الأنتفاضة الثالثة.. وسلاح يوم الحساب!

حسن مليحات (الكعابنة)

لا يزال الغموض يكتنف مشروع عملية الضم، وهناك خلافات بين أقطاب حكومة الاحتلال على ألية وحجم وتوقيت الضم،وأن كانوا من حيث المبدأ متفقين تماما على فكرة الضم ولا خلاف بينهما في ذلك،فمنذ بدء المسيرة السلمية المشوهة كانت تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية تحت يافطة حلها،وقد رافق تعثرها المتعمد عجاج تضليلي لا ينقطع ساهم في أثارته كافة اطرافها كلا من موقعه،وسيل أخاديع مفضوحة لكنها مستحبة لدى معشر الأنهزاميين العرب،بيد ان المسيرة الكارثية وبعد أن قطعت في معارجها ومدارجها قرابة ربع قرن،وبعد أن حققت للمحتل ما حققته،وما رافق ذلك من أنحطاط في الواقع الفلسطيني من جميع النواحي،فما كان منها الأ أن سهلت لرعاتها الأمريكان الأنتقال من طور الحليف المنحاز الى طور الشراكة كاملة الأوصاف مع الأحتلال،وقد حاولت فرضها على الشعب الفلسطيني مستعينة ببعض مقاولي الخيانة من الأعراب المخدرين بأفيون التطبيع على حساب القضية الفلسطينية التي كانت دائما كبش فداء في المحرقة السياسية بين الدول،للضغط على الفلسطينين لقبول ما لا يمكن قبوله،هذا الأنتقال بدأ بدفع العملية التصفوية الى نهايتها المنشودة عبر ربطها بغموض صفقة القرن .                                                                                              .

ومن المعروف بأن الأحتلال يهدف من سعيه الى ضم الأغوار لتأسيس نموذج أحتلالي جديد للحل في أطار صفقة القرن، لذلك فأن الهدف الأساسي الذي تنشده دولة الاحتلال هو الأنهاء الفعلي لأي فرصة لقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 والقضاء بشكل مبرم على الحلم الوطني الفلسطيني،ومن أجل تحقيق هذا الهدف تقوم الأستراتيجية الاحتلالية على مبدأ عكس الأتجاهات،ويعني هذا المبدأ فيما يعنيه بأن دولة الاحتلال ستقوم بحسم القضايا المركزية(القدس،الحدود،المستوطنات،اللاجئين،السيادة الأمنية) بصورة أحادية وخارج أطار المفاوضات مع الفلسطينين،فمثلا من وجهة نظر الاحتلال فأن مصير مدينة القدس لم يعد مطروحا على طاولة المفاوضات باعتبار قد تم حسم أمرها،لذلك تتجه خطوات الاحتلال الى أستنساخ هذه الأستراتيجية في سبيل بناء نموذج جديد في العلاقات مع الفلسطينين،ووفق هذا النموذج لا وجود لأي دولة فلسطينية قابلة للحياة،وانما تشير المعطيات الى دولة فلسطينية تكون عبارة عن جزر ومعازل وكانتونات تشبع معازل الهنود الحمر    .

 من الواضح بان جوهر صفقة القرن التي يروج لها الأمريكيون والأسرائيليون ومعهم بعض دول العار العربي على أنها مشروع سلام،هي في الحقيقة مشروع لتصفية ما تبقى من أشلاء القضية الفلسطينية بعد سنوات عجاف من الجمود السياسي،الذي أعقب قيام دبابات الاحتلال بالتهام والدوس على أتفاقية أوسلو المشؤومة عبر اجتياح المناطق الفلسطينية بكافة تصنيفاتها(ا،ب،ج)،فمشروع ضم غور الأردن واراضي من الضفة الغربية يندرج ضمن هذا الأطار،فهو عملية أنتاج جديد للصراع ولسياسة الأمر الواقع على الأراضي المحتلة بما بخدم مصلحة الاحتلال،ويأتي في سياق التنفيذ الجبري وبالقوة المفرطة لصفقة القرن دون الالتفات الى اي مرجعية دولية أو سياسية او تفاوضية،فخلال الأربع سنوات الأخيرة وبرعاية الرئيس الأمريكي الأرعن نفذ الاحتلال أكبر عدوان أستراتيجي على الأرض الفلسطينية،حيث قام بجملة أجراءات ليس لها سوى نتيجة واحدة هي تغيير الوضع على الأرض الفلسطينية بشكل كامل وبما يضمن تفوق دولة الاحتلال .

 في خضم المشهد السريالي المحتدم بالنقاش الساخن حول مشروع الضم وتداعياته على القضية الفلسطينية،وأزاء الخطر المحدق الذي يتهدد الأرض الفلسطينية، وعندما يصبح الحلم الفلسطيني في مهب الريح فهنا يثور تساؤل ما هي خيارات الشعب الفلسطيني؟!  هناك حاجة ملحة وضرورية للتعاون بين الأردن والفلسطينين باعتبار الاردن سيتأثر بشكل مباشر من مشروع الضم ، فيجب ان يكون هناك قرار أستراتيجي فلسطيني /أردني لدعم الانتفاضة السلمية لانها طوق النجاة وجدار الحماية الوحيد ضد أنهاء القضية الفلسطينية،وضرورة الانتقال من مربع الدفاع الى مربع المواجهة ،وتعزيز الجبهة الداخلية ،وانجاز المصالحة الفلسطينية وبلورة خطة فلسطينية بديلة ومضادة ،وافهام المجتمع الدولي بانه في حالة الفشل في ثني دولة الاحتلال عن مسعاها في الضم، فأن جميع الخيارات مفتوحة امام الشعب الفلسطيني، فهل تندلع انتفاضة فلسطينية ثالثة لمواجهة مشروع الضم؟!

ما من ريب بأن الحالة السياسية الفلسطينية اليوم هي أشبه بما كانت عليه في صيف العام 2000 غداة عودة الرئيس ياسر عرفات من مفاوضات كامب ديفيد خالي الوفاض،مدركا بأن دولة الاحتلال تريد تعطيل المشروع الوطني الفلسطيني وطمس الهوية الفلسطينية وبعد فترة قصيرة اندلعت الانتفاضة الثانية،فالشعب الفلسطيني سأم ومل حياته الراكدة تحت حراب الاحتلال والقهر السياسي والاقتصادي،ويدرك تماما بانه لا يوجد ترياق لمقاومة خطة الضم خير من المقاومة والمواجهة الوطنية الشاملة،وفي ظني بانه جاهز لتحمل اكلافها واعبائها حتى يزول الاحتلال ويسقط مشروع الضم،فمقومات الانتفاضة الثالثة وشروطها الوطنية والقانونية قد نضجت بشكل كامل،واصبحت القضية الفلسطينية في مهب ريح السموم السياسية الحارقة،فأما ان ينتفض من اجل الثوابت الوطنية، واما ان يركن للذين ظلموا المستهترين بأخطار الضم وأبعاده! فمعركة مقاومة مخطط الضم لا تدار فقط من خلال المناورات الاعلامية عبر الفضائيات،وكلام وزير الخارجية رياض المالكي عندما وجه دعوة لدولة الاحتلال لاجراء مفاوضات جدية في موسكو،رغم ان قرار الاجتماع القيادي بتاريخ19/6/2020 كان التحلل من الاتفاقيات السابقة مع المحتل هو كلام غير منتج وغير مسؤول ومنفصل تماما عن الواقع السياسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني مع محتل غاصب والشعب الفلسطيني يربأ بنفسه عن هكذا تصريحات تتسول اللقاءات مع المحتلين والغاصبين للارض                                   .

المستوى الأمني والعسكري في دولة الاحتلال يستعد لاحتمالات التصعيد المتوقعة،بما فيها اندلاع الانتفاضة الثالثة،وتشير التقديرات الامنية بان تنفيذ الاحتلال لمخطط الضم في الضفة الغربية سيؤدي الى احتجاجات فلسطينية واسعة وموجة عنف متصاعدة،وقد وضعت دولة الاحتلال خطة للتعامل مع حالات التصعيد في حالة الضم اطلقت عليها اسم (فجر الجبال) تتوقع من خلالها مواجهة مفتوحة ،وباستشراف للمستقبل السياسي الرمادي نرى بانه في حالة تنفيذ الضم ستشهد الضفة الغربية تدهورا أمنيا خطيرا، وستواجه دولة الاحتلال سيناريوهات معقدة ،فقد تبدأ الانتفاضة الثالثة على شكل كرة اللهب المتدحرجة تكون شرارتها الأولى من المسيرات الشعبية ضد مشروع الضم، ويتضمن ذلك السيناريو الملتهب حالة احتكاك الجماهير في نقاط التماس مع جنود الاحتلال،ويتصور ان تحدث اعمال الشغب والقذف بالحجارة، ومن ثم تزيد حدة الأشتباكات وتأخذ منحى حالة الطعن على شكل هجمات فردية غير منظمة،ثم تتسع دائرة اللهب وتتحول الى حريق عندما نشهد عمليات اطلاق نار على شكل اشتباكات مع الاحتلال،فكيف سيكون الحال في حال انطلقت انتفاضة ثالثة بالنسبة للشعوب في دول العالم وبالنسبة للشعوب في الدول العربية؟وكيف سيكون الوضع في الشارع الأردني الأكثر قربا والاكثر تأثرا في حالة ضم غور الاردن؟هل ستفضي عملية الضم الى احتجاجات واسعة في الدول العربية وخاصة الاردن بحكم الجغرافيا والديمغرافيا وصلة القربى؟؟ .                                                                                        .                                                                                                             .

 خلاصة القول ان الشعب الفلسطيني على اعتاب انتفاضة ثالثة وجديدة وهو يسير على خيط رفيع جدا قبل الدخول في تلك المواجهة ،ومن اهم سمات تلك المواجهة بانها فاصلة وكاشفة ،وان توفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق أرضه هي من اولويات الدفاع الأستراتيجي عن المشروع الوطني الفلسطيني،وحجر الزاوية في برنامج المواجهة مع الاحتلال ومشاريعه التصفوية،وهو برنامج يقوم على الشراكة الوطنية لكافة اطياف الحركة الوطنية الفلسطينية،ويكون عماد هذا البرنامج الجماهير التي توفر مستلزمات النهوض الوطني من خلال التحضير لانتفاضة عارمة في كل الوطن،وهي قادرة على انتاج قيادتها الميدانية والسياسية بنفسها،فرغم سطوة الجلاد نستطيع القول بان شعبنا وفي لحظة الحقيقة الحاسمة قادر على استخدام سلاح يوم الحساب ! ويحرق السفن مع المحتل ،وكما يقول لينين فأن (الثورة هي كرنفال المضطهدين) .                 .

ايميل mlehath@gmail.com

كاتب وباحث أستراتيجي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. احسنت التوصيف ايها الكاتب الموضوعي …أكثر الله من امثالك …ارجوك تواصل مع الكاتب الفذ فؤاد البطاينة فنحن في أمس الحاجة لامثالكم …فمثلكم يجب أن يجتمع حتى لا نفقد اثر كتاباتكم ويد الله مع الجماعة ….
    .
    ورسالة الى الاخ المعلق ايمن المر ….لك كل العذر في تشاؤمك …ولكن دعني اذكرك …بأن الشعب الفلسطيني مبتكر وخلاق….و تذكر معي في عام 1936م كيف خاض الشعب الفلسطيني اطول إضراب في تاريخ البشرية ولم تكن هناك قيادة سياسية تمثله …ولولا تآمر الجامعة العربية آنذاك وإصدار الوعود للشعب الفلسطيني لينهي الإضراب لكان استمر الإضراب أكثر من ذلك ولحقق الأهداف كلها ….
    ومرة ثانية اندلعت الانتفاضة الأولى بدون قيادة سياسية …بل كانت هبة شعبية بامتياز …ولكن السياسيين استثمروها ونشأت قوى جديدة مثل حماس والجهاد من رحم تلك الانتفاضة …وبمعزل عن ما أفضت إليه اجتهادات السياسيين لتلك الانتفاضة ووعود العالم كله للقيادات الفلسطينية مقابل ايقاف تلك الانتفاضة …لربما بقيت مستمرة إلى يومنا هذا …والله اعلم …
    ما أريد أن أوصله …أن الهبة الشعبية الفلسطينية قادمة لا محالة وقريبا جدا …والجيد في الموضوع أن الجماهير الأردنية بشكل خاص والعربية والإسلامية بشكل عام باتت أكثر وعيا وادراكا لكل تفاصيل الأحداث ….وذلك بفضل الله تعالى اولا …وثانيا بوجود ترامب ونتنياهو وأمثالهم ممن باتوا يلعبون على المكشوف ولا يهمهم ماذا سيحل بحلفاءهم ….فلا مواربة ولا غطاء لهم …..وهذا كله يصب بمصلحة الشعوب بحيث لا يستطيع أحد أن يخدعهم بالكلام وحقن التخدير والمسكنات كالسابق ….والأهم من كل ذلك أن الصحافة لم تبقى حكرا على أحد …و يمكن لاي هاتف ذكي أن ينقل للعالم ما يجري للتو على بعد آلاف الأميال ….
    واخيرا اختم تعليقي واسف على الإطالة ….لكل شيء زمان محدد يختاره الله لحكمة هو يعلمها ….فتفاءل يا اخي الكريم …وان غدا لناظره قريب .

  2. سلمك الله أخي الكريم
    ” الحلم الفلسطيني ”
    كان المحافظة على وحدة بلاد الشام ومنع قيام هذا الكيان البلفوري
    صار تحرير 1948
    صار دولة على حدود 1967
    ماذا سيكون غدا ؟

    **
    تقول :” وتشير التقديرات الامنية بان تنفيذ الاحتلال لمخطط الضم في الضفة الغربية سيؤدي الى احتجاجات فلسطينية واسعة وموجة عنف متصاعدة”
    وأقول منذ 1965 فإن رد فعل كل مصيبة كان وقوده المخلصون ثم تمت سيطرة الأجهزة الثورية – من خلال الشعارات – على كل ذلك سواء بعد 1967 أو الانتفاضة الأولى أو الثانية وتحويله وقودا لدرجة أعلى من التآمر وخدمة العد ومزيد من التفريط (الوطني الثوري) ببقايا بقايا فلسطين وأهلها.
    ما الذي يجعلك تتصور أن تكون نتيجة انتفاضة ثالثة مختلفة عما سبقها. لا شيء تغير سوى تطوير الآلة الثورية الجهنمية وتزايد دعم العدو لها وارتباط أجهزتها العضوي بالعدو واعتماد مصالحهم على العدو والرتهان له.

    هذا السؤال موجه لحماس كذلك التي تمد حبل نجاة الوحدة الوطنية لسلطة أوسلو في محطة كل فضيحة توشك أن تسقط بعدها .

    يا خوفي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here