الأزمة الجزائرية.. من الطريق المسدود إلى الحوار المنشود

الأستاذ علي بن فليس

لم يكن الخطاب الموجه للأمة في السادس جوان 2019 في مستوى الخطورة الاستثنائية التي يواجهها البلد سياسيا ومؤسساتيا ودستوريا. فلقد زاد هذا الخطاب من الإحباط وضاعف من مخزون خيبة الأمل أكثر مما كان ينتظر منه لبناء دوافع للأمل، ومن منح مؤشرات تنبئ بالإصغاء والتجاوب والتفتح. فهذا الخطاب لم يزعزع الخطوط المتحجرة لكي يسمح بإلقاء النظرة الأولى على أفق حل وشيك لأزمة تزداد احتداما مع تقادمها. وهي الأزمة التي لا يمر يوما إلا وتفاقمت معه التعقيدات التي كان من الممكن تفاديها وتجنيب البلد دفع ضريبتها غير المستحقة.

أعلن المجلس الدستوري مؤخرا استحالة إجراء الانتخابات الرئاسية في الرابع يوليو المحدد لها. وقبله كانت رئاسة الدولة بنفسها قد واجهت رفضا واسعا بشأن الدعوات إلى الحوار التي بادرت بإرسالها إلى الفعاليات السياسية الوطنية. وبالرغم مما حدث، فإن الخطاب الموجه للأمة يترك الانطباع لدى متتبعيه بأنه خطاب لم يتمعن في دروس هذا الإخفاق المزدوج، وأنه لم يقدر حق التقدير مسبباته ومدلولاته.

بما أنه يستحيل على نفس المقدمات الظرفية أن تأتي بنتائج مغايرة، فإنه من غير الواقعي ومن غير المعقول أن ينتظر من نفس المقاربة الإتيان بنتيجة مختلفة.

لا يمكن قراءة الخطاب الموجه للأمة في معزل عن الخطاب الذي ألقاه قائد الأركان للجيش الوطني الشعبي بتمنراست يوم السابع عشر مايو المنصرم. فكلاهما جعل من الحوار الوطني موضوعا مركزيا وحديث الساعة الأكثر حضورا وتداولا. وفي هذا الإطار، برزت ضرورة التنازلات المتبادلة، وكذا قيام كل الأطراف بالخطوات المطلوبة قصد الاقتراب من نقطة التلاقي التي تسمح بتجاوز الانسداد الحاصل راهنا. ومن هذا المنظور، كان من المناسب والملائم أن يقدم الخطاب الموجه للأمة عربون تفتح ليثبت أن طريق الحوار طريق ذو اتجاهين ولا يكتفي باتجاه واحد.

لا أحد يشك في أن الحوار الوطني يشكل الخيار المفضل والأداة الأكثر فاعلية ونجاعة لحل الأزمة. ولا أحد يظن بأنه من الحتمي أن تفسح مرحلة  المغالاة والطلبات التي تحتاج تلبيتها إلى متسع من الوقت، أن تفسح المجال أمام مرحلة التنازلات والحلول الوسطى خدمة للمصلحة الحيوية للوطن التي لا  تسمو عليها المصالح الأخرى أيا كانت. ولا أحد يعتقد أن البلد لا يمكنه أن يتحمل أزمة يطول مداها دون الخروج منها بقدرات ومقومات مستنزفة في وجه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرعبة التي ستعتري سبيله على مدى أقصر مما يمكن تصوره أو توقعه.

إذا ما أريد للحوار الوطني أن يمسك بكل سبل النجاح، فإن المطلوب هو توفير القاعدة الصلبة لانطلاقه و صيرورته. ولا يمكن توفير هذه القاعدة الصلبة للحوار الوطني إلا من خلال المعالجة المتأنية والجادة للإشكاليات المطروحة بحدة وإلحاح، وهي الإشكاليات التي لا يمكن البتة تجاهلها أو القفز عليها.  وتتمثل هذه الإشكاليات في أطراف الحوار وفي إطاره وفي أهدافه وفي جدول أعماله.

أولا، وفيما يتعلق بإشكالية أطراف الحوار ذوي القابلية والمصداقية فإنها الأكثر حساسية ودقة مقارنة بكل الإشكاليات الأخرى. ومعالجتها على الوجه الصحيح والسليم هي بمثابة المفتاح الذي تفتح به أبواب الحوار، أما من دونه فستبقى مسدودة تمام الانسداد.

تعني إشكالية قابلية ومصداقية أطراف الحوار في مقام واحد الطرف الداعي للحوار والأطراف المدعوة إليه. فمن جانب الأطراف الداعية للحوار، فمن البديهي أنه لا يمكن إطلاقا أن تتشكل من وجوه ورموز نظام سياسي يصر الشعب على التخلص منه في أقصر الآجال وعلى محوه نهائيا من الذاكرة الوطنية الجماعية. وهو النظام الذي بقيت وجوهه ورموزه إلى حد الساعة في قيادة أهم المؤسسات الدستورية للبلد. وعليه، فإن هذا الواقع السياسي يملي إملاء لا يمكن ولا يحق التنصل منه بأن تتشكل الأطراف الداعية إلى الحوار من شخصيات وطنية تتمتع بثقة الشعب وتحظى برضاه. أما من جانب الأطراف المدعوة للحوار، فإن اليقظة القصوى مطلوبة في وجه خطر وارد لا يُسمح بغض الطرف عنه: وهو خطر سقوط الحوار الوطني رهينة في يد القوافل من الأحزاب والجمعيات والحركات التي تميزت طيلة عقدين من الزمن بخدمتها غير المحدودة وغير المشروطة للنظام السياسي الممقوت، والتي لا يخادع ولا يغرر تقلبها وتلونها أحدًا.

ثانيا، وبشأن إطار الحوار الوطني فإنه من الأهمية بمكان التركيز على انسياقه الطبيعي في مسار تلبية الطلبات المشروعة المعبر عنها بدقة ووضوح من طرف الشعب الجزائري، وتحديدا طلبه المتمثل في تغيير النظام السياسي المنبوذ واستبداله بنظام سياسي جديد تتجسد فيه المواطنة الحقة والسيادة الشعبية الأصيلة. وفي وقت تنتاب فيه الشكوك الثورة الديمقراطية السلمية في صدق إرادة التغيير والتجديد ويغمرها الخوف من استعادة النظام المنبوذ لأنفاسه وقواه، فإنه من المفيد والمجدي سياسيا التذكير بهذا الإطار للحوار الوطني وإبرازه كاصطفاف حاسم وفاصل وراء المطالب الشعبية العادلة والمشروعة، وكدعم لها حتى تحقيقها.

ثالثا، أما بالنسبة لهدف الحوار الوطني فثمة توجه لافت في صالح الخيار الرامي إلى إجراء انتخابات رئاسية في آجال معقولة ومقبولة. وإذا كان هذا الخيار واضحا فإن شروط وظروف وضعه حيز التنفيذ تبقى مفتوحة للنقاش واحتكاك الآراء وتقابل التصورات بشأنها. وفي قلب هذا النقاش، فرضت الشروط السياسية والمؤسساتية والقانونية الواجب توفيرها نفسها بغية إجراء انتخابات رئاسية لا يشوبها شك أو تشكيك، ولا يخشى الشعب بمناسبتها أن تحرف و تزور إرادته أو أن يصادر خياره.

وعليه، فإن هذه الشروط السياسية والمؤسساتية والقانونية الواجب توفيرها لإنجاح الاستحقاق الرئاسي القادم تشكل في حد ذاتها هيكل جدول أعمال الحوار الوطني المنشود.

رابعا، وبخصوص جدول أعمال الحوار الوطني فإن مضمونه يفرض نفسه بنفسه، ويتعلق الأمر بـما يلي:

1ـ الشروط السياسية للاستحقاق الرئاسي،

 2ـ شروطه المؤسساتية،

 3ـ شروطه القانونية،

 4 ـ موعد إجرائه.

من الجلي أن الشروط السياسية للانتخابات الرئاسية مربوطة ارتباطا وثيقا بمطلب ذهاب رئيس الدولة والوزير الأول المطالب به بإلحاح وإصرار من طرف الثورة الديمقراطية السلمية التي رفعته إلى مصف مطلب مبدئي ثابت. فهذا الموضوع المطروح في شكل معضلة حقة، وهو ذاته من يبرز ضرورة التوصل إلى حل وسط. وفي هذا السياق، فإن إطار حوار وطني تسوده المصداقية والثقة بإمكانه أن يوفر الأرضية للسعي الحثيث والمرن لتحقيق التنازلات المتبادلة وتجسيد الحل الوسط فاتحا بذلك الطريق واسعا أمام البحث عن مخرج للأزمة الراهنة.

أما عن الشروط المؤسساتية، فإنها ذات صلة بإحداث “سلطة وطنية مكلفة بالانتخابات الرئاسية”.  وبما أن السلطة الدائمة الخاصة بسائر الاستحقاقات الانتخابية ستتم معالجتها في إطار الدستور الجديد الذي ستزود به الجمهورية لاحقا، فإن “السلطة” التي يدور حولها الحديث اليوم لا يمكن لها سوى أن تكون ذات طابع ظرفي ومؤقت ومتعلق خصوصا بالانتخابات الرئاسية المرتقبة. ويتعين على هذه “السلطة” أن تتوفر فيها الخاصيات التالية:

ـ تشمل مهمة هذه “السلطة” كامل المسار الانتخابي الرئاسي، أي تحضيره وتنظيمه  والإشراف عليه ومراقبته،

ـ توضع عهدة هذه “السلطة” في منأى كامل عن التدخلات السياسية – الإدارية مهما كانت أشكالها أو أنواعها. ولهذا الغرض، ستحاط هذه “السلطة” بالاستقلالية السياسية والإدارية و المالية،

ـ الاستقلالية السياسية لهذه “السلطة”، بمعنى أن تركيبتها البشرية ستحدد عن طريق الانتخابات، وليس عن طريق السلطة التقديرية للتعيينات السياسية،

ـ تنتخب التشكيلة البشرية للسلطة من بين أسلاك القضاء والمحاماة ورابطات حقوق الإنسان والحركات الجمعوية  والنقابات المستقلة،

ـ الاستقلالية الإدارية لهذه “للسلطة” ذاتها، وكذا لفروعها على المستوى المحلي، وحمايتها ضد كل التدخلات والضغوطات والإملاءات الصادرة عن سلطات إدارية وطنية  كانت أو محلية،

ـ تترتب عن مبدأ الاستقلالية المالية لهذه “للسلطة” أن توضع تحت تصرفها المباشر والحصري ميزانية بمقدار الميزانيات المخصصة للانتخابات الرئاسية سابقا،

ـ كل صلاحيات وزارات الداخلية والعدل والإعلام والخارجية، وكذا صلاحيات المجلس الدستوري وسلطة الضبط السمعي – البصري تحول إلى يد هذه “السلطة”،

ـ يتعين على هذه “السلطة” أن تكون ممثلة فعليا وليس رمزيا أو اسميا على كل المستويات المحلية،

ـ ينتظر من هذه “السلطة” أن تضمن التمثيل في جهازها للمترشحين للانتخابات الرئاسية المعترف لهم من طرفها بأحقيتهم للترشح.

أما بالنسبة للشروط القانونية، فالأمر يتعلق بالقانون العضوي الخاص بالانتخابات. وفي هذا السياق يتعين تعديل كل تدابيره ذات الصلة بالانتخابات الرئاسية لتكييفها مع كل ما يترتب عن إحداث “السلطة الوطنية المكلفة بالانتخابات الرئاسية”.

أخيرا، وفيما يتعلق بموعد الاستحقاق الرئاسي القادم فإنه ينبغي الأخذ في الحسبان معطيين متناقضين لتحديده. ويتمثل المعطى الأول في منطق السباق ضد الساعة الذي يعيش البلد تحت ضغطه وإكراهه. وأما المعطى الثاني، فتفرضه ضرورة إعطاء الوقت اللازم لتحضير جيد وجاد لاستحقاق رئاسي يُنظر إليه كمنعرج حاسم في تاريخ الأمة، وتُعلق عليه أوسع الآمال في تحقيق وثبة مصيرية للوطن. ومن هذا المنطلق، فإن المدة المتراوحة ما بين ثلاثة أشهر وستة أشهر كما هي متداولة تمثل أجلا واقعيا ومعقولا ويسمح بتوفير الشروط المطلوبة لإنجاح الاستحقاق الرئاسي القادم.

يُظهر الوقت الراهن أن مشروع الحوار الوطني تُعطل انطلاقته عدة عوامل يتوجب تبديدها وسحقها. ولا يصلح ولا يجدي الذهاب بشروط مسبقة إلى حوار ذي مصداقية ومفعم بالثقة.  ولا يصلح ولا ينفع الذهاب إلى الحوار من دون امتلاك الاستعداد إلى تقديم تنازلات  وإبداء الرغبة في الوصول إلى الحلول الوسطى. وأكثر من هذا وذاك، لا يصلح ولا يغني الذهاب إلى الحوار بذهنية الغالب والمغلوب وعلى أساس قناعة مفادها أن هناك رابح وهناك خاسر. وإن رهان الحوار يفرض على الإرادة السياسية أن تتجلى، وعلى الثقة أن تستتب، وعلى الشكوك والمخاوف والظنون أن تتبدد وتنحل في بحر الضمانات والالتزامات، وعلى القلوب والعقول أن تشحن وتملأ بالتهدئة والطمأنينة.

إن ديمومة الدولة الوطنية، وهي من دون جدال ومن دون سجال، حلم الساعة تقتضي تضحيات من هذا النمط ومن هذا الحجم، وهي تضحيات مستحقة ومأمولة.

(*) ـ رئيس حكومة أسبق، ورئيس حزب “طلائع الحريات”، حاليا ـ الجزائر.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. عجبا ، من التعنت الذي استشرى في نفوس وعقول وقلوب بعض المحسوبين على السياسة ، وهي براء منهم إلى يوم الدين، فهمهم الوحيد و الأوحد خدمة جيوبهم ومصالحهم ، وليذهب الشعب الجزائري إلى الجحيم، فهؤلاء المتعنتون يتظاهرون بحبهم للجزائر ، وهم في حقيقة الأمر أعداؤها بامتياز . وإن كانوا ، صدقا ، كما يدّعون ، فليتنازلوا عن تعنتهم ، ويتركوا الأحقاد جانبا، ويسارعوا إلى إنقاذ الجزائر من محنتها و معضلتها ، ويكونوا خير خلف لخير سلف ، حيث دفع الاسلاف أرواحهم فداء للجزائر ، تاركين جميع الخلافات والعنتريات و الانتقامات و الخصومات ، والزعامات ، واتصفوا جميعا بنكران الذات ، فكان الاستقلال و الحرية ، والعزة و الكرامة . فليتعظ سادة اليوم بما قدمه الأسلاف الأشراف ، ولينزلوا من أبراجهم الوهمية. وشكرا جزيلا .

  2. دعوة لعدم الوصول الى حل للاسف. الغاء الشرعية الدستورية مهما كانت يفتح ابوابا تطعن في شرعية اي شيء. إطالة هذا التراوح فقط تساعد على مزيد من الفوضى. لتكن انتخابات وصاحب القوة سيفوز ويمكنه تصحيح الأمور أو تغيير ما يلزم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here