الإمبريالية الصهيو-أمريكية سبب توالي الأزمات المالية و الوبائية، و”فيروس كورونا المستجد” لا يخرج عن هذه القاعدة

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال ” التضخيم الاعلامي لفيروس “كورونا” مبالغ فيه، ولا ينسجم مع المعطيات العلمية  ..” أن التضخيم الإعلامي للوباء لا ينسجم مع المعطيات التي تفرزها المختبرات العلمية و حالات المصابين الذين تم شفاؤهم من المرض، و تبين أن الفيروس إلى حدود الساعة ضحاياه أقل بكثير من ضحايا الأنفلونزا العادية، وضحايا الأمراض الأخرى كالسرطان و الضغط و السكري، بل أقل بكثير من ضحايا حوادث السير التي تحصد في المتوسط قتيل كل 24 ثانية، وسنويا يموت حوالي 3.1 ملايين طفل بسبب الجوع تبعا لإحصائيات برنامج الغداء العالمي، و عدد القتلى و الجرحى في المنطقة العربية و الإسلامية تجاوز سقف الملايين، و مشاهد اللاجئين السوريين على الحدود اليونانية تدمي القلوب، وتبعا لهذه المعطيات المؤلمة، كان سؤالنا لماذا لم يصب المسلمين بحالة من الهلع من عدد الضحايا و النازحين و المشردين، و دمار بلدان بأكملها و إرجاعها إلى ماقبل العصر الحجري؟؟ و لماذا المسلمين لم يصابوا بنفس حالة الهلع عند تدمير اليمن، و قصف غزة وحصارها ، و الجهود الجارية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، و محاولة تصفية القضية الفلسطينة و التنازل الأبدي عن القدس؟

وطرحنا لهذه الأسئلة لا يعني بالضرورة تهوين الخطر، و إنما هو دعوة إلى التعقل و إعادة النظر في سلوكياتنا الفردية و الجماعية، فالصين واجهت الأزمة بنجاح و هي بلد المليار و نصف مليون نسمة و ثاني قوة اقتصادية، و فعلا الصين مستهدفة من قبل أمريكا فهناك حرب باردة بين البلدين، و الخطر الصيني تم الحديث باستفاضة من قبل مراكز أبحاث و مخازن الأفكار في أمريكا منذ نحو ثلاث عقود..لكن نجاح الصين في استغلال فرص العولمة و أخذها بالمبدأ الإسلامي:”وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، قوى موقف الصين في مواجهة القوة الصلبة الأمريكية، وأصبحت البدائل المتاحة أمام أمريكا محاصرة الصين إقتصاديا و العمل على فرملة نموها الاقتصادي و توسعها العالمي عبر وسائل و أدوات خفية…و المخاوف الأمريكية أصبحت واقعا فتوقف عجلة الإنتاج في الصين أصاب العالم بحالة من الشلل ..

و السؤال الذي على كافة المسلمين طرحه: ما الذي سيحدث لو أن مجموع البلاد العربية و الاسلامية عزلت نفسها عن العالم، هل سيشعر العالم بأي تغيير في سلوكه الاقتصادي و التجاري و الثقافي و المعاشي؟ بل إننا اليوم نتجه بأنظارنا إلى البلدان المتقدمة، و الأمل يراود الشعوب و الحكومات العربية و الإسلامية بأن تنجح البلاد المتقدمة في الكشف عن علاج لفيروس كورونا يضع حدا للخوف و الهلع الذي إستوطن الكثير من الافراد و الجماعات و الحكومات، و هو خوف و هلع غير مبرر و غير مدروس.. و أداة التغلب عليه هو الفهم و التعقل، و إعادة النظر في أسلوب معيشتنا كأفراد و أمم، و ضرورة العمل على الخروج من حالة السلبية والغثائية و التبعية للغير الذي يستغلنا و ينهب ثرواتنا و يقيد حريتنا ..

وقد سبق لنا في مقال “هل فعلا فيروس مؤامرة أمريكية لوقف صعود الصين؟” ألمحنا إلى إمكانية تورط أمريكا في إنتشار فيروس كورونا المستجد،و سأحاول في هذا المقال التوسع في الموضوع خاصة بعد تلميح الصين بتورط الجيش ألأمريكي في نشر الفيروس بمدينة “ووهان”..

فقبل فترة دار نقاش بيني و بين  بعض الزملاء ب”الجامعة الإسلامية العالمية” بماليزيا، حول التحول في أدوار الدولة، و التحولات و الأحداث المتتالية التي تمر بها المنطقة العربية و الإسلامية، و أحد الزملاء من مصر وجه انتباهنا إلى أن بداية التحول تعود إلى سنة 1989 و هو تاريخ سقوط جدار برلين، و انهيار المعسكر ألاشتراكي، و خروج الولايات متحدة منتصرة بعد سنوات الحرب الباردة، و تأسيس نظام دولي “أحادي القطبية” و هو الذي أسماه “جورج بوش الأب” ب”النظام العالمي الجديد”، و الذي لازال –عمليا- مستمرا إلى وقتنا الراهن، بالرغم من محاولات كل من الصين و روسيا و معهم باقي القوى الصناعية الصاعدة التأسيس لنظام متعدد الأقطاب ، و منذ انهيار 1989 رأينا جميعا سلسلة من الحروب و الكوارث المدمرة التي قادتها الولايات المتحدة..و خاصة بعالمنا العربي و الإسلامي..

ففي عام 1991 تم غزو العراق تحت ذريعة تحرير الكويت، و استمر الحصار للشعب العراقي نحو عقدين و تدمير الدولة و المجتمع العراقي، هذا إلى جانب تدخلات دموية بالصومال و لبنان ، و تفريخ التطرف الذي هو أحد ثمرات الحرب الباردة بين  امريكا و الاتحاد السوفياتي، فبعد الغزو “السوفياتي” ل”أفغانستان” تم حشد المجاهدين من كل قطر عربي و إسلامي، برعاية وتمويل من المخابرات الأمريكية و مخابرات الحلفاء العرب و غيرهم من الأتباع، و ما تعيشه المنطقة من تناسل الحركات الجهادية، و التي ترفع زورا و بهتانا شعار الإسلام هو إنتاج أمريكي محض…

و بعد 2001 تصاعدت العدوانية الأمريكية، فبعد أحداث 11 سبتمبر أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية تريليونات الدولارات على حروب ظالمة في “أفغانستان” و”العراق” ، بدعوى محاربة الإرهاب تارة وبدعوى أسلحة الدمار الشامل تارة أخرى ، وهي حروب لم تحقق نتائج ملموسة للإدارة الأمريكية سوى إبادة الشعب الأفغاني و العراقي و الرجوع بهما إلى عصور ما قبل الميلاد.. و الملاحظ، بعد 2001 شهد العالم سلسلة من الأزمات المتتالية و خاصة الأزمات المالية و الوبائية.. و بلد منشأ الأزمات و الأوبئة أمريكا ..

أولا- أمريكا و الأزمة المالية لعام 2008:

الحروب التي خاضتها أمريكا بعد 2001 أضرت بالموازنة الأمريكية، و لتجاوز العجز إعتمدت آلية “خلق النقود” بدون وجود غطاء حقيقي، و التوسع في توظيف أدوات السياسة النقدية و المالية، و اعتمدت على طبع الدولار بإعتباره عملة إحتياط عابرة للحدود ، لتغطية توسع الإنفاق على الحروب و البحوث العسكرية، و ضمان استمرار نمط معيشة أغلب المواطنين الأمريكين، و كان ذلك على حساب تفقير و نهب ثروات باقي شعوب الأرض..

و بدلا  من تغيير الولايات المتحدة لسياستها تمادت فيها وزادت عليها ” من ليس معنا فهو ضدنا ” ، وازداد الاقتصاد الأمريكي تراجعاً وتبعه الاقتصاد العالمي باعتبار الاقتصاد الأمريكي هو القاطرة للاقتصاد العالمي .واشتدت الحاجة إلى مزيد من الأموال لتنفيذ هذه السياسيات الإمبريالية الخاطئة ، وأصبح مطلوباً من الاقتصاد دعم هذه السياسة بتوفير الأموال لها ، وذلك بدلاً من أن تدعم القرارات السياسية الوضع الاقتصادي ،هذه الأخطاء أدت في النهاية إلى الأزمة المالية العالمية نهاية 2007 على الرغم من حصول الولايات المتحدة الأمريكية على مليارات الدولارات من بيع منتجات مالية وهمية إلى الكثير من المؤسسات المالية حول العالم..

و كلنا نذكر الخسائر المالية الفادحة التي لحقت بمختلف بلدان العالم، و في مقدمتها البلدان العربية و الاسلامية التي خسرت من زاويتين: أولا- الأضرار الإقتصادية بفعل الركود و تباطؤ النمو الاقتصادي ، ثانيا-  تبخر تريليونات من الدولارات تم استثمارها في سندات الدين الأمريكي، و كان من الصعب استردادها دون موافقة من أمريكا…باعتبارها أموال محبوسة بالبنوك الأمريكية..

ثانيا- عولمة و تضخيم الأوبئة و المستفيد شركات الأدوية، و هي أمريكية في الغالب:

منذ 2001 إلى اليوم شهد العالم سلسلة متوالية من الأزمات و منها تفشي بعض الأوبئة العابرة للحدود ومن ذلك:

1- وباء “سارس” الذي ظهر أول مرة في شمال الصين في ديسمبر 2002 وتحول إلى تهديد عالمي في مارس 2003 ، مما دعى “منظمة الصحة العالمية” إلى إصدار تحذير عالمي منذ ظهور هذا النوع غير المعتاد من الالتهاب الرئوي الذي تشبه أعراضه أعراض الأنفلونزا ولم تعرف أسبابه بعد في الصين وهونج كونج .وبيعت الأمصال والأدوية ثم ظهرت النتائج الفعلية للمرض، و تم تسجيل إصابة أكثر من 3000 شخص حول العالم بالمرض توفي منهم 117 حالة و أصبح “سارس” في ذمة التاريخ و تم تناسي حالة الهلع التي ولدها في مختلف بلاد العالم و المستفيد من ذلك شركات صناعة الأدوية العابرة للحدود و هي في الغالب أمريكية ..

2- أنفلونزا الطيور : بنهاية عام 2003 ظهر فيروس ” أنفلونزا الطيور ” وتم التضخيم الإعلامي من أثاره  و تعاظمت لمخاوف عندما تم التأكيد على إمكانية إنتقال العدوى من الطيور إلى البشر،  وفي 2004 تم الاعلان على أن  الفيروس وسع استهدافه لأنواع من الثدييات واعتبر بذلك مرض قاتل بصورة طبيعية للقطط الكبيرة ، وأصاب تحت ظروف مخبرية القطط المنزلية وهي أنواع لم تكن معرضة لأمراض ناتجة عن أي فيروس أنفلونزا .

 و نتج عن عملية التضخيم الاعلامي للفيروس و التهويل من سرعة انتشاره حالة من الهلع وبالتالي رفع مبيعات الأدوية و الأمصال و قد أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية  في 15 مايو 2009 أي بعد  6سنوات من إنتشار فيروس  عدد بأنفلونزا الطيور، أن عدد الوفيات  بالفيروس لم تتعدى 261 حالة حول العالم…و أغلبنا يذكر نتائج الإجراءات الوقائية التي اتخذتها معظم دول العالم للوقاية من “أنفلونزا الطيور” ” نتيجة لخوفها وهلعها ، و كانت النتائج كارثية على قطاع الدواجن فالتقارير تشير إلى أنه تم إبادة نحو 150 مليوناً من الدجاج ، فأليس هذا الرقم يمثل كارثة اقتصادية لها آثار مدمرة على المزارعين وصناعة الدواجن ، و حرمان لملايين الأفراد من نعم الله و هم في أمس الحاجة لها لسد جوعهم…

3- أنفلونزا الخنازير : بعد نحو عامين من انتشار فيروس” أنفلونزا الطيور ”  ظهر فيروس جديد بإسم ” أنفلونزا الخنازير “، وتم تسجيل 12 حالة في الولايات المتحدة عام 2005 ، وفي 20 أغسطس 2007 قامت إدارة الزراعة في الفلبين بالتحذير من انتشار أنفلونزا الخنازير بين مزارع الخنازير في بعض مناطقها ، وبلغ معدل وفاة الخنازير 10 % ، وفي فبراير 2009 بدأ انتشار عدوى “أنفلونزا الخنازير”  بين البشر في المكسيك إذ عانى بعض الأشخاص من مرض تنفسي حاد لم يعرف علميا مصدره وأدى إلى وفاة طفل لم يتعدى 4 سنوات و سجل كأول  حالة مؤكدة للوفاة بسبب الإصابة ب”أنفلونزا الخنازير”،ثم إتسعت حالات الإصابة ب”أنفلونزا الخنازير”، لتصل نحو  378223 حالة في 191 بلداً ، بحسب لتقارير منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2009، توفي منهم 4525 حالة..و بفعل التضخيم الإعلامي الذي صاحب ظهور و انتشار المرض، إرتفعت طلبات الدول لشراء اللقاحات والتطعيمات من الشركات المنتجة، و بحكم ارتفاع الطلب و محدودية المعروض من الأدوية و اللقاحات طالبت العديد من البلدان و خاصة النامية، بضرورة العدالة في توزيع التطعيمات واللقاحات ..فأين ذهبت الفيروسات السابقة؟ و من المستفيد من انتشارها؟ ومن جنى الثروات الطائلة الناجمة من بيع اللقاحات و التطعيمات و الأدوية؟

من دون شك، المستفيد الأول البلدان المتقدمة المالكة و المحتكرة لصناعة الأدوية و التلقيحات و الأمصال، و المتحكمة في حقوق الملكية الفكرية لأغلب الأدوية،  و القادرة على صناعة الـأمراض و إنتاج الأزمات العابرة للحدود، و بالطبع الولايات المتحدة هي الرائدة في هذا المجال.. لذلك، فإن أصابع الاتهام موجهة إليها، و لا نعني بالضرورة الشعب الأمريكي، فهو بدوره خاضع لعملية الخداع و الاستغلال الممنهج ، و إنما نعني بالخصوص مؤسسات الإمبريالية الأمريكية، و أخص بالذكر المؤسسات السياسية ومراكز أبحاث و الشركات العابرة للحدود، و لوبيات صناعة الأدوية و السلاح، و حركات الصهيو-أمريكية …و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الموضوع كامل المواصفات ما عدا دور نظام الخميني و نظام ال-سعود الارغاني التخريبي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here