المجاورة للسفارة والمقابل له وقيل أن الأمن المصرى هو الذى فرض هذا الطوق تمكينا له من تأمين السفارة.

هذا الوضع هو احتلال دبلوماسى جديد فى بابه، أيا كان دافعه وفى ظنى أن هذا الوضع إخلال بسيادة مصر على أرضها لأنه تشكيك فى قدرتها على حماية هذه السفارات وكأن التهام الشارع سوف يوفر لها الأمان، بل أننى أظن أنه استخفاف بمصر وبحكومتها وبشعبها لأن حق هذه السفارات لا يتجاوز المبنى الذى تقيم فيه وما بعده ملك للدولة وحتى هذا المبنى وإن كان بنى على أرض ملك لهذه الدولة إلا أنه جزء من إقليم الدولة المصرية.

فهل تجرؤ مصر على أن تطالب بمعاملة بعثاتها فى دولهم بالمثل؟

ومادام تعطل مبدأ المعاملة بالمثل فهو أكبر مؤشر على انتقاص سيادة الدولة. والملاحظ أن هذا الوضع لم تجرؤ عليه بريطانيا وهى تحتل مصر بكاملها ولا الولايات المتحدة وهى فى قمة هيمنتها على الشؤون المصرية منذ أواخر حكم السادات.

وقد أشرت إلى هذا الوضع على الفيس بوك وطالبت وزير الخارجية والداخلية ورئيس مجلس النواب بتفسير لهذا الوضع الذى يؤلمنى ومررت به وهى لصيق بمنزلى، وأنا لا أصدق أن مصر قد وصلت إلى هذا المستوى من الضعف والهوان فى ظل شعارات سياسية وإعلامية بأن مصر صارت دولة عظمى. وبصرف النظر عن كل هذه التلميعات التى تنطلى على الجهال وحدهم، فإننى بدافع علمى ووطنى أريد تفسيرا واحدا معتدلا لهذا التصرف من جانب هذه الدول القليلة. ونحن نذكر أن بريطانيا والولايات المتحدة سبق أن استحوذت لسفاراتها على نصف حى جاردن سيتى وأن بعض المحامين الوطنيين رحمهم الله سبق أن رفعوا دعاوى أمام القضاء المصرى لكى يرفع الحرج والضرر عن السكان والمحال المجاورين لهذه السفارات، كما يرفع الحرج الوطنى عن مشاعر من يدركون هذه المعانى.

وبصراحة فإننى لست مقتنعا بأن هذه السفارات لجأت إلى الاستيلاء على شوارع الزمالك قصد تأمين نفسها من الإرهاب الذى لانراه إلا فى الخطاب الرسمى السياسى والعسكرى والإعلامى، كما أن الزمالك شبه جزيرة ويسهل تأمينها وللحق فهى مؤمنة تماما. فما بال إنشاء محطات للمترو الجديد فى قلب الشوارع التى تحوى عشرات السفارات. وإذا صدقنا الزعم بأن تأمين السفارات يقتضي ابتلاع الشوارع فهى إهانة للأمن والحكومة المصرية التى تقع عليها مسؤولية الأمن لهذه البعثات. بقى بعد ذلك الافتراض الآخر أن مصر فقدت استقلالها ونحن لا نشعر وسط الضوضاء والمباخر أو أنه استخفاف بمصر وبأهلها وتعاملها معاملة الدولة منقوصه السيادة على نمط ممارسات القرن التاسع عشر.

إننى  أشعر بالخجل وأنا أنتمى إلى أكبر دولة عربية ويحكم الأمن قبضته عليها وأرى هذه الممارسات فكيف ينظرون إلى أمثالنا ممن كانوا مسؤولين كبارا فى وزارة الخارجية المصرية؟

الأمل الوحيد ألا تكون هذه الأبعاد مائلة فى أذهان أصحاب القرار وأنا واثق أنهم سيصححون هذا الوضع الشاذ فنحن نفخر ببلدنا واستقلالها.

نائب وزير الخارجية المصري الاسبق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. “الاحتلال الدبلوماسي” اصطلاح جديد لفت نظري ولم أسمع به من قبل ، علماً بأني متخصص بالدراسات الدبلوماسية وأحمل شهادة دكتوراة في هذا التخصص من جامعة استراليا الوطنية ، لذا قرأت المقال باهتمام بالغ وتمعن ، وتعليقي عليه إذا سمح لي سعادة السفير أن العنوان مثير ولافت للنظر ولكن المشكلة تكمن في تقصير بلدية أو محافظة القاهرة في تطبيق قوانينها وأنظمتها على بعض السفارات التي تجاوزت حدودها واستعملت الأرصفة المحاذية لمبانيها تحت ذريعة الأمن وهو أمر يحدث في الكثير من البلدان التي تبالغ بعض الشيء في فهمها لما تتمتع به السفارات والهيئات الدبلوماسية الأخرى من حصانة ، علماً بأن اتفاقية فينا لعام ١٩٦١ تلزم الهيئات الدبلوماسية باحترام القوانين والأنظمة المرعية في البلد المضيف ، أخيراً أود القول أن التقصير في إلزام الهيئات الدبلوماسية باحترام قوانين البلد المضيف يقع أولاً وقبل كل شيء على وزارة خارجية البلد المضيف ، وفي حالة وجود ضرورة أمنية على وزارة الخارجية إيضاح ذلك للمتضررين الذين يمكن أن يلجؤوا إلى القضاء لحل مشكلتهم علماً بأن خصمهم في هذه الحالة ليست البعثة الدبلوماسية وإنما الجهة الحكومية أو البلدية التي سمحت للهيئة الدبلوماسية بالتجاوز على القوانين والأنظمة المرعية ،.ولابد طبعاً في كل الأحوال من النظر إلى مبدأ المعاملة بالمثل إضافة إلى مستوى وشكل العلاقة بين البلد المضيف والبلد المرسل للبعثة الدبلوماسية .

  2. السفير عبد الله الأشعل
    الهموم كثيرة، ونبحث في كل مقال هما واحدا، تحياتي وتقديري

  3. البرمجة الدبلوماسية
    تتقادم ويجب تحديثها في كل من لا يملك تلك الصفه. بالفطره

  4. طالما يشعر المصري العزيز على قلوبنا دائما وابدا بالضيق والاستفزاز عندما يرى مشاهد الاستكبار هذه، وطالما يلاحق الذين يؤجرون غرفة لتلكم السفارة (وكلنا نعرف ايها المقصودة)، ويشرد سفيرها شهورا يل سنين، فإني مطمئن، ﻷن هذا المصري مثل النهر الخالد، ينبوع يسقي الثوابت.

  5. ____ الإحتلال الفعلي هو ( علم إسرائيل ) المرفرف على ’’ سفارات ’’ العدو في عواصم دول التطبيع .. أما السفارات الأخرى فمن الطبيعي أن تكون ملكية دولتها أرضا و مبنا .. و لا يمكن أن تطبق عليها قانون الإيجارالقابل للتجديد مع دفتر شروط ! .. أما حكاية الشوارع و الأرصفة المؤممة حول السفارة .. فهذه حلويات الدولة المعتمدة فيها .. و خدمة مقدمة بلواشي ! مع ما لها من مسؤولية .
    .

  6. يتضايق معالي وزير الخارجية الاسبق الذي ينتمي الى اكبر دولة عربية سكاناً سكاناً من ضم رصيف شارع الى حرم سفارة ، لكن لا يضيقه : عدم قدرة الجيش المصري دخول ارض مصرية وهي ارض سيناء بناءاً على اوامر صهيونية حددت له ما يستطيع ادخاله وقسمت سيناء الى اقسام حددت وشرطت ما يمكن لمصر ان تدخل اليها من جنود واسلحة . اليست سيناء ارضكم يا معالي الوزير ؟ ربما لهذا فإن مصركم تحاصر اخوتنا واخوتكم اهل غزة الصمود خضوعا لاوامر صهيونية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here