الأستاذ والأكاديمي القدير عباس كليدار في ذمة الخلود

سعد ناجي جواد

سمعت اليوم، وبأسف وألم شديدين، ان استاذي و صديقي الأستاذ الدكتور عباس رشيد الكليدار قد إنتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة (٢٨ حزيران/يونيو) الماضي، بعد مسيرة علمية و أكاديمية مشرفة و بارزة. بالتأكيد ان غيابه سيُشعِر أصدقائه ومحبيه و طلابه، والكاتب أولهم، بفراغ كبير بعد ان اعتادوا ان يستمعوا إلى آراءه و احاديثه الهادئة و تحليلاته الصائبة.

تعرفت على الدكتور عباس عام ١٩٧٥، عندما كنت طالبا للدكتورة في جامعة ويلز، وقصة تعارفي معه تستحق الذكر لتبيان علو إخلاق هذا الرجل. فأثناء إعدادي لرسالتي للدكتوراه توفي بصورة مفاجئة استاذي المشرف، ووقعت في مأزق علمي و اداري لا احسد عليه. وإزداد موقفي إحراجا عندما أخبرتني جامعتي باني يجب ان ابحث عن جامعة أخرى، لانه لا يوجد من بينهم من هو مؤهل للإشراف على بحثي، وبعد جدل وحوارات طويلة وافقوا على بقائي و رشحوا أستاذ فاضل اخر ليشرف بحثي. في اول اجتماع لي مع المشرف الجديد اخبرني بان معلوماته عن الموضوع الذي اكتب فيه قليلة جدا، و بالتالي فان واجبه سيقتصر على إرشادي اكاديميا حول كيف انجز عملا يستحق الدرجة التي انا مسجل فيها، وان كل المعلومات التي سترد في الرسالة هي مسؤوليتي أنا فقط وأنه لن يستطيع ان يدافع عن محتويات الرسالة، و وافقت. في تلك الظروف العصيبة نصحتني زميلتي في الدراسة آنذاك (الأستاذة الدكتورة في جامعة الإسكندرية فيما بعد) ليلى مرسي، التي كانت قد حصلت على شهادة الماجستير من جامعة لندن ، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، بان اذهب و التقي بمشرفها السابق الدكتور عباس كليدار، التي وصفته بالأستاذ الرصين والمتمكن والمتعاون مع طلبته. فقررت ان أقوم بهذه المجازفة لأني لم يسبق لي ان التقيته، ولم اكن اعرف ماذا ستكون ردة فعله إذا دخلت مكتبه بدون موعد مسبق. جئت إلى لندن من ويلز وذهبت مباشرة إلى كلية الدراسات الشرقية، وبعد ان أرشدني احدهم إلى مكتبه، وقفت لحظات استجمع أنفاسي و شجاعتي ثم طرقت الباب. ولما إذن لي سالته، بالإنكليزية طبعا، هل يسمح وقته بدقائق اتحدث معه، فرد بهدوئه المعتاد، وما الموضوع الذي تريد ان تتحدث به، فأخبرته باني طالب عراقي مسجل في جامعة ويلز و إن قدري أوقعني في مشكلة أتمنى ان يساعدني فيها. فقال اجلس، وكانت هذه أول بوادر الاطمئنان، ثم قصصت عليه حكايتي، و سالته هل بالإمكان ان انقل دراستي معه، فقال هذا غير ممكن، لان جامعته لا تقبل مثل هذا الإجراء. ثم قال أنت لم تقل لي ما اسمك، فأخبرته باسمي الكامل، فتبسم وقال (أنا أستطيع ان أساعدك بأمر واحد وهو أني على استعداد ان اقرأ ما ترسله لي وأقدم لك ملاحظتي كي تجعل من عملك يليق برسالة للدكتوراه)، و اردف بابتسامة (و مجانا). لم استطع ان اجد كلمات كافية لشكره. وغادرت وأنا أطير فوق الأرض فرحا على هذه النتيجة. وهكذا بدأت علاقتنا. وكنت اذهب إلى بيته، بعد ان أرسل له المباحث التي أجد فيها إشكالية، حيث كان يستقبلني و زوجته الكريمة اللبنانية الأصل أم سلوى (رحمها الله) بترحاب كبير، ثم يبدي ملاحظاته كي أأخذ بها. بعد احد اللقاءات شكرته كالعادة وتمنيت ان لا أكون أُثقل عليه بزياراتي، قال لي أبداً. ثم اردف أتعلم لماذا أبديت استعدادي لكي أساعدك؟ قلت هذا سوال يدور في ذهني منذ لقاءنا الأول، فاجاب (عندما حصلت على شهادة الثانوية ( التوجيهية) في بغداد رشحت لبعثة دراسية جامعية خارج العراق، و طُلِبَ مني ان اجد كفيلا يضمن عودتي بعد إنهاء دراستي، فاصطحبني والدي إلى صديقه ( المرحوم) سلطان أمين [والد صديقي منذ الطفولة الأخ أمين], مدير شرطة بغداد في العهد الملكي، وطلب منه ان يكلفني). ويكمل د عباس بان المرحوم سلطان أمين رغم مشاغله (نهض من كرسيه و رافقنا إلى مديرية البعثات، وأنا مندهش من عمل هذا الرجل المسؤول الكبير في الدولة وهو ينتقل معنا في دائرة البعثات لكي يكمل الكفالة و يوقعها). ثم أضاف الدكتور عباس فقال (ونحن في وسط هذه الإجراءات قدم رجل محترم اخر و معه طالبين ووالديهما لكي يكفلهما، وبعد ان سلم على كفيلي و والدي بحرارة ذهب لكي يكمل معاملات الطالبين الذين كان احدهما زميلي في الدراسة. ولما سالت والدي عن هوية هذا الرجل اخبرني بانه ناجي جواد الساعاتي)، ثم اخبرني صديقي الذي كفله والدك بعد ذلك ان والده لم يجد من يكفله، وان احد أصدقاءه اخبره بان يذهب إلى التاجر ناجي جواد الذي لا يتردد في فعل الخير في هذا المجال حتى مع الأشخاص الذين لا يعرفهم، وهذا ما حصل). ثم سالني الا يستحق ابن هكذا رجل كريم المساعدة في ساعة عسرته؟

استمرت صداقتي معه بعد ان حصلت على درجتي العلمية، ونشرت اول بحث علمي لي كفصل في كتاب كان من إعداده، و شمل أوراق بحثية قدمت في ندوة علمية كان قد نظمها هو بنفسه في الكلية التي كان يعمل فيها، و حرص الدكتور عباس على ان يكتب كل فصل احد الباحثين العراقيين من خريجي الجامعات البريطانية الجدد من حملة الدكتوراه، ونشر الكتاب. ثم التقيته بعد فراق طويل وبعد ان عدت إلى العراق، في ندوة علمية في الأردن كانت برعاية الأمير الحسن بن طلال ولي عهد المملكة الأردنية آنذاك، وعندما وجدني من بين الحضور اصطحبني من يدي وقدمني للأمير باطراء أخجلني. ثم علمت منه انه قد جرى تعينه مستشارا لولي العهد الأردني. ثم جلسنا نتحدث وسألني ما أنا فاعل اليوم، فأخبرته باني قد رتبت لنفسي زيارة للأديب العراقي الكبير، العم الكريم ( المرحوم) جعفر الخليلي الذي كانت تربطنا به وبعائلته علاقة محبة و تقدير، فقال هل أستطيع ان اذهب معك لزيارة هذا الأديب الجليل ألذي كان صديقا لوالدي أيضا؟ فقلت على الرحب والسعة. كانت فرحة المرحوم الخليلي بلقاءنا كبيرة، واستمعت منهما ذكريات جميلة عن منطقة الكاظمية البغدادية التي كانت مسقط راس د. عباس، و اول حي سكن فيه الخليلي بعد تركه مدينته النجف الأشرف وقدومه لبغداد.

اعترف مع كل اعتزازي بآراءه وتحليلاته العميقة أني اختلفت معه في أوقات ليست بالقليلة، بسبب تركيزه على الطبيعة الطائفية للمجتمع العراقي، ولكن لم يحدث ان تسبب هذا الاختلاف بيننا في خدش علاقتنا أو في انقطاعها. ما أدهشني هو انني بعد ان تركت العراق بعد الاحتلال (ولم يتركني)، وجئت إلى لندن وقررت ان ازوره كعادتي، و لكن مترددا بعض الشيء خشية ان اسمع منه ما يدلل على تأييده لما جرى في العراق بسبب معارضته للنظام السابق، فوجئت به يوافقني آرائي حول تقيمي للاحتلال و تبعاته ونقده للأساليب التي يدار بها العراق. و أدهشني اكثر عندما أرسلت له بحثا رصينا كتبه الأخ والصديق رميز نظمي عن ضرورة نبذ التفكير الطائفي بين المسلمين، يكتب لي ردا جميلا يقول فيه ان هذا المقال هو من اجمل ما قراءه في هذا الموضوع على الإطلاق ويطلب مني توزيعه على نطاق واسع. كما أخبرني أن بعض وجوه ما بعد الأحتلال طلبوا منه أن يعمل مستشارا لهم و براتب كبير جدا، إلا أنه رفض إحتراما لتفسه و لمعرفته بحقيقة هولاء (الساسة). في اخر لقاء لنا قبل اكثر من شهر طلب مني ان لا انقطع عن زيارته، وان لا اترك الكتابة، وحملني تحياته مرة أخرى إلى تلميذه السابق الذي يعتز به عبد الباري عطوان (أو باري كما كان يحب ان يناديه) والذي وجدته هو أيضا يبادله المحبة و الاحترام، وأخبرني الآخ عبد الباري انه لا يمكن ان ينس أفضال الدكتور عباس كليدار عليه عندما كان احد طلابه، وأنه تعلم منه أموراً كثيرة ساعدته في حياته العملية والثقافية.

رحم الله الدكتور عباس و غفر له ولنا، والهم ابنته و احفاده الصبر والسلوان، و إنا لله و إنا اليه راجعون.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. كنا نسمع كثيرا عن مثل هده الفزعات والمروءات في زمن فات قبل ان تأتي الدكتاتوريات وتضرب القيم الراقيه في مقتل .حين حولت شعوبنا الا من رحم الله الي قطعان ورعاع واجيال خائبه من الكسالى والمخبرين والحساد واعداء النجاح . ولكن سيظل الامل باقيا في اجيال اخرى ستأتي تغير من الحال الراهن الى حال اخر افضل . ان شاء الله . ومشكور جدا على وفائك .
    فعلم ما استطعت لعل جيلا ….سيأتي يحدث العجب العجابا
    احمد شوقي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here