الأسد في مواجهة أردوغان.. ما بين التلاقي والصدام خيطٌ رفيع

 

 

الدكتور محمد بكر

تبدأ تركيا عملية عسكرية واسعة شرق الفرات ، إذ قصفت طائرات الجيش التركي موقعاً لقسد في الحسكة، وكذلك بالرشاشات الثقيلة محيط منطقة رأس العين، واستهدفت في أول المعركة موقعاً قيادياً لقسد قُتل وأُصيب فيه أربعون قيادياً، الحكومة التركية قالت أن الهدف هو محاربة التنظيمات الإرهابية في المنطقة ولانية لها احتلال أية أراضٍ سورية، وعند هذه النقطة تتقاطع المسارات التركية مع نظيرتها الروسية والايرانية، لجهة التماهي فيما صدر عن قمة أنقرة الأخيرة في جزئية محاربة الارهاب، التناقض الأميركي في التصريح بين ماأعلنه ترامب عن انسحاب قواته من حروب سماها سخيفة ولانهاية لها، ونفي مسؤول أميركي توصيف الانسحاب، وعلى قاعدة إعادة الانتشار، هو يحمل في المضمون رغبة ضمنية أميركية للجديد التركي، شرط أن لايتجاوز هذا الجديد ماسماه ترامب الحدود الإنسانية، وأنهم يريدون السلامة لجنودهم هناك، أي ماعدا ذلك مسموح ووصف ترامب العملية بالفكرة السيئة، ذات الموقف الضمني أعلنه بوتين عندما نصح أردوغان بالتفكير مليّاً، ومابين الفكرة والتفكير حصد أردوغان الأضواء الخضر، ترامب الذي يصادق ضمناً على العملية التركية هو يسعى لتحقيق أحد هدفين :

الأول توريط أردوغان في حرب استنزاف طويلة يعلم فيها الأميركي الخبرة التي اكتسبها الكرد خلال سنوات من القتال مع داعش، وتالياً تبعات نجاح العملية التركية هي تبعات كبيرة ومكلفة، وذلك رداً على صفقة اس 400 مع روسيا والتقارب التركي معها.

الثاني هو أن ترامب يريد فعلاً تطبيق نظرية ماكان قد قاله عن سورية بأنها وحل وموت، ويجب إعادة الجنود لوطنهم، وتالياً تصدير رسالة سياسية قبيل الانتخابات الأميركية بأنه فعلاً صاحب نظرية أميركا أولاً.

في كلتا الحالتين يحصد الأسد ثمار الأهداف الأميركية لجهة توريط النظام الذي ترى فيه دمشق لاعباً رئيساً في مجريات الحرب السورية وتأجيج النار فيها خلال سنوات، أو لناحية صدق النيات الأميركية بالانسحاب العسكري من أراضٍ هي في النهاية أراضٍ سورية وتسعى دمشق لعودة سيادتها عليها.

السيناريو الأقرب والمتوقع لمشهدية الاشتباك الحاصل ،هو أن يطلب الكرد المساعدة من دمشق في مواجهة العدوان التركي، وهو ماسترى فيه دمشق فرصة لتلبية النداء وربما في إطار دعم قسد بالسلاح والعتاد وكذلك بفصائل سورية غير رسمية لتفعيل الإيلام ضد التركي وفصائله المسلحة، سواء من الجيش الوطني أو الجبهة الوطنية للتحرير على قاعدة ” ضرب العدو بالعدو” وربما أيضاً على قاعدة ” فخار يكسر بعضو”، وإذا ماحدث ذلك وكانت المواجهة فقط في إطار الاشتباك بين فصائل أردوغان وقوات قسد ، ولاسيما أن إيران أعلنت عن الوساطة والتحدث إلى أنقرة ودمشق وإنهاء مايقلق الجانبين، هنا بتنا نتحدث عن دور إيراني لتفعيل تقاطع المصالح على قاعدة واحدة بواحدة عنوانها توافقي ( الكرد مقابل ادلب) وهنا يحصد الأسد ثمار هذا السيناريو المهيئ لدخوله في النهاية وتفصيل الحلول وفق مقاساته ورؤيته ، وتفعيل نظرية انتصار دمشق وأنقرة معاً وهو مايدعمه الروس والايرانيون، وهنا تحديداً يكمن الخيط الرفيع لمنع الوصول لصدام مباشر تركي – سوري.

المهم في المشهد والتطور الحاصل، إذا ماكانت عملية شرق الفرات ذات أبعاد متقدمة لاتقف مطلقاً عند المعلن، وتتجاوز الجغرافية وصولاً لأهداف بعيدة المدى، والدفع بالمشهد نحو اشتباك وتصادم مع الجيش السوري، واعادة تفعيل المربع الأول في مشهدية الحرب السورية، هنا بتنا نتحدث عن مواجهة إقليمية لن تكون فيها دمشق لوحدها على الإطلاق، بينما قد يكون أردوغان وفصائله بين فكي كماشة، نار دمشق وحلفائها، ونار التخلي والخذلان الأميركي المعهود، إذ قالها جون كيري يوماً لايمكن أن ندخل في حرب عالمية مع روسيا كرمى لعيون أحد.

* كاتب صحفي وأكاديمي فلسطيني

روستوك – ألمانيا

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here