الأفلام العربية في المسابقات الرسمية لمهرجان الجونة السينمائي الثاني

الجونة ـ عدنان حسين أحمد

إن مَنْ يُلقي نظرة خاطفة المسابقات الرسمية الثلاث لمهرجان الجونة السينمائي في دورته الثانية سيكتشف من دون مشقّة أنّ أفلامها الروائية والوثائقية تتوفر على سويّة فنية عالية بدءًا من السيناريو، والحوار، والقصة السينمائية، ومرورًا بالتصوير، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية والبصرية، وانتهاءً بالمونتاج والرؤية الإخراجية لصانعي الأفلام عربًا وأجانب.

تضمّ مسابقة الأفلام الروائية لهذه الدورة 15 فيلمًا طويلاً  من بينها “أرض مُتخيّلة” للمخرج السنغافوري سيّو ها يو، و “حرب باردة” للبولندي بافل بافليكوفسكي، و “تاريخ الحُب” للسلوفينية سونيا بروسنك، و “راي وليز” للبريطاني ريتشارد بيلينغهام، و “الرجل الذي فاجأ الجميع” للمخرجتَين الروسيتين ناتاليا ميركولوفا وألكسي شوبوف. كما تتضمن المسابقة خمسة أفلام عربية لكل من مرزاق علواش، بسّام جرباوي، سؤدد كعدان، محمد بن عطية، وأبو بكر شوقي التي سنتوقف عند بعض ثيماتها الرئيسة في هذه التغطية الصحفية السريعة. وأولى هذه الأفلام هي “ريح ربّاني” للمخرج الجزائري مرزاق علواش الذي عرفناه في “عمر قتلته الرجلة” و “الأسطح” و “مدام كوراج” وغيرها من الأفلام المهمة التي جاوزت العشرين فيلمًا. تتمحور قصة الفيلم على فتى وفتاة تنشأ بينهما علاقة وثيقة عندما تُسنَد لهما مهمة القيام بعمل مسلّح ضد معمل لتكرير البترول في الصحراء الجزائرية. يركز علواش على شخصية أمين “محمد أوغليس” الإشكالية، فهو صموت، متكتّم، لا يبوح بشيء، ويقضي معظم وقته في تأدية فروض الصلاة، وقراءة القرآن الكريم قبل أن يلتقي بنور “سارة لايساك” التي تعاني هي الأخرى من مشاكل نفسية مضاعفة آخذين بنظر الاعتبار أنهما يعيشان في قرية نائية ومعزولة ويلتقيان بالقرب من مدينة تيميمون في الجنوب. ارتأى المخرج وكاتب القصة السينمائية أن يصوّر الفيلم بتقنية الأسود والأبيض التي تتماشى مع هذا النمط من الأفلام النفسية المعقدة. ساهم في التصوير محمد لاغون، فيما قام بالمَنتجة مرزاق علواش نفسه.

أما الفيلم الثاني فيحمل عنوان “مَفكّ” وهو للمخرج الفلسطيني بسّام جرباوي الذي سبق له أن أخرج فيلم “رؤوس دجاج” الذي يروي قصة حزينة. وفي فيلمه الجديد يضعنا جرباوي أمام “زياد” نجم فريق كرة السلّة في مخيّم الجلزون للاجئين الفلسطينيين. وعندما يُقتَل صديقه الحميم برصاص القوات الإسرائيلية يحاول، هو وبعض أفراد الفريق، أن يقتلوا مستوطنًا إسرائيليا لكنه يُقبض عليه ويُودع في السجن لمدة 15 سنة ويتعرض لمختلف أنواع التعذيب، ويُصاب بالهلوسة. تُرى، هل يمكن لزياد أن يعود إلى طبيعته الأولى أم أنه يقف على أعتاب أزمة نفسية جديدة ستقوّض سنواته القادمة؟

يتناول الفيلم الثالث “يوم أضعت ظلي” للمخرجة السورية سؤدد كعدان حالة الأم سنا “سوسن أرشيد” التي تعيش مع ابنها الوحيد البالغ من العمر تسع سنوات، فيما يعمل زوجها خارج سوريا. وذات يوم شتوي بارد تكتشف أن الغاز قد نفد في البيت ويتوجب عليها أن تُعدّ طعامًا لابنها الصغير فتخرج باحثة عن إسطوانة غاز في محيط دمشق لكنها تعلق هناك حينما تلتقي بناشطين في سيارة يهرب سائقها خوفًا من التفتيش لتواجه خلال ثلاثة أيام تداعيات الحرب السورية المروعة حيث يفقد فيها الإنسان ظله. نال هذا الفيلم جائزة لويجي دي لورينتس لأفضل عمل أول بمهرجان فينيسيا السينمائي. أنجزت سؤدد عددًا من الأفلام الوثائقية واعتادت على تقنية الكاميرا الثابتة التي تتأمل وجوه الشخصيات، أما الآن فعليها أن تغادر هذا الأسلوب لتراقب شخصياتها من زوايا متعددة كي تقدّم لمتلقيها أفكارًا متنوعة، وصوراً بصرية مكثفة تعكس وجهات نظر مختلفة. وجدير ذكره بأن هذا الفيلم استغرق المخرجة زهاء سبع سنوات قبل أن يختمر ويأخذ صيغته الدرامية المركّزة. سبق لسؤدد أن أخرجت “عتمة” و “نزوح” وأفلام وثائقية أخرى، و “يوم أضعت ظلي” هو فيلمها الروائي الطويل الأول.

تدور أحداث الفيلم الرابع “ولدي” للمخرج التونسي محمد بن عطية الذي أتحفنا قبل سنتين بفيلم “نحبك هادي” ونال اهتمامًا واسعًا من قبل النقّاد. وفي فيلمه الجديد يقدِّم لنا “رياض” على وشك التقاعد من وظيفته كمشغِّل لرافعة شوكية في ميناء تونس. ثم ينتقل بنا إلى حياته الأسريّة المؤلفة من زوجته “نازلي” وابنهما الوحيد “سامي” الذي يتعرض لموجات من الصداع النصفي بينما هو يستعد لأداء امتحانات المدرسة الثانوية. وحين يتماثل للشفاء يختفي فجأة تاركًا والديه في محنة لا يُحسدان عليها. الفيلم من بطولة محمد ظريف، ومنى الماجري وآخرين.

يعتمد فيلم “يوم الدين” لأبو بكر شوقي على قصة حقيقية لأحد المصابين الذين تماثلوا للشفاء من مرض الجذام لكنه لم يغادر هذه المستعمرة إلاّ بعد وفاة زوجته حيث يقرر “بشّاي” للمرة الأولى أن يبحث عن مسقط رأسه برفقة صديقه النوبي أوباما وحماره ويشرعان برحلة طويلة في أنحاء البلاد بهدف الوصول إلى قريته الواقعة في محافظة قنا في الجنوب المصري. أنجز شوقي عددًا من الأفلام نذكر منها “العودة” و “شهيد الجمعة”.

تضمنت المسابقة الوثائقية 12 فيلمًا طويلاً بينها 4 أفلام عربية، مختلفة في مقارباتها، وثيماتها، ومعالجاتها الفنية، وأول هذه الأفلام هو “الجمعية” للمخرجة اللبنانية – المصرية ريم صالح التي رصدت  “روض الفرج” وهو أحد أفقر الأحياء السكنية في القاهرة. وعلى الرغم من الفقر المدقع للقاطنين فيه إلاّ أنه مفعم بالحياة، وروح التكافل الاجتماعي. سبق أن عرفنا ريم من خلال فيلم “لما حكيت مريم”، وهي مخرجة لمّاحة تمتلك القدرة على التقاط الموضوعات الحساسة والمعبّرة التي تلامس مشاعر المتلقين.

لا يبتعد فيلما “الحلم البعيد” للمخرج المصري مروان عمارة و “عن الآباء والبنين” لطلال ديركي عن ثيمات “الربيع العربي” و “داعش” وتداعياتهما على البلدان العربية. فـ “الحلم البعيد” يركز على الجزء الجنوبي من شبه جزيرة سيناء التي فقدت سحرها كمنتجع صيفي بسبب تفاقم الأحداث الإرهابية في مناطق كثيرة من الوطن العربي. أما فيلم ديركي فيتتبع معنى أن ينشأ طفل في كنف أب يحلم بإقامة “خلافة إسلامية” في الوقت الحاضر.

أما الفيلم الوثائقي الرابع والأخير فهو “المرجوحة” للمخرج اللبناني سيريل عريس الذي يرصد هو الأخر شخصية أنطوان الذي بلغ عامه التسعين منتظرًا زيارة ابنته بعد سفرها إلى الأرجنتين. وبينما تعاني زوجته فيفيان من أمراض الشيخوخة نُصدَم بخبر موت ابنتها في حادث مأساوي، فتقع الأم بين محنتين، كتمان حزنها على ابنتها، ومحاولة إخفاء الحقيقة عن زوجها الطاعن في السن. أنجز عريس عددًمن الأفلام والمسلسلات نذكر منها “سهام” ، “سبمارين” و “فساتين”.

هذه قراءة خاطفة للأفلام العربية في المسابقتين الرئيستين للأفلام الروائية والوثائقية الطويلة، وسوف نتوقف عند الأفلام الأجنبية المشاركة في هاتين المسابقتين خلال أيام المهرجان التي تبدأ في العشرين من سبتمبر وتنتهي في الثامن والعشرين منه.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here