الإنسانيّون الجُدد: أنسنة الإحتلال

bashar-zeidan22

بشار زيدان

يُقال فيما يُقال، بأن المعجزات لا تُعاد، وأن الأبطال يُصنعون ولا يُولدون، وقد تكون هذه المقولات صحيحة في جميع أنحاء العالم، باستثناء بقعة صغيرة تستلقي على كتف المتوسط، تطوقها أشجار البرتقال والزيتون، ويمسح قدميها البحر الأحمر، بقعة صغيرة إاتمنها الرّب على حفظ جميع دياناته، وكرّم رُسله بأن يُخلقوا أو يحتموا أو يسلكوا الطريق للسماء عبرها..

ولربّما وقع اختيار الرّب على هذه البلد لأسباب تتعلق بشعبها، ولعلمه بأن شعباً كهذا الشعب لن يُفرّط بتلك الأمانة، ولن يتوانى عن استعمال سكاكين المطبخ وعوادم السيارات وكل ما تصل له يداه لحماية هبة السماء له..

لطالما كانت بطولات هذا الشعب المنكوب -الذي لم تتم استشارته قبل إلقاء هذا الحمل الثقيل على أكتافه-، مضرباً للأمثال في الصمود والمقاومة والنضال والإلتزام الثوري، وإلهاماً لكثير من العرب والإجانب للمشاركة في المقاومة المسلحة الفلسطينية، التي شكّلت نواة ولبنة أساسية في تشكُّل حركات مقاومة وتحرّر إقليمية.

وفي معظم فترات التاريخ الحديث، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، مع بعض الإستثنائات التي لم تحظ بفرصة لتصبح قاعدة، كان الموقف الرسمي العربي متواطئاً مع الإحتلال، ومباركاً له، مع توفير الكثير من التسهيلات للظلم والقمع الممنهج للشعب الفلسطيني، سواء من العدو الإسرائيلي، أو من أدواته وعملائه المنشرة في المنطقة.

لكن الملفت للنظر في الأعوام القليلة الماضية كان التحوّل الشعبي الجزئي في الموقف من القضية الفلسطينية، تحول يتناغم مع الموقف الرسمي ويتخطاه تطرفاً في بعض الأحيان، لنجد أنفسنا أمام موقف هجين ومشوّه لا نستطيع التعاطي معه طبيعياً، حيث يضطر المرء لتفسير الأساسيات وتبرير البديهيات وإثبات المُسلّمات، والدخول في نقاشات فلسفية بيزنطية لا تخدم القضية ولا حتى أطراف الحوار.

قبل عدة أيام قام شابان مقدسيان يتحدران من سفح جبل المكبّر باقتحام كنيسٍ يهودي ومهاجمة مجموعة من متشدّدي اليمين الإسرائيلي بالسكاكين والسواطير، موقعين بينهم خمسة قتلى وعدداً من الجرحى قبل أن ترتفع أرواحما عالياً لتعطير السماء بعبق الورد المقدسي..

وتقريباً في نفس اللحظة، تعالت أصوات عربية مشبوهة أو مُغيّبة أو ببساطة جاهلة، بالتنديد بهذه العملية البطولية، في توظيف خبيث وسخيف لحقوق الإنسان أو حرمة أماكن العبادة، توظيفاً إن دل على شيئ فعلى سطحية صاحبه وجهله أو تجاهله للعديد من الأساسيات البديهية التي ينطوي عليها هذا الصراع.

مثلاً، يتناسى أو يتجاهل هؤلاء “الإنسانيون الجدد” بأن “إسرائيل” التي يدافعون عن مواطنيها قصفت أكثر من ١٦١ مسجداً في غزّة فقط خلال العدوان الأخير، في انتهاك فاضح وواضح ومُتعمّد لأبسط قواعد الحرب، وانتهكت حرمة المسجد الأقصى آلاف المرات، وأحرقته قبل ذلك دون أن تهتز شعرة في لحية رجل دين واحد من مفتي السلاطين، أو من حكومات دول الإعتلال العربية.

ويتناسى نفسهم دخول المعتوه باروخ جولدشتاين على الحرم الإبراهيمي خلال صلاة الفجر، وارتكابه مجزرة يندى لها الجبين، هذا باروخ القادم من مانهاتن أصبح قبره بعدما نفق بعد عدة سنوات من ارتكابه تلك المجزرة، مزاراً للمتدينين المتشددين اليهود للصلاة والتبرّك، ولا أستبعد أن يكون هؤلاء الذين يستنكر الإنسانيون الجدد مهاجمتهم، من روّاد ذلك القبر.

ثم يطلع لنا صوت ليستنكر على المقاومين استهداف “المدنيين”، متناسياً أو متجاهلاً كون دولة الكيان دولة عسكرية، التجنيد الإجباري فيها يشمل كل المواطنين، ذكوراً وإناثاً، بكل الفئات العمرية، في حقيقة جليّة لا تحتاج لمعجم طبقي لتفسيرها، وهي بأن كل مواطني هذا الكيان المسخ إمّا جنود يخدمون حالياً في الجيش، أو مشروع جنود ينتظر إتمامهم السن القانوني للتجنيد، أو جنود متقاعدون سبق وأدوا واجبهم الإجرامي في قتل وإرهاب واحتلال فلسطين ودول الطوق العربي حولها، تماماً كما الحالة التي نناقشها اليوم.

المشكلة التي يعاني منها الشارع العربي حالياً هي مشكلة وعي، ومشكلة تعليم مشوّه، وإعلام مشبوه، وتشرّب غير مُفلتر لمعتقدات وتفاسير غربية لحقوق الإنسان مبنية على اعتبارنا غير جديرين بتلك الحقوق أصلاً.

وبسبب ثقافة الفيسبوك والتويتر الطارئة علينا، أصبح من سجّل إعجابه بأربع أو خمس صفحات للأمم المتحدة واليونيسكو وربّما منظمة العفو الدولية، خبيراً حقوقياً، وجهبذاً قانونياً، فأمسى يُنظّر علينا ليلاً ونهاراً بهذه المفاهيم التي لا يفقه من أساسيات وشروط تحققها بنداً واحداً، فنفس هذا المثقف الإلكتروني لا يستطيع بنظرته النقدية الثاقبة رؤية التجاوزات والإنتهاكات اليومية الصارخة لهذه الحقوق على يد الدولة التي يدافع عن مواطنيها، أو حتى انتهاكات الدولة التي يحمل جنسيتها لحقوقه هو، لكن ممارسته لهذا الترف الأخلاقي تعطيه شعوراً كافياً بالرضى عن نفسه!

هذا الذي يدافع عن حرمة معبد، ألا يعلم بأن الكنيس الذي تمت مهاجمته في القدس مبني على أنقاض قرية “دير ياسين” التي ارتكبت فيها عصابات آرجون وشتيرن الصهيونية مجزرة راح ضحيتها أكثر من ٣٠٠ مدني فلسطيني؟

ألا يستطيع عقله “المنفتح” أن يفهم بأنه إن كان أساس المعادلة خاطئاً، فكل النتائج الناتجة تعتبر باطلة حكماً في أبسط قواعد المنطق؟

ألا يعلم هذا وهذه الإنسانيون رقيقو القلب بأن من ضمن المستهدفين بالهجوم كان الحاخام والد “حاييم ديڤيد”، الذي اختطف وعذّب وحرق جسد محمد أبو خضير حيّا؟

ألا يفهم وزراء ومسؤولو الدول العربية الذين وُلد معظمهم متقلدين لتلك المناصب، لا بجدارة أو بفهم أو باختيار شعبي وديمقراطي، بل بحكم شجرة العائلة التي قّدر لها بجهل وخنوع شعوبها أن تحكم البلاد جيلاً بعد جيل، ألا يفهمون بأن التزلّف لإسرائيل عبر تبنّي وجهة نظرها، رسمياً أو عبر صفحاتهم على مواقع التواصل لن يجعلها تحترمهم أو تقدّر مواقفهم أو تقلع عن اعتبارهم وشعوبهم خدماً “لشعب الله المختار”؟

ألا يفهم كل هؤلاء بأن ما يقولونه ويفعلونه هو محاولات فاشلة لأنسنة الإحتلال؟ ومحاولات خبيثة ودنيئة لتشويه مبادئ وأساسيات الجيل بأكمله؟

محاولات تطبيق قواعد وأساسيات حقوق الإنسان وحريات العبادة والتنقل والعمل وتعميمها بدون الإلتفات لخصوصية القضية الفلسطينية ما هو إلا خدمات مجانية للإحتلال، وترف أخلاقي لا نملك أن نمارسه، فدولة كدولة الكيان الصهيوني، قامت على أشلاء الفلسطينيين والعرب، ولم تألُ جهداً في يوم واحد منذ تأسيسها في نزع صفة الإنسان عن الفلسطينيين، عبر قتلهم وضربهم وحبسهم وتهجيرهم وحرمانهم من أبسط الحقوق كالماء والطعام والمسكن والتعليم والصحة.

ولم تتورع يوماً عن ارتكاب المجازر الجماعية والتطهير العرقي، ومصادرة الأراضي، وتجريف الأراضي الزراعية، وإغلاق المعابر، وبناء الجدار العازل والكانتونات الإستيطانية، واحتلال مستمر لأراضي دول عربية، فكيف يستقيم لهؤلاء الإنسانيون الجدد إضفاء صفة الإنسانية على مواطني هذه الدولة الذين هم نفسهم من يمارس كل ما ذكرنا أعلاه؟

الإنسانية مفهوم رائع، ولا أعتقد بأن أحداً عاقلاً لا يتفق مع القول بأن لجميع سكان كوكب الأرض الحق بالتمتع بحقوق الإنسان الأساسية، والشعب الفلسطيني خاصة ضرب الأمثال في شمال وجنوب وشرق وغرب المعمورة في إثبات جدارته بحياة حرة وكريمة كسائر شعوب الأرض، لكن أن يطالب هؤلاء الإنسانيون الجدد الشعب الفلسطيني بمعاملة محتلّه الذي يسلبه ذات الحقوق بإنسانية، ما هو إلا ضرب من الجنون والخيانة والتخاذل والتهرب من المسؤولية. والتحدث عن حقوق المدنيين في دولة قائمة على أنقاض دولة أخرى ومطالبة أهل البلد الأصليين باحترام هذه الحقوق هو آخر ما توصل له هذا العقل العربي المثقوب.

الشعب الفلسطيني هو أكثر شعوب العالم فهماً لهذه المبادئ الإنسانية، لسبب بسيط هو أنه يعاني من حرمانه منها، ويفهم جيداً بأن معركة الوجود التي يخوضوها تزداد صعوبة يوماً بعد يوم بسبب غسيل الدماغ الذي تمارسه الماكينات الإعلامية العربية والغربية لمواطني الوطن العربي، وجعل هذا الإنسان نفسه عدواً لأخيه الإنسان القابع تحت نير الإحتلال، ويعلم جيداً بأن المعركة ليست فقط مع المحتل، وليست فقط عسكرية.

كل ما يطالب الفلسطينيون العالم عامة والعرب خاصة، هو أنهم إن لم يكونوا معنا، فلا يكونوا ضدنا، وإن لم يريدوا مساعدتنا، أقله ألّا يساعدوا المحتل، وإن استنكروا علينا المقاومة، فليستنكروا المجازر المرتكبة بحقنا، وإن خرجوا نصرة لكنيس، فلينتصروا للأقصى ذلك أولى لهم.

في عالم دموي ومجنون كعالمنا العربي، يُطلب من الضحية السمو الأخلاقي، وإدارة الخد الآخر، ويتوقع العالم من الفلسطينيين تحرير بلادهم من أكثر جيوش العالم دموية ولاأخلاقية عبر قرع الطناجر وإضاءة الشموع، وإذا شق بطل فلسطيني خط التنازلات العربية، أصبح مجرماً ولاإنسانياً لأنه دافع عن نفسه من الذئب الذي ينهش لحمه، وأضحى المحتل بريئاً وصاحب الأرض وحشاً..

قبل المئات من السنين نظم المتنبي قصيدة، أقتبس منها بيتين وكأنهما قيلا ليوم قاتم مختل كهذا:

لا يَخْدَعَنّكَ مِنْ عَدُوٍّ دَمْعُهُ           وَارْحَمْ شَبابَكَ من عَدُوٍّ تَرْحَمُ

لا يَسلَمُ الشّرَفُ الرّفيعُ منَ الأذى  حتى يُرَاقَ عَلى جَوَانِبِهِ الدّمُ

فيا شعبي الجبّار، افعل ما أنت فاعل، وقاوم كما علّمنا التاريخ، فالتاريخ لا يحب المستسلمين، ولا تلتفت لحزن عدوك، ففي حزنه فرحنا، وفي آلامه راحتنا، وفي دموعه زغاريدنا، وفي موته حياتنا..

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. معين الدمع لن يبقى معينا… فمن أي المصائب تدمعينا
    زمانٌ هون الأحرار منا…. فديت وحكم الأنذال فينا

  2. تجميل اﻻحتلال … الغرب الصليبي اﻻستعماري يحاول جاهدا تجميل “القبيحة” إسرائيل بشتى الطرق طوال هذه السنين! فمرة يزينوها “بمكياج” الديمقراطية الوحيدة في الشرق أﻻوسط ، ومرة أخرى إن هذه القبيحة عمرت الصحراء المغتصة من الغير! الغرب البغيض زرع هذة القبيحة “إسرائيل” نكاية في المسلمين وحقداً من عند أنفسهم! والمثل الشعبي يقول: “القرد في عين أمه غزال” نعم … أليس منهم القردة والخنازير ، خسيئوا بظلمهم وقتلهم اﻻنبياء بغير حق! أﻻ لعنة الله على الكافرين! ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت اقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين. آمين

  3. أزدنا يا ابن زيدان،
    حددت وخصصت وصدقت فأحسنت.
    ولا أزيد عليك، فلك كل الحترام.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here