الإعلام في زمن الرقمنة

مرفت بنت عبد العزيز العريمية

يكثر الحديث عن الرقمنة، وتأثير الإعلام الجديد على الإعلام التقليدي الّا أنّ الدراسات التي بحثت في هذا المجال ما زالت قليلة خصوصا التي تتناول العادات الاستهلاكية للمحتوى الإعلامي، بالرغم من الشواهد التي تحدّثت عن تأثير الإعلام الجديد في توجيه دفة الرأي العام مقابل عجز الإعلام التقليدي في احتواء تلك القضايا ، الشواهد  كلها تدعو الى ضرورة  اللحاق بالركب الجديد ، ووضع قدما على الخارطة الإعلامية من خلال أدواتها، لعل أبرزها تحديدات الإعلام الموجّه في ظلّ الأوضاع السياسية، والاقتصادية المحمومة، التي تستدعي خطوات جريئة وسريعة للتقليل من آثارها

فالإحصائيات تقول إن شعبية وسائل التواصل الاجتماعي في ازدياد، ويحتل الفيسبوك الصدارة من حيث المتابعين يليه الانستجرام، فسناب شات، ثم لينكدن وأخيرا التويتر.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا تشهد الساحة العربية تراجعا سريعا في الطلب على الصحافة المطبوعة نظير الإعلام الرقميّ مع أنّ الصحافة المطبوعة ما زالت حيّة تُرزق في العالم الغربي؟

 إنّ الحقيقة الأولى التي يجب مواجهتها أن الإعلام التقليدي (الإذاعة، والتلفاز، الصحافة المطبوعة) فقد بريقه، وبدأ جمهوره يتقلص مع التغير الديمغرافي، فمنذ أعوام تشهد المنطقة تغيرا في المسارات الإعلامية نتيجة التطور المتواصل للتكنولوجية الرقمية، وأساليب الإنتاج الإعلامي، والعادات الإستهلاكية للمواد الاعلامية، فقطاع الإعلام المدفوع، والتلفزيونات الذكية، والألعاب الرقمية يشهد نموا سريعا.

 أمّا الحقيقة الثانية، فلا يمكن أن نربط بين بقاء الصحافة الغربية واستمراريتها مع امكانية استمرارية الصحافة العربية نظرا أن الأولى طورت منتجات صحفية الالكترونية رديفة، ومتكيفة مع الوضع الجديد، واستثمرت في قطاعات أخرى منها المجال التكنولوجي للتعويض عما فقدته من العوائد الاعلانية الكبيرة.

إن ديموغرافية المنطقة تلعب دورا كبيرا في هذا التراجع، ومن المتوقع أن نشهد تطورا اعلاميا رقميا شبابيا أكبر لمنتجات إعلامية يديرونها، فجيل الألفية، وما بعدها يمثلون أكثر من نصف سكان المنطقة، وهم في تزايد، ويتفاعلون مع الانترنت، والتواصل الاجتماعي، فلم يعودوا مستهلكين فقط،  بل أصبحوا منتجين للمادة الإعلامية التي تتناسب مع أفكارهم، وطموحاتهم، ورغباتهم، أمّا في الدول الغربية، فإن الشباب يمثّلون ربع السكان، لذلك ما زالت الصحف الورقية، والمطبوعات الورقية تلقى رواجا بالتزامن مع وجود الإعلام الرقمي.

الحقيقة الثالثة: أن الصحف الورقية لم تعد مصدرا للحصول على الأخبار، فالمنصات الموثوقة كثيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، كوكالات الأنباء، التي تمنح خاصية انتقاء الأخبار، هذه الخاصية، قد تنعكس سلبا على المجتمعات، لأنها تمنح للمستهلك الأخبار بعيدا عن مقصّ الرقيب، وأخرى ذات اتجاهات محددة قد تكون ذات أجندات مغرضة.

علما أن الصحافة المحليّة، والرسميّة  لم تحقّق حتى الآن تقدّما مؤثّرا في التحوّل إلى الإعلام الرقمي، فهي متشبثة بطباعة المحتوى الصحفي ورقيا، واكتفت بعض الصحف بوضعها في الانترنت عبر مواقع  لم تطوّر كمنتجات صحفية  تفاعلية متجدّدة  يتمّ تغذيتها على مدار الساعة بالمعلومات بالإضافة الى  وضع محتوى منوّع من الإعلانات، والمواد التسويقية، والألعاب الرقمية  بالرغم من  أنها تعاني من التراجع الكبير في الايرادات نتيجة هروب المعلنين إلى بدائل أرخص، وأسرع في الانتشار، وانخفاض نسب القرائية، وتوزيع الصحف، وأصبح عليها أن تتشارك في حصتها الإعلانية مع كبريات شركات الاعلام الجديد كجوجل، وفيسبوك .

الحقيقة الرابعة: إن قطاع التلفزيون، والإذاعة يواجه منافسة من قبل الإعلام المدفوع عبر شبكات الانترنت كالبرامج، والأفلام والمسلسلات، والألعاب الرقمية التي تبثها، وتقدم مميزات من أهمها قدرة المشاهد على اختيار المحتوى الإعلامي الذي يريده، وبعض من تلك الشبكات تكون خالية من الإعلانات التي تستنزف وقت المشاهد، علما أن المعتقد السائد أن الاعلام المدفوع لن يكون عليه إقبال، لكن الواقع أثبت نجاح الشبكات المدفوعة، كالنت فليكس في استقطاب شرائح كبيرة من الجمهور.

الحقيقة الخامسة: غفل الإعلام المحلي، والرسمي عن أنّ لكلّ جيل أدواته، وقناعاته، وخصائصه نتيجة عوامل اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، فعلى سبيل المثال كان التلفزيون، والإذاعة يمثّلان الوسائل المؤثرة على جيل الخمسينات حتى الثمانينات، أما الفيسبوك، واليوتيوب، وتويتر، وسنابشات، فهي الوسائل المناسبة لمخاطبة جيل الألفية، وما بعدها، فلا يمكن تجاهل تلك الأدوات، والوسائط في بثّ الرسائل الإعلامية، والتوعوية المحلية.

كنت أعتقد أن التغيير سيأتي لا محالة، بعد عقدين على أقل تقدير، إلا أن التحوّل قد يصبح قبل ذلك نتيجة جملة من العوامل من بينها (التمسك بالأسلوب التقليدي في تناول الأحداث)، فاللغة الإعلامية المستخدمة الآن لا تختلف عن الخطاب الإعلامي قبل خمسين عاما، كاللغة الإنشائية المطوّلة، والعزف على وتر العاطفة، والتاريخ، والعادات، والتقاليد، والدين في توجيه الرسائل إلى المجتمعات.

الحقيقة السادسة: أصبحت بعض الفضائيات العربية تستقطب نجوم التواصل الاجتماعي لتصنع منهم نجوما جدد على التلفاز، أو الإذاعة، وحتى الصحافة، بهدف استقطاب جمهور التواصل إلى الإعلام التقليدي هذه الخطوة غير مجدية، فبالدرجة الأولى هؤلاء هواة أصبحوا نجوما عبر إعلام التواصل الاجتماعي ومن خلال جمهورها والبعض منهم لا يمتلكون مهارات أو كاريزما الاعلامي المحترف بالتالي لن يصبحوا مؤثرين ، لأننا نتحدث عن قطاعين  مختلفين من الجمهور كلا منهما يمتلكان ذائقة.

الحقيقة السابعة : أن جماهير الإعلام التقليدي هم من أجيال ما قبل الألفية  لديهم أذواقهم،  وقناعاتهم، والأسلوب، واللغة التي يتقبلونها منه، وهي لغة تختلف عن لغة مخاطبة الأجيال الحالية،  فلا نتوقع لمشاهير التواصل الاجتماعي الذين  اختاروا  العفوية، واللغة غير الرسمية، والرسائل القصيرة  أن  يكونوا مؤثرين على تلك الأجيال كذلك ينطبق الأمر على جيل الألفية، إذ  أن تأثير المذيع، والصحفي على الجمهور بشكل عام، وجيل الالفية بشكل خاص وهم  ببساطة غير شغوفين بوسائل الإعلام التقليدي، لأنهم متفاعلين مع التواصل الاجتماعي معتبرينها مصدرا للمعلومة  الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية، حتى التسوّق، فأن  خياراتهم من المنتجات، والسلع يكوّنونها من آراء، وانطباعات نجوم الشوشل ميديا، أو الشخصيات المؤثرة بها.

الحقيقة الثامنة: نحن مقدمون على مرحلة إعلامية جديدة من حيث الأدوات، والوسائل، والمميزات يتطلب التفكير الجدي في إعادة هيكلة الإعلام المحلي بالأخصّ الاعلام الرسمي، والتقليدي بنموذج آخر عملي، أو رديف لاستهداف جيل الألفية، وما بعدها بالإستثمار في الإعلام الرقمي تلبي احتياجات القراء عبر تطبيقات رقمية، ومنصات تواصل، وصحف الألكترونية متنوعة، وشبكات مرئية مدفوعة تلبي رغباتهم في المعرفة، والترفيه، والتسوق.

 الحقيقة التاسعة: أن المتغيرات الإعلامية الجديدة تتطلب إعداد صحفيين، وإعلاميين بمهارات علمية، وعملية جديدة، ومختلفة عما يتمتّع به العاملون حالياً في مجال الإعلام، كتعلّم أساسيات الصحافة الرقمية، وانتاج تقارير الفيديو، وصحافة البيانات، وانتاج محتوى يعتمد على برامج، وتطبيقات تقنية متطورة، وفئة الشباب سيكونون الأفضل للنهوض بهذه المرحلة.

 كما يتطلب إنشاء غرف أخبار مدمجة لكافة الوسائل الاعلامية (الاذاعة والتلفزيون، والصحافة، ومواقع الانترنت، وشبكات التواصل، وتطبيقات الهواتف الذكية) تعد مضامين خبرية، وتحليلات، وغيرها من المواد الإعلامية كما فعلت هيئة الإذاعة، والتلفزيون البريطانية التي تمتلك ثاني أكبر غرفة أخبار مدمجة في اوروبا.

وأخيرا أصبح من الضروري أن تفكّر الدول  في انشاء بوابات خبرية رسمية تعمل على مدار الساعة تبث من خلالها أحدث الأخبار، والمعلومات، حتى تحتوي مشكلة فوضى المصادر المعلوماتية   .

كاتبة عُمانية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here