الإغلاق الحكومي الأمريكي مستمر.. إما التوافق أو الإغلاق لسنوات

د. محمود البازي

دخل الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية مرحلة حرجة دون أمل بالتوصل إلى اتفاق بين الديمقراطيين والرئيس ترامب. هذا الإغلاق الذي عطّل ربع الإدارات الفدرالية وعطل ما يقارب 800 ألف موظف عن العمل. تصريحات الرئيس ترامب والتي دعا فيها الديمقراطيين إلى جلسة للتشاور والحوار على ما يبدو لم تتوصل إلى اتفاق حول تمرير مشروع الموازنة، خصوصا أن الديمقراطيون صوتوا على مشروع موازنة جزئي دون أن يتضمن هذا المشروع تكلفة الجدار الذي يطالب الرئيس ترامب بتضمين تكلفته ضمن الموازنة. تسعى “نانسي بيلوسي” الزعيمة الديمقراطية التي أُعيد انتخاباها كرئيسة للكونغرس يوم الخميس الماضي، إلى الخروج من مأزق الإغلاق الحكومي دون تضمين تكلفة بناء الجدار العازل على الحدود الأمريكية المكسيكية والتي وصفته بالغير انساني والمكلف من جهة أخرى.

عدم الوصول إلى اتفاق مع الديمقراطيين بهذا الشأن دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى التهديد، بفرض حالة الطوارئ لبناء الجدار على حدود المكسيك.

وقال ترامب خلال تصريحات من البيت الأبيض “قد ألجأ إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية لبناء الجدار الحدودي، وذلك يعتمد على ما سيحدث في الأيام المقبلة”.

وأضاف ترامب للصحافيين أثناء مغادرته البيت الأبيض، متوجهاً إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي: “علينا أن نبني الجدار”، موضحاً: “يمكن أن يكون الجدار من الفولاذ بدلاً من الإسمنت المسلح”، وربط ترامب ذلك “بالأمان وبأمن بلادنا”.

فما هي قصة الجدار؟ وهل ستنتهي مشكلة الجدار بعزل الرئيس؟

قصة الجدار تبدأ من عام 2016، اثر الحملة الانتخابية التي قادها الرئيس ترامب، وفي سعي الرئيس الحالي لكسب جمهور أوسع (جمهور يعاني من البطالة والجرائم المنتشرة في الولايات المتحدة والتي يحملون مسؤوليتها الأولى والأخيرة ضد المهاجرين وخصوصا المكسيكيين منهم) وبالفعل فإن القاعدة الانتخابية التي تشجع عزل الولايات المتحدة والحد من الهجرة الشرعية والغير شرعية راق لهم وعد الرئيس ببناء جدار عازل على طول الحدود الأمريكية المكسيكية.

وفي سياق تحقيقه لوعده الانتخابي طالب الرئيس بميزانية لبناء الجدار وتقدر هذه التكلفة 5 مليارات دولار أمريكي. ومن هنا بدأ الإغلاق الحكومي الجزئي على إثر رفض الديمقراطيون تضمين هذه التكلفة ورفضوا اقتطاع هذا المبلغ من دافعي الضرائب وتحميلهم ما لا طاقة لهم به.

يغيب عن خاطر الرئيس النتائج الوخيمة التي يعاني منها المواطن الأمريكي نتيجة لهذا الإغلاق بحسب ما وصفته صحيفة النيويورك تايمز. فأغلب العمال فقدوا رواتبهم لهذا الشهر وتراكمت ديونهم بشكل غير مسبوق. تعطّلت الأماكن العامة من مسارح ومتاحف وتعطلت على اثرها السياحة التي تدر أرباحا لا يستهان بها. هذا الإغلاق الحكومي يؤثر أيضا على العمال غير الحكوميين من عمال نظافة وحراس.

يلقي الرئيس باللائمة على الديمقراطيين ويتهمهم بأنهم لا يريدون “تمويل الجدار الجميل” بحسب قوله. إلا أن المسؤول الحقيقي عن هذه الأزمة هو الرئيس، ليس بنظرنا فقط بل من وجهة نظر المواطن الأمريكي الذي يهتم فقط وفقط بالشأن الداخلي والأجور والديون التي تتراكم على كاهله يوما بعد يوم في ظل الإغلاق الحكومي وتعطيل الوظائف. يبدو أن الرئيس يطلق النار على قدميه إذا ما استمر هذا الإغلاق الحكومي، ويبدو كذلك أن السياسات الشعبوية أعطت أُكلها لفترة محدودة من الزمن نظرا لافتقارها للنظرة الاستراتيجية وفقدانها للتأييد من “الحرس القديم” هؤلاء الذين يعتمدون على السياسات المعتدلة ولديهم نهج واضح واستراتيجيات واضحة المعالم. إن السياسات الشعبوية لاقت نجاحا باهرا حين ترشح ترامب للانتخابات الرئاسية لعام 2016. وبالفعل فقد كان الرئيس ينطق بلسان جمهور لا يستهان به يطالب بارتفاع الأجور والحد من الهجرة وانخفاض معدلات البطالة وهو ما قام به الرئيس خلال العامين الفائتين. إلا أن هذه السياسات هي سياسات وقتية مؤقتة لا تنفع على المدى الطويل وهو ما لاحظنا نتيجته خلال الانتخابات النصفية حيث خسر الجمهوريون الكونغرس وأصبحت الأغلبية للديمقراطيين. نتيجة هذه السياسات العنصرية التي اتبعها الرئيس ضد الأقليات اللاتينية والمواطنين السود والمكسيكيين وغيرهم ممن يعيش في الولايات المتحدة. اليوم ومع الإغلاق الحكومي فإن الملام الأول في قضية التعطيل الحكومي هو الرئيس ترامب من وجهة نظر المواطن الأمريكي وعلى الرئيس أن يسعى عاجلا لحل هذه الأزمة قبل أن تتفاقم ويفقد التأييد الجمهوري والذي بدأ بالفعل بمقالة ل “ميت رومني” في الواشنطن بوست.

ومع اقتراب المحقق الخاص مولر من الانتهاء من تحقيقاته تلوح أزمة جادة بين الديمقراطيين والجمهوريين (أو بالأصح من يؤيد الرئيس الأمريكي من الجمهوريين) اذ بدأ بعض أعضاء الكونغرس بالتهديد بالإطاحة بالرئيس من خلال التصويت على عزله في الكونغرس. حتى وإن كانت هذه مجرد تهديدات ومن الصعب تمريرها في مجلس الشيوخ الذي يشكل الجمهوريون الأغلبية فيه، إلا أن هذه الأزمة توضح مدى الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة ومن جهة أخرى يقلل من حظوظ الرئيس الأمريكي بانتخابات 2020.

دكتوراة في الحقوق

عضو في كرسي حقوق الإنسان اليونيسكو

مؤلف كتاب “خرافة ذئاب داعش المنفردة”

albazimahmoud@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. اين صديقه محمد بن سلمان؟ لقد وقف معه حين تخلى العالم عنه في قضية الخاشقجي وقالها ( سوف ندعمه حتى ولو كان قد فعلها) اليس الصديق وقت الضيق؟ الان ترامب محاصر ان لم يكن مخنوق من الديموقراطيين ؟ الم يقل ترامب بان المال السعودي هو وديعه امريكيه عندهم ؟ الا يدعو الوفاء بمحمد بن سلمان ان يهب لنجدته؟ فما قيمة خمس مليارات في مقابل 560مليار ؟ لماذا هذا البخل؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here