الإصلاح التربوي في سورية: بين الرؤية السياسة والتوقيت؟!

ali-darbouli-new-330x300

علي الدربولي

خلال الأسابيع الأخيرة أثيرت في سورية زوبعة من النقد لبعض المناهج التربوية التي صدرت بصيغتها الجديدة ، أغلفة ومضامين، للعام الدراسي 2017-2018م ، وقد تركز النقد على سلبية الإيحات التي أُرجعت، إلى بعض أغلفة الكتب، ومعها سلبية المعاني الصريحة التي تضمنتها بعض كتب التربية الدينية وغيرها، أيا كانت نسبة السلبية فيها طبقا لمعايير وسطية. هنا لا أريد أن أستعرضها، فلقد استُعرضت ، ربما، بما يكفي عبر وسائل الإعلام السورية، وفندتها وجهتا نظر،  رسمية ومختلطة، لم تكونا صداميتين، قياسا على ما ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي…بل أريد أن أشير إلى الحدث بعينه من خلال صحة التوقيت، والمحتوى:

الرؤية السياسية هي المسؤولة ابتداء عن المناهج التربوية، لأن التعليم في سورية حتى المرحلة الجامعية، من أكثر الأمور التي توليها الحكومة اهتماماتها، خاصة منذ تاريخ الثامن من آذار لعام 1963م عام استلام حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم في سورية، أي بعد شهر من استلام نفس الحزب للسلطة في العراق…دليل الاهتمام هنا هو مجانية التعليم، التي وفرت على المواطن السوري كثيرا من النفقات والأموال الطائلة، ولما تزل، ولقد برزت أهمية ذلك من خلال دخول القطاع الخاص على خط التعليم منذ ما يقارب العقدين من الزمن عبر المتطلبات المالية المرتفعة التي اعتمدها. السؤال:

هل الرؤية السياسية لما قبل الحرب على سورية، أي ما قبل مرحلة حرب السنوات السبع العجاف، هي التي من المفروض أن تبقى صالحة لإنتاج مناهج تربوية وطنية بدون إعادة صياغة، أو تعديل؟ بمعنى آخر: في ظل حكم الحزب الواحد، والقائد “للدولة والمجتمع” بصيغة جبهة وطنية تقدمية، بموجب المادة الثامنة من دستور 1973م، أي صيغة حكم المرحلة التي بدأت منذ العام 1970، وتحديدا منذ إصدار دستور عام 173م، حتى تاريخ صدور دستور 2012م  التي ألغيت بموجبه المادة الثامنة من دستور 1973م ، حيث أشار النص البديل  إلى  أن “التعددية السياسية والاقتصادية والحقوق الثقافية مكفولة لمختلف مكونات الشعب”، بدلا من الإشارة إلى أن الحزب (قائد للدولة والمجتمع) وأن (الوحدة والحرية والاشتراكية) أهداف للشعب.

عندما يغلب على الفكر السياسي كونه انعكاسا لمتطلبات الشعب وسد حاجاته وتأمين الأمن والاستقرار له ضمن حدود الدولة، يغلب في المقابل أن يشترك الشعب، بنخبه، في صياغة سياسة تربوية ملائمة ومستجيبة، مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدات السياسية (المفترض) أنها قادمة في نهاية الحرب، ضمن شرطي وحدة الأرض ووحدة الشعب، وما بينهما بخصوص الحقوق الثقافية لمكونات الشعب. صدرت مناهج 2017-2018  التربوية فكانت (إشكالية) من حيث إغفال خرائطها الجغرافية الأرض المحتلة والمغتصبة”الجولان  ولواء اسكندرون “، وبعدها بث بعض الصور والأفكار الإشكالية، عبر أغلفة وضمنبعض مقررات مرحلة التعليم الأساسي؟. بموضوعية نقول هنا: إنه ربما لو اعتمدت في غير هذا التوقيت لكانت مرت بدون معارضة تذكر، أو على الأقل كان تعديلها من أيسر ما يكون(الأرض خارج هذا السياق)؟!  إلا أن ما كان من التعديلات (فاقع) النقد والاعتراض، هو تبني قصيدة لشاعر سوري معارض، غير مقيم داخل البلاد..

*مست تعديلات المناهج التربوية لدى الكثير من أفراد الشعب الحس التربوي-الوطني المعتدل في ظل حرب إرهابية متطرفة على الجميع من أفراد الشعب الذي أضحت لديهم ثوابت وطنية وقومية غلب عليها الطابع التقدمي الاشتراكي.هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حققت الحرب فرزا لا يقبل التشكيك بين الوطني الصامد في داخل البلاد مدافعا عنها، واللاوطني  غير المقيم، أو الذي فضل الإقامة خارج البلاد بقصد الانخراط بالحرب عليها، تحت ظل أعداء سورية ممن يدعون حبها ودعم (طلاب الحرية والديمقراطية) لأجل رفاه شعبها؟! السمات التي انتصر بها الوطني في بداية ثمانينات القرن العشرين على موجة إرهابية بلبوس ديني. هي نفسها-السمات- التي صمد وانتصر بها في وجه موجة إرهابية متطرفة، لكن عارمة، من نفس تلك الطينة، خلال هذه الحرب الدموية على الشعب السوري منذ عام 2011، حتى تاريخه.

* الهوية الوطنية للشعب السوري، عبارة عن مزيج من ملامح ثوابت وطنية أصيلة متجذرة عبر التاريخ، ومحطات ثقافية متحولة بحسب التعددية السائدة، وكل ذلك يشكل المكون الوطني الذي يواجه العالم بشخصيته السورية، طالما كان تدمير سورية هو الهدف من قبل أعدائها. لذلك كان منسوب ردات الفعل عاليا، على التعديل غير المناسب من حيث أنه –ربما- لم يأت بوقته، ودائما تبقى قضية الأرض خطا أحمر، ومن ثم لم يقيض له فكر أنضجته لأحداث، والذي لا بد أن يكون استباقيا ورسوليا بنفس الوقت، وله فرسانه الذين سوف لن يضطروا فيما بعد إلى إجراء تعديل على التعديل، بعد سنة من الآن أو أقل، أي بعد أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على طريق الحل السياسي الشامل للأزمة السورية.

دمشق

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here