الأكراد.. بين سندان الغباء السياسي ومطرقة المصالح الدولية

الدكتور حسن مرهج

بداية لا نريد من الأخوة الأكراد أن يأخذوا كلمة “الغباء” بمعناها اللفظي، فـ الأكراد جزء مهم من مكونات الشعب السوري، و لهم تاريخ  نضالي عريق، كما أن الأكراد ساهموا إلى حد كبير برفد الإنسانية بالعلوم و الثقافة و هذا ما تؤكده الحقائق التاريخية، و بالتالي فإن كلمة ” الغباء السياسي” هي تعبير مجازي، و هنا لا نريد الإسهاب في شرح المفردات، فالواقع السوري اليوم يشهد متغيرات من شأنها الإسهام في تبدل التحالفات، و إعادة التموضع سياسيا و ميدانيا في مرحلة تشهد الكثير من التعقيدات الدولية و الإقليمية، حتى أن الأدوار باتت متغيرة بتغير الواقع الميداني و الذي يفرض تأثيراته على الواقع السياسي، و قد أثبتت التجارب التي اختزلتها يوميات الحرب على سوريا، بأن الأمريكي و التركي لا يمكن أن يكونا نقيضين في السياسية و الميدان، فعلى الرغم من الدعم العسكري و اللوجستي المُقدم للأكراد أمريكيا، نترقب اليوم عملية عسكرية تركية ضدهم، و لعل عفرين المثال القريب للتخلي الأمريكي عنهم وفق المصلحة الأمريكية، فأين منطق الأكراد السياسي؟.

المفارقة التي يجب الوقوف عليها، إلا و هي أن واشنطن تقود بدعم الأكراد تحت ذريعة محاربة داعش، و الأكراد هم الذراع العسكري للقوات الأمريكية شرق الفرات، إضافة إلى العديد من المسلحين العرب، لكن اليوم الأكراد يرفعون المتاريس، و يقومون بالتحصينات، ترقبا لمعركة مع الجيش التركي، و لعل المتابع لتطورات الشأن السوري يدرك بأن الأكراد كانوا أداة طيعة بيد الأمريكي، و ورقة سياسية يتم التلويح بها حينما يشاء الأمريكي، و بالتالي فإن الأكراد لم يكونوا سوى ذريعة أمريكية لتمرير السياسة الإقليمية التي تتبناها واشنطن في الشمال الشرقي من سوريا، حيث ذهب العديد من الأكراد ضحية السياسات الأمريكية، دون الحصول على أي مكاسب سياسية أو حتى عسكرية، بدليل أن القوات التركية قصفت مواقعهم شرق الفرات رغم التحذيرات الأمريكية، فقد أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن عملية وشيكة في سوريا شرقي الفرات ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها.

و بعد ساعات من إعلان الرئيس التركي نيته شن عملية عسكرية ضد قسد، طالبت “الوحدة الكردية” الدعم من الحكومة السورية فيما انشق المئات من المقاتلين الاكراد من ما يعرف بـ” قوات سوريا الديمقراطية” واعلنوا انضمامهم الى الجيش السوري في حلب. فهل لم يجد الاكراد الا الحضن السوري للاحتماء به ؟، و الجدير بالذكر بأن أمريكا لطالما أعلنت أنها حليفة لـ قسد، و أنها تقدم الدعم لها لمحاربة داعش، و قد أعلنت واشنطن في وقت سابق أنا أقامت نقاط مراقبة في شمال شرق سوريا، لمنع حصول أي مواجهة بين الجيش التركي والمقاتلين الأكراد، لكن هذه المعطيات و القارئ السياسي يجدها محض كذبة، فكل هذه التحركات تصب في صالح الأمريكي و التركي على السواء، فالأمريكي و بناء على استراتيجيته فأنه يترك حليفه لمواجهة التقلبات السياسية و العسكرية، و اليوم فإن الأكراد سيُتركون لمواجهة الطوفان التركي، في مشهد مستنسخ من عملية غصن الزيتون التركية، كما أن واشنطن تخلت عن الأكراد في أكثر من مواجهة مع داعش.

مناورات أمريكا السياسية تختزلها التصريحات الإعلامية، فقد أكد المتحدث باسم البنتاغون شون روبرتسون في بيان أن “الولايات المتحدة ملتزمة بأمن تركيا الحدودي لكن المعركة ضد تنظيم “داعش” لم تنته وقوات سوريا الديمقراطية تظل “شريكا ملتزما” في التصدي للتنظيم المتشدد”، و على ما يبدو بأن الأكراد استشفوا الخطر القادم لتسارع القوات الكردية بإعلان النفير العام، ونشرت (وكالة أنباء هاوار) بياناً صادراً عن ما يسمى “المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” التابع لمسلحي “الوحدات الكردية”، استنكر فيه تهديدات أردوغان، مشيراً إلى أن تركيا “تستهدف من وراء هذه التهديدات اقتطاع أجزاء من سوريا وإلحاقها بتركيا”.

كل هذه المعطيات تؤكد بأن الأكراد لا يزالون حديثي العهد باللعبة السياسية الكبرى، و عليهم ن يدركوا بأن الحضن السوري هو الابقى، و ما أثبتته الحرب السوري بأن الجيش السوري استطاع أن يواجه الفصائل الإرهابية و خاصة التي تدعمها واشنطن، كما تمكن من كسر خطوط واشنطن الحمراء، ولم يتخل عن شبر واحد من اراضيه، بينما التحالف الأمريكي و على الرغم من الدعم الهائل لفصائله لم يتمكنوا من الحفاظ على أي مكسب سياسي أو ميداني، و بالتالي على الأكراد بأن يقوموا باستغلال ربع الساعة الأخير المتبقي لهم في المعادلات الإقليمية و الدولية، و أن يعودا إلى الدولة السورية و التنسيق معها سياسيا و عسكريا، فوحدها القادرة على ضمان استقرارهم و حياة و مستقبل أبنائهم.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. على الاخوة الاكراد أن يعلموا علم اليقين أن قيام كيان يماثل ويناظر الكيان الصهيوني في المنطقة أمر محال , وهذا هو لسان حال كافة الدول الفاعلة في المنطقة وشعوبها .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here