الاحتفال بذكرى الكرامة وحفظ الكرامة

 

موسى العدوان

معركة الكرامة هي من المعارك الخالدة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وهي فخر للأردن وللقوات المسلحة الأردنية، التي حطمت أسطورة ” الجيش الذي لا يقهر “، كما كان يدعي قادة العدو. لقد وقعت هذه المعركة على أرض الكرامة بتاريخ 21 آذار 1968، بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة بأقل من سنة واحدة، لتثأر للكرامة العربية، وتعيد ثقة الجندي العربي بنفسه من جديد.

استمرت المعركة كما هو معروف لما يقارب ستة عشر ساعة متواصلة، أبدت بها القوات الأردنية مقاومة عنيفة وصبت حممها على القوات الغازية، وأوقعت بها خسائر كبيرة في المعدات والأرواح، ومنعتها من تحقيق أهدافها. وكانت أول مرة في التاريخ تطلب بها إسرائيل من الأمم المتحدة وقف إطلاق النار في معركة. إلا أن جلالة الملك حسين رحمه الله،  رفض تنفيذ الطلب طالما أن هناك جندي إسرائيلي واحد شرقي النهر.

 وبتاريخ 18 آذار 2018 رعى جلالة الملك عبد الله الثاني الاحتفال باليوبيل الذهبي لمرور خمسين عاما على معركة الكرامة العظيمة. والاحتفال بطبيعة الحال هو تكريم لمن صنعوا تلك الملحمة، وتذكير بالشهداء الأبرار، الذين فاضت أرواحهم الطاهرة إلى السماء، وسالت دماءهم الزكية لتعطر التراب في ساحة المعركة، كما عطرته على تراب فلسطين وأسوار القدس.

          لقد كان العنوان الكبير للمعركة التي تم الاحتفال بها ” الكرامة “، وهذا العنوان يفرض على منظميه المحافظة على كرامة كل من دُعي لحضور الاحتفال، وخاصة المحاربين القدامى، لا أن تخدش كرامة الكثيرين منهم كما حدث في ذاك اليوم.

شخصيا لم أحضر الاحتفال، لأنني لم أدعَ إليه من أي جهة رسمية ولا اطمح بذلك، لاسيما وأنني لم أتشرف بالمشاركة في تلك المعركة، حيث كنت في حينها مدربا في مدرسة المشاة، وقد ناب عني زملائي بتنفيذ المهمة على أحسن وجه. ولكن ما وصلني من إخبار عن سوء التنظيم والإدارة ممن أشرفوا على الاحتفال، أمر يدعو للحزن والأسف للأسباب التالية :

  1. تمت دعوة أعداد محدودة ممن شاركوا عمليا في المعركة، وتم تجاهل عدد كبير من كبار القادة، الذين كان لهم دور بارز في مجريات المعركة، وكذلك جرى لمن شارك بها من بقية الضباط والأفراد. في مثل هذه المناسبة وبعد نصف قرن على وقوعها، ألا يستحق كل من شارك بالمعركة ضباطا وأفرادا أن يدعوا لحضور الاحتفال بانجازهم ؟ كان من الممكن أن يدعوا ويخصص لهم سرادق خاص، تتوسطه منصة القائد الأعلى، ويسلم جلالته على كل واحد منهم، ثم يحظون بكلمة شكر على ما قدموه، وتعزية بزملائهم الشهداء عليهم الرحمة، وعدم الاكتفاء بقراءة الفاتحة واستعراض أسماء الشهداء حول نصب الجندي المجهول.

  1. ولو افترضنا أن متوسط أعمار من شاركوا بالمعركة في حينه كان 30 عاما، فمن بقي منهم على قيد الحياة هذه الأيام أصبح في خريف العمر، وستشكل دعوته واحترامه لمسة إنسانية وتقديرا له في أواخر عمره. وهنا أتساءل : لماذا لم يدعَ على سبيل المثال الرقيب عبد الفتاح المعايطه الملقب ببطل معركة الكرامة ؟ ولماذا لا يُدعَ أيضا الرقيب أبو جدعان بطل معركة تل الذخيرة في حرب 1967، وغيرهم من الأبطال الذين لا يتسع المجال لذكر أسمائهم ؟

  1. الرقيب عبد الفتاح المعايطه بعث برسالة عتاب مطولة من خلال موقع الحقيقة الدولية أقتطف منها ما يلي : ” استشهد زملائي بقربي وبقيت ملازما لهم، ولم أغادر أرض المعركة رغم إصابتي، وتنقلت من دبابة إلى أخرى  طالبا النصر أو الشهادة. لم نعرف الخوف أو الجبن دفاعا عن أردننا الحبيب . . . وقابلنا حينها الدبابة المتغطرسة ببندقية وأثبتنا أننا الأشجع والأقوى وأصحاب الإرادة والعزم والتصميم “.

ويضيف عبد الفتاح موجها خطابه إلى المسؤولين : ” أخاطبكم عندما كنتم طلبة مدارس وفرحين بتحقيق النصر الأول للعرب، وكانت سيرتنا على كل لسان. أخاطبكم وليس لي منّة عليكم بأنني ضحيت بنفسي وروحي، إلا أن الله لم يكتب لي أن أكون شهيدا على أرض الكرامة والصمود. هل أخاطبكم أم أخاطب الزمن كونكم والزمن تنكرتم لنا ولبطولاتنا، وها أنتم تحتفلون بالعيد الخمسين للنصر . . لنصر الكرامة . . وصناع الكرامة ينتظرون الموت على فراشهم لا من فوقهم ولا من تحتهم.

خمسون عاما لم أجد اليد الحانية تمتد لي وتكرّمني، أو توجه لي دعوة تحت اسم صناع الكرامة. أخجل كل عام من أولادي وأسرتي وأقاربي بأنني أصبحت منسيا، رغم سنوات مرت بعد المعركة. كنت أسرد تفاصيلها لأطفالي وأقاربي وضيوفي وكنت محط احترام وتقدير لدى الجميع. ولكني اليوم أصبحت وحيدا أعيش على الذكريات وعلى الأمل. وهل هناك أمل بعد خمسين عاما من الانتصار، لدعوة أو تكريم أو تعريف للجيل الجديد، لأرفع من خلالها معنوياتي بعد أن عجزت وتقدم العمر واختفى النظر؟ “.

  1. كانت بطاقات الدعوة قد وُجهت مكتوبة لبعض المتقاعدين العسكريين، ولكن دُعي البعض الآخر من خلال اتصال هاتفي. وعند محاولتهم الدخول إلى ساحة الاحتفال، سمح لمن يحمل البطاقة بالدخول، بينما مُنع الآخرون وعادوا على أعقابهم دون حضور الاحتفال. أعرف من بينهم ضابطا متقاعدا برتبة عميد، كان في تلك المعركة ضابط رصد للمدفعية على الكتار قرب المغطس برتبة نقيب. وقد صب نيران المدفعية على موقع التجسير، الذي أراد العدو إقامته على نهر الأردن لعبور آلياته إلى الضفة الشرقية. فدمر الموقع ومعداته وأفشل عملية العبور، وبقي محاصرا في الموقع ثلاثة أيام بعد انتهاء المعركة. وها هو اليوم يُحرم من حضور الاحتفال بالمعركة التي خاض غمارها.

  1. جرى التفتيش الأمني للمتقاعدين المدعوين يدويا وإلكترونيا، كما يٌفتش الأشخاص المسافرون من المطارات الدولية. فإن كان هؤلاء يشكلون خطرا وغير مؤتمنين في حضورهم الاحتفال، فكان من الأولى عدم دعوتهم من حيث المبدأ. وكل ما أخشاه أن يتم في احتفال السنوات القادمة استخدام الكلاب الأمنية، لتفتيش المحاربين القدامى قبل دخولهم لقاعة الاحتفال.

أعرف أن المحاربين القدامى في الدول المتقدمة، وفي احتفالات أعياد النصر أو أعياد الاستقلال، يرتدون ملابسهم العسكرية بالرتب التي كانوا يحملونها خلال الخدمة، ويجلسون في المنصة الرئيسية قرب رئيس الدولة بكل تقدير واحترام. وهذا تقليد قديم درجت عليه الجيوش العريقة، بعكس ما يجري في بعض دول العالم الثالث، التي تسيء لمتقاعديها العسكريين حتى في مثل هذه المناسبات.

 ولو طرحنا السؤال على من تم استثناؤهم من دعوة احتفال اليوبيل الذهبي قبل أيام، أو من عاد منهم من موقع الاحتفال على عقبيه، دو ن أن يظفر بكرسي تحت مظلة تقيه حر الشمس، أو يتناول شربة ماء تطفئ ظمأه، عن شعوره بعد هذا الموقف المحرج ؟ لعرفنا الحقيقة المرّة التي لا تسرّ أحدا.

يدّعون إعلاميا أن المتقاعدين هم الجيش الرديف للقوات المسلحة، فما هذا الرديف وأعضاؤه منسيون ولا يجدون التقدير والاحترام، ولا يسمح لهم حتى بالدخول إلى مؤسساتهم الأم ؟ كما لا يتم التواصل مع بعضهم عدا عن بعض الجماعات المحظية، التي يرضى عنها مسؤول حاقد أو فاقد الرؤية؟

إنني أشعر بالأسى نحو زملائي الذين يحجمون عن التعبير عما يختلج في نفوسهم، وهم من تقاسمت معهم الخطر والشقاء في عقود صعبة ماضية. كما أرثي لحالة العادات والتقاليد السامية، التي دأبت قواتنا المسلحة على إتباعها منذ تأسيسها.

في الختام ولكي لا يساء فهمي في هذا المقال، من قبل المتربصين والمنافقين، أو من يمتطون صهوة المسؤولية هذه الأيام، بأني انتظر الدعوة من جهة معينة، أو أنني أسعى للإساءة لهم  فهم واهمون. فأن أسعى لتقديم النصيحة وتصحيح الأخطاء البشرية قدر المستطاع في ذكرى يوم الكرامة. ولا أنتظر دعوة من أحد بل أسعى لمرضاة الله تعالى، والحفاظ على وطني آمنا مستقرا.

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. اية كرامة بعد وادي عربة واتفاقية الغاز؟؟؟طبعا نحن لا ننكر البطولات والتضحيات التي شهدتها معركة الكرامة ، فاصحابها على الرأس والعين وفي القلوب والوجدان وفي التاريخ الذي سطروا فيه انصع الصفحات واكثرها رجولة وحمية ووطنية سواء كانوا من شرقي النهر او من غربه. رحم الله منهم من قضى نحبه ، ومتع الباقين على قيد الحياة بالصحة والعافية وطول البقاء وحسن الخاتمة.

  2. أشكر جميع الأخوة المعلقين المحترمين لمرورهم الكريم على مقالي والإدلاء بأرائهم القيمة التي أثرت المقال. وأود أن أذكّر أخي سعيد ماهر المحترم، أنني لم أتحدث عن مجريات معركة الكرامة، بقدر ما كنت أنتقد الإجراءات الإدارية المخطوءة التي وقعت في دعوة المحاربين القدامى لذلك الاحتفال. وبالنسبة لإخوتنا الفدائيين فلا شك أنه كان لهم دور هام وشاركوا في القتال بالالتحام مع القوات الخاصة الإسرائيلية التي هبطت شرقي الكرامة بصورة شرسة وقدموا الشهداء الذين ندعو لهم ولجميع الشهداء بلرحمة والثواب من الله نعالى. أما صديقي المغترب الأكرم والذي افتقدنا حضوره منذ فترة طويلة، فله مني كل التقدير والاحترام على عباراته التي تلامس شغاف القلب، واعتبرها وساما على صدري أعتز به، متمنيا له دوام الصحةوالسعادة.

  3. سابح في بحور من الظلمات, اسم ينطبق على تعليقك، هل تعتقد ان ادائنا في معركة الكرامه والانتصار المزيف منع اسرائيل من الوصول الى المفرق؟ مشوارنا طويل.

  4. الذي أشرف على الاحتفال بذكرى معركه الكرامه أفقدها ذكراها الخالدة بقصد فلهذا أصبح الاحتفال ذكراها كما جري .

  5. تحية لابطال الجيش الاردني في معركة الكرامة… كنا نتمنى على الكاتب ان يتطرق للفدائيين الفلسطينيين الذين استبسلوا مع الجيش الاردني قي معركة الكرامة… لكنه للاسف لم يذكر ذلك نهائيا مع ان هدف المعركة كان القضاء على الفدائيين وحركة فتح…. استغرب من الكاتب كيف يلوم المنظمين لاحياء ذكرى الكرامة لاستبعادهم بعض ابطالها … بينما هو لا يتطرق نهائيا ويبتعد عن ذكر اهم من شاركوا فيها وحققوا فيها النصر!!

  6. .
    أخي وسيدي ضمير الوطن موسى باشا ،
    .
    — اكتب بعد ان مسحت دمعه عن خدي وانا اقرأ ما كتبت ووددت ان تبتلعني الارض ولا نصل ليوم نرى فيه حماه جباهنا لا يعاملون بما يليق بهم .
    .
    — انه زمن الاستعراض وزمن الصغار الذين تذلهم انفه الكبار فيتجنبون لقائهم امام الناس لان اعينهم ستفضح تقصا دفينا يتملكهم امام الكبار و لن يتخطوه مهما وصلوا من مراتب ونفوذ ومال .
    .
    .
    .

  7. يا باشا انت عارف تاريخ الكرامه وعارف ان الخنث بالامانه والتضحيه بجنود الجيش الاردني يوم معركة الكرامه تم بالتنسيق مع القياده العليا للجيش الاردني بالسماح للجيش الاسرائيلي بالدخول للقضاء على خلايا فدائيه في قرية الكرامه ولكن لولا بعض الجنود الشرفاء لكملت الخطه بدون خسائر اسرائيليه. نحن نعيش ونتلو الكذبه سنه بعب سنه بدون خجل ونتظاهر بانها كانت انتصار لجيشنا الاردني. نحن اولاد وزملاء من بنوا الجيش الاردني وناسف على استمرار الخيانه والكذبه وفحوى مقالتك ادركناه من عقود مع احترامي لشخصك وسجلك في الدفاع عن من خدم الجيش الاردني بشرف.

  8. التقدير الحقيقي للذين قاتلوا وصمدوا ليس من عند البشر بل هو من عند الله سبحانه وتعالى, فلولا صمود هؤلاء الذين ذكرت في يوم الكرامة لكانت لكن الآن يجري التفاوض على المفرق هل هي اردنية أم اسرائيلية. بوركت الأيادي التي صمدت وقاتلت وانتصرت ورحم الله الشهداء ورحم الله البطل مشهور حديثة الجازي قائد الجيش في نلك الأيام والذي مات هو الآخر منسيا.

  9. صحيفة راي اليوم قبلة المثقفين العرب من الاركان الاربعة على اختلاف مناهلهم ومناهجهم .لا غرابة ولا عجب لان ربانها والقابض على دفة قيادةتها العروبي الجسور والصوت الطهور عبد الباري عطوان الذي يدور مع الحق العربي اينما يدور.لا يختلف اثنان ان عبد الباري قامة اعلامية باسقة لا تطاولها هذه الايام قامة بعد ان تساقطت الاسماء كاعجاز نخل ناخرة خاوية و انحدرت هذه المهنة المقدسة للحضيض حتى اصبحت تجارة للمتكسبين ومطية للباحثين عن الذهب…. في هذا السياق لا بد من القول بامانة وشهادة خالصة لوجه الحقيقة ان عطوفة موسى العدوان يشكل اضافة نوعية لهذه الصحيفة المميزة / منبر العرب،اذ ان العدوان بتاريخه الطويل وثقافته الشاملة يجمع بين جاذبية الموضوع وشحنة الصدقية العالية في تناول المواضيع غير المألوفه والمسكوت عنها . شخصياً كاحد ابناء المهنة اراهن على هذا الفارس الاردني المغوار قائلاً على طريقة عبد الباري عطوان ” الايام بيننا “

  10. ليوم اتنقل النظام السياسي من مرحلة استبعاد الاردنيين من المشاركة في اتخاذ القرار الى مرحلة افقارهم وتجويعهم عبر سلسلة سياسات ممنهجة الى مرحلة جديدة عنوانها اذلال الاردنيين في مناسباتهم الوطنية وما حدث في مناسبة الكرامة خير برهان . من المُثير للاستغراب أن الدولة التي تأسست منذ العشرينات لم تستطيع حتى اليوم الاستغناء عن خدمات غير الأردنيين في المناصب العليا والمراكز الحساسة في الدولة. إن استمرار هذه السياسة يظهر النظام السياسي وكافة غير قادر على الاستغناء عن هذه الفئات، وهذا النهج كان دوماً من أسباب التوتر في البلاد منذ تأسيسها حتى اليوم. تحياتي لك يا باشا

  11. سبعكو يالعوازم يارخوين المحازم
    ان شرقتو شرارات وان غربتو عوازم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here