الإنعطافات الجيوستراتيجية الدولية الراهنة والانتخابات الرئاسية الجزائرية

أ.د عبدالله راقدي

تعيش الجزائر في الآونة الأخيرة على وقع نقاشات وتجاذبات حادة  ذات صلة باستحقاقات الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في أفريل 2019. ويتزامن هذا مع حصول تغيرات في السياسات الجيوستراتيجية للولايات المتحدة، ودخول فرنسا في أزمة داخلية عميقة جراء إضراب السترات الصفراء. وهي تغيرات يمكن أن يكون لها تأثير في الاستحقاقات الرئاسية القادمة.  فهل يستوعب ويستغل الجزائريون مثل هذه الظروف التي أراها مناسبة من أجل هندسة تسوية انتخابية تساهم في تعزيز وترسيخ مكانة الدولة الجزائرية وتحقق  تطلعات الأجيال القادمة؟ وقبل ذلك  حري بنا أن نسأل عن طبيعة التغيرات الجيوستراتيجية الدولية المستجدة؟

تغيرات جيوستراتيجية دولية غير قارة

تشهد السياسة الدولية في السنوات الأخيرة تقلبات متسارعة تشي باتجاه  العالم نحو وضع مختلف عن الذي عاشه العالم منذ أكثر من ربع قرن. من ذلك، عودة روسا إلى الساحة الدولية، وبروز مساعي إخراج أو خروج  الصين من طابعها السلمي. علاوة على تغيير الولايات المتحدة الأمريكية لسياستها بمبدأ إدارة الرئيس دونالد ترامب “أمريكا أولا”. فوفقا لهذا المبدأ، شرعت إدارة ترامب في تنفيذ سياستها القائمة على حماية مصالح أمريكا بأقل التكاليف، ورفض أي دور لها في العالم دون مقابل  مادي حتى وإن  تعلق الأمر  بمنظمات دولية. ففي هذا السياق، أوردت جريدة نيويورك تايمز الصادرة بتاريخ 4/12/2018  مقتطفات من خطاب وزير الخارجية  الأمريكي  مايك بومبيو في بروكسل، انتقد فيه منظمة الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وتبعا لهذا المبدأ، دخلت أمريكا في أكثر من نزاع تجاري مع الصين بهدف تعديل الميزان التجاري، وفرضت تعريفات جمركية جديدة على السيارات المستوردة من الإتحاد الأوروبي.

        ووفقا لهذه السياسة الجديدة، تأكد لنا  أيضا أن مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية المستخدمة كحصان طروادة من قبل الإدارات الأمريكية السابقة وحلفائها في الغرب للابتزاز والتدخل وإعلان الحروب على أكثر من بلد لم تعد تحظى  بالأولوية لأن تجربة ربع قرن كانت مكلفة جدا (تنامي ظاهرة الهجرة واللاجئين نحو هذه البلدان،  وبروز مخاطر أمنية جديدة). ولعل أفضل مثال على ذلك سعي إدارة ترامب لإبعاد تهمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي على ولي العهد محمد بن سلمان. ويأتي الإعلان بالانسحاب من سوريا لأن المقابل هزيل أو بتعبير ترامب ” سوريا موت ورمل”. أراد ترامب القول، فليذهب السوريون ومعارضتهم وعربهم الداعمين لهم إلى الجحيم ما دامت  سوريا لا تنتج بترول أو غاز.

      وبالموازاة مع التغيير الطارئ على سياسة أمريكا، تعيش فرنسا قاطرة الإتحاد الأوروبي أزمة مزدوجة، فعلى مستوى الإتحاد الأوروبي تواجه تداعيات انسحاب بريطانيا من الإتحاد وصعود اليمين المتشدد والحركات الشعوبية الداعية إلى العودة إلى نظام الدولة القومية، ومن جانب آخر تواجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون أزمة حادة بسبب إضراب السترات الصفراء  منذ  17 نوفمبر الماضي التي تطالب بإلغاء الرسوم على الوقود. ويبدو أن أزمة فرنسا أكثر من عميقة، لأنها تشي برفض فرنسا الأنوار وحقوق الإنسان مهد المشروع الليبرالي التحرري، فحتى وإن قبلت برئاسة ماكرون  المدعوم من قبل قوى العولمة الأطلسية، فإنها لن تقبل بنقل أسلوب الحياة الاقتصادي الأمريكي المتوحش إلى المجتمع الفرنسي. وعليه يبدو لي أن هذه الأوضاع ستلقي بظلالها على مكانة ودور فرنسا في المناطق التي اعتادت ممارسة تأثيرها فيه على غرار منطقة شمال إفريقيا لاسيما الجزائر. تبعا لذلك هل تستغل النخبة الحاكمة فرصة الانكفاء العالمي الحالي لتعيد عبر الانتخابات تعزيز مكانة دولة جزائرية متجددة متوجهة نحو المستقبل؟

 الانتخابات الرئاسية بين دعاة الاستمرار والقطيعة

           تعيش الجزائر منذ فترة وهي تتحضر للانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في أفريل 2019 على وقع صراعات وتجاذبات أحيانا خافتة وتارة علنية بين أكثر من تيار وعصبة. ومرد ذلك في تقديري أن الجميع يرى في الانتخابات وسيلة حاسمة لإعادة ترتيب وضبط المنطلقات والأهداف والانطلاق نحو المستقبل. ورغم تعدد وتنوع هذه   الأطراف، يمكن حصرها في تياران أساسيان:

– تيار يجمع أساسا أحزاب التحالف الرئاسي الأساسية (حزب جبهة التحرير الوطني، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، حزب أمل، والحركة الشعبية الجزائرية)، علاوة على بعض النقابات والجمعيات وهي جميعها تطالب بالتمديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أو دعمه من أجل الترشح لعهدة خامسة. ومرد ذلك بحسبهم الاستمرار في الإصلاحات التي بوشرت من قبله منذ توليه الحكم عام 1999. فضلا على محافظته على الآمن والاستقرار  في محيط إقليمي ملتهب.

– مقابل هذا التيار، تنشط بعض الأحزاب على غرار حزب طلائع الحريات( يرأسه علىي بن فليس رئيس حكومة سابق) وجيل جديد،  وجبهة المستقبل فضلا عن منظمات وحركات أخرى في اتجاه يدعو لاحترام الدستور بما يسمح بإجراء الانتخابات في آجالها وفي إطار من الشفافية والنزاهة .

     وبين هذين التيارين يقبع التيار الإسلامي ( حركة مجتمع السلم أساسا) في وضعية لا يحسد عليها. على اعتبار أن جل حساباته أعادته لنقطة البداية. رغم مشاركته منذ بداية تولي الرئيس بوتفليقة في التحالف الرئاسي، إلا أنه انسحب منه عقب تولي مقري رئاسة الحزب وانظم للمعارضة، ثم ما لبث وأن انسحب من تكتل المعارضة. وفي الآونة الأخيرة وبسبب الغموض الذي اكتنف إجراء  الإنتخابات لاسيما من عدمها فضلا على مسألة هل يترشح الرئيس أم لا، مع وجود كلام حول إمكانية التمديد له،  قدمت حركة مجتمع السلم مقترح “التوافق الوطني” رأت فيه الأفضل في  إنقاذ البلاد لأنه يسمح بتأجيل الانتخابات إلى حين توفير الشروط الضرورية لإنضاج  حل، وتبقى في كل ذلك مؤسسة الجيش الضامنة لتلك العملية.  فهل يقبل الجيش بدور ما له في هذه الانتخابات؟

         الجيش مخاطبا السياسيين: استوعبنا الدرس؟

    أثار مقال الجنرال المتقاعد علي غديري في يومية الوطن الصادرة بتاريخ22/11/2018 المعنون  “رسالة إلى حكمائنا”،  وهو عبارة عن نداء لقيادة الجيش يترجاه باتخاذ موقف مما يحصل في البلد ومن ثم التدخل لإنقاذ الدولة من الإنهيار والتفكك قبل فوات الأوان بحسبه. غير أن مؤسسة الجيش لم تستسغ مثل هذه الدعوات فردت ببيان بتاريخ 30 ديسمبر 2018 موجه ل”بعض العسكريين المتقاعدين” ترفض التدخل في العملية السياسية، وفهم على أنه موجه ضد الجنرال المتقاعد غديري، ومما جاء فيه ” ليس من حق هؤلاء أن يسدوا الدروس لمؤسسة الجيش.”

     تلقى التيار المساند لترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة بيان مؤسسة الجيش بشيء من الارتياح كونه انتصر له وكرس حيادية الجيش.  أما التيار الداعي بتدخل الجيش فقد تلقى هذا البيان بنوع من الحيرة والصمت. وأحسب  بماهو معلن أن موقف الجيش الأخير  أستند إلى أمران:

  – أولا: الالتزام بالدستوري الذي يحدد بدقة صلاحية مؤسسة الجيش.

-ثانيا:  استيعاب الجيش لدروس تجارب المؤسسة في المراحل السابقة لاسيما فترة  العشرية السوداء،  إذ وبسبب أخطاء إصلاحات سياسية متسرعة ( فيفري 1989)، وفوز حزب إسلامي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)  شكل تهديدا لقيم وأركان الجمهورية، طلبت بعض الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني عبر لجنة “نقاذ الجزائر” الجيش بالتدخل وإنقاذ الدولة من الانهيار. لقد كان لهم ذلك، لكن ماهي التكلفة والتداعيات؟ فضلا على أكثر من مئة ألف قتيل ودمار وخراب، تحملت قيادة الجيش تبعات التدخل لوحدها، من ذلك رفع دعاوي لدى محاكم (ورثة الإمبراطورية الرومانية فرنسا سويسرا) لإدانة رموز هذه المؤسسة على غرار وزير الدفاع الجنرال خالد نزار منقذ الجمهورية. وهي مبررات أرى أنها كافية للقول أن القيادة العسكرية وأركانها حفظت الدرس وتدرك في هذه المرحلة أن أي تدخل من شأنه أن يوظف ضدها في مرحلة من المراحل.

                وأنتهي إلى القول أن مهمة النخب الحاكمة أسهل قياسا بما واجهته الجزائر في العشرية السوداء، أو في بداية تولي  بوتفليقة الحكم بشرط إذا استوعبت جيدا أن قوة تأثير العامل الخارجي قد خفت أو تراجعت بما يسمح بالمزيد من هامش مناورة كبير في بلورة خريطة طريق انتخابية أفضل. فإدارة ترامب مهتمة بالداخل الأمريكي وبحديقتها الخلفية (المكسيك)، في حين تجد فرنسا اليوم نفسها في مواجهة أزمة داخلية عميقة. مقابل ذلك فإن أي إخفاق في فهم هذا الوضع الدولي والوضع الداخلي  الحائر سيجعل الانتخابات الرئاسية تحت ضغط خارجي أكثره متخيل غير واقعي ومستقبل دولة الشهداء في خطر.

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة .1 الجزائر

E-mail: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. الله يحفظ البلاد و العباد. فرنسا تبحث عن مصالحها و فقط و كدلك أمريكا. آن الأوان أن تسعى الجزائر كدولة لمصلحتها و فقط. أمنيتي أن يترأس الجزائر شخص من جيل الإستقلال.

  2. اتمنى ان تستفيق الخلايا النائمة وتمسك بزمام الامور من اجل مستقبل افضل

  3. الآن أصبح خالد نزار منقذ الجمهورية قمة الموضوعية والطرح العلمي

  4. اعتذر للقراء الكرام, ورد خطا اسم حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية ضمن الاحزاب الداعمة لعهدة خامسة لرئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة, والاصح هو حزب التجمع الوطني الديموقراطي RND ا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here