الأزمة السورية ما بين البند السادس والسابع

55555.jpj 

على مدار الأزمة السورية عملت الضغوط المتبادلة بين القطبين الروسي و الأمريكي على ابقاء الأزمة ضمن نطاق التجاذبات بين الطرفين. هذه المرحلة  يمكن تسميتها اصطلاحاً بمرحلة “العنف”. حالة التجاذبات الطويلة هذه أدت الى الوصول بالطرفين لمرحلة ضرورة الوصول الى التفاهمات تجنباً للوصول الى مرحلة الانهيار و الاقتراب من حد الفوضى التي لا يمكن السيطرة عليها و بالتالي استحالة الوصول الى أي حل. هذا الواقع وضع جميع أطراف الأزمة في سوريا أمام استحقاق لا مهرب منه يتمثل بضرورة الوصول الى التسوية. من هنا انطلقت المبادرة الروسية للدخول في معادلات الحل.

اليوم تدخل الأزمة السورية معترك مجلس الأمن. أهم معالم هذه المعركة أنها تدور حول الربط بين ملف الكيماوي و مسار الأزمة السورية على طريق “جنيف 2”. فالتجاذبات تتمركز حول البند السابع المتبنى أمريكياً و البند السادس المحتضن روسياً. باختصار المسافة بين البند السادس و السابع تعني ضمنياً الخلاف بين الأولويات الروسية و الأمريكية. فبينما تعتبر السياسة الروسية أن أولوية وقف العنف تشكل بوابة الدخول في مسار “جنيف 2”, تصر الولايات المتحدة على دخول هذا المسار عبر بوابة خيار تشكيل الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات. اذاً هي المعركة بين وقف العنف و الشروع في المرحلة الانتقالية.

أسئلة متعددة و منطقية تبرز هنا, أهمها: لماذا تصر الولايات المتحدة على تبني البند السابع؟

السياسة الأمريكية هدفت منذ بداية الأزمة الى ربط مسار الأزمة في سوريا ضمن المعادلة الأكبر المرتبطة بمصير المنطقة, أي باختصار الربط بين التسوية السورية و التسوية الأقليمية. مسار البند السابع ل”جنيف 2″ يعني منطقياً تحديد الولايات المتحدة لشروط الدخول الى الحل و تحديد مسار التسوية السورية و تداعياتها. الأهم ان الولايات المتحدة تهدف عبر تبني البند السابع الى الحفاظ على فعالية منظومة تحالفاتها الدولية .

في المقابل, تهدف السياسة الروسية من تبني البند السادس الى ابقاء خيوط اللعبة مرتبطة بموسكو و تحالفاتها. حيث ان أولوية وقف العنف تهدف الى ابقاء مجمل قضايا المنطقة ضمن مسار التسويات السياسية بعيداً عن فكرة التهديد باستعمال القوة, هذا ما يثبته طبيعة الحراك الايراني و الكوري باتجاه التسويات السياسية. موسكو تهدف عبر هذه السياسة الى اضعاف التحالفات الامريكية الدولية, و تضع نفسها كحجر زاوية رئيسي في مجمل القضايا الدولية ضمن سياسات التوازنات الجديدة.

على كل الأحوال, تجاذبات الصراع الدائر بين البند السادس و السابع لا يمكن أن تمر دون تداعيات على الأرض, سواء على الصعيد الاقليمي او على الصعيد الدولي. لهذا فان كثير من الاطراف العاجزة على فهم تركيبة المعادلة الحالية و طبيعة صراع  قد تضطر للخروج مرغمة من المشهد السياسي الحالي. اما استيعاب هذه الانعكاسات فقد ينعكس على طريقة اعادة التموضع السياسي لمجمل الاطراف. الايرانيون -على سبيل المثال- تبنوا هذه السياسة بحرفية عالية منذ لحظة وصول الرئيس روحاني الى السلطة. سياسة شد الحبل و التأزيم ما بين الادراة الأمريكية و الجمهورية الايرانية تراجعت تدريجياً  و ظهرت مكانها رغبة واضحة بالتواصل و الانفتاح. سياسة اعادة التموضع لا تقتصر على اللاعب الايراني فقط, بل تشمل مجمل الاطراف الاقليمية. الارتباك الواضح للعيان هو السمة الأبرز للاعب التركي, بينما مازالت مصر تستعد لدخول ملعب اعادة التموضع الاقليمي. أما السعودية فانعكست الحيوية الدبلوماسية الايرانية عليها بحيث بدأت بتبني خطوات يمكن تصنيفها على انها جزء من عملية البحث عن استعادة توازن العلاقات الاقليمية.

ان تداعيات معركة التجاذبات ما بين الفصل السادس و السابع ستنتقل موضوعياً لتتحول الى تفاعلات نوعية في اطار الأزمة السورية. هنا قد تشهد المرحلة ولادة نمط جديد من التحالفات الهادفة لإظهار اطراف جديدة للازمة السورية, و لعل المؤشرات الأخيرة المرتبطة بالوضع الميداني بين الأطراف المسلحة أكبر دليل على هذه التفاعلات. يقابل ذلك بلا شك تداعيات متوقعة على المستوى الرسمي السوري, و التي بدأت تظهر ملامحها عبر العديد من التصريحات على مختلف المستويات السورية.  في النهاية لا بد من التأكيد ان ما يجري في سوريا في اطاره الدولي و الاقليمي و العربي لا بد ان ينعكس أيضاً على مختلف مجالات الوضع في الأردن.

د.عامر السبايلة

http://amersabaileh.blogspot.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here