الأردن ومواجهة “صفقة القرن”.. صمود أم استجابة للضغوط؟

 

إسطنبول / إحسان الفقيه / الأناضول: لم يعد الصراع العربي – الإسرائيلي أولوية القضايا التي تحدد طبيعة العلاقات بين الدول العربية مع دول العالم، في ظل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وما تشهده دول عربية من صراعات وحروب داخلية.

وبدا واضحًا أن أزمات الشرق الأوسط صرفت “إلى حد ما” الانتباه عن القضية الفلسطينية، خاصة بعد ثورات “الربيع العربي” وارتفاع حدة الأزمات الاجتماعية والسياسية، وانشغال الدول العربية المعنية عن فلسطين التي ظلت لعقود “القضية المركزية”.

وتحاول إسرائيل استثمار الأوضاع السائدة في المنطقة وتراجع الدعم العربي السياسي والمالي للفلسطينيين، للضغط على السلطة لقبول “صفقة القرن” بعد بوادر تطبيع بين بعض دول الإقليم وإسرائيل ونوع من “الشراكة” في مواجهة “التهديدات الإيرانية”.

وظلت الضفة الغربية خاضعة لإدارة السلطات الأردنية حتى يوليو/تموز 1988، إلى أن اتخذت عمّان قرار فك الارتباط القانوني والإداري، والتخلي عن إدارتها للضفة لصالح السلطة الفلسطينية.

وفي مراحل زمنية متفاوتة، أعادت القوى الدولية الفاعلة تنشيط فكرة اتحاد كونفدرالي مع الضفة الغربية يخضع للسلطة الأردنية.

ومنذ العام 1924، كانت السلالة “الهاشمية” هي الوصي “الوحيد” على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وحافظت على هذا الدور حتى بعد احتلال إسرائيل للضفة الشرقية من نهر الأردن عام 1967، واستمرت بوصايتها حتى بعد إعلان فك الارتباط مع الضفة، وصولا إلى العام 1994 عندما أبرم الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل اعترفت بموجبها الأخيرة بالوصاية “الهاشمية” على الأماكن المقدسة.

وتتوحد مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية مع رأي الشارع الأردني الداعم لاستمرار “الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس”، ولمواقف الملك عبد الله الثاني، الرافض لتصفية القضية الفلسطينية وتمرير “صفقة القرن”، التي قد تلغي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتقوض مبادرة السلام العربية التي تقوم على أساس “حل الدولتين”.

وفي ظل الظروف الأخيرة، يحاول الأردن دفع “الشكوك” التي تدور حول قبوله بمبادرة السلام الشامل المعروفة باسم “صفقة القرن”، من منطلق موقفه الثابت تجاه القدس وفلسطين والمقدسات وهو ما عبّر عنه الملك عبد الله الثاني بأنه “واجب تاريخي”.

لم يتحدث ملك الأردن عن ماهية الجهات الخارجية التي تمارس ضغوطا عليه شخصيا أو على بلاده؛ إلا أن آراء الخبراء والمحللين وما تسربه وسائل الإعلام، تميل إلى القبول بفرضية الحديث عن دول خليجية، استنادا إلى طبيعة علاقاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر، المكلف بملف الصفقة والحرص المشترك على إنجاحها.

ويتعرض الأردن لضغوط أمريكية في مجال المساعدات العسكرية والمالية، لحمله على القبول بتمرير “صفقة القرن” وتوطين الفلسطينيين على أراضيه، والتخلي عن “الوصاية الهاشمية” على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

ويبدو أن أي مبادرة سلام أمريكية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، سيكون لها تداعيات مباشرة على الأردن، حيث يعيش مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأمم المتحدة مع نسبة “مهمة” من السكان الأردنيين من أصول فلسطينية، إلى جانب الوضع الخاص بالأماكن المقدسة وفقا لمعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية لعام 1994.

وتعود “بعض” بواعث القلق الأردني إلى التسريبات المنشورة في الإعلام الإسرائيلي والأمريكي والعربي، التي تشير إلى دور أردني “مفروض” عليها للمشاركة في إنفاذ خطة السلام الأمريكية التي لا تخلو من تداعيات سلبية على التركيبة السكانية للأردن إذا تضمنت تجنيس الفلسطينيين أو “فرض” اتحاد كونفدرالي مع السلطة أو حتى اتخاذ الأردن وطنا بديلا لسكان الضفة.

وأيضًا، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية أن “صفقة القرن” يمكن أن تمس بالوصاية “الهاشمية” على الأماكن المقدسة، وهو ما ينظر إليه الأردنيون على أنه “تهديد وجودي” للمملكة ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، رغم تأكيدات الملك عبد الله، بأنه “لن يستسلم بأي حال من الأحوال للضغوط التي تمارس عليه”.

وكانت صحيفة “هآرتس” العبرية، قد نشرت ما قالت أنها تسريبات حول بعض بنود “صفقة القرن”، تتضمن نقل “الوصاية الهاشمية على المقدسات” من الأردن إلى دول أخرى مثل، السعودية والمغرب، وهو ما قال عنها مسؤولون أردنيون بأنها “خط أحمر” وأن الملك عبد الثاني “لن يتنازل عن الوصاية على المقدسات”.

ويؤكد الملك عبد الله الثاني على موقف بلاده “الثابت” من تحقيق السلام الذي يجب أن يكون مبنيا على القرارات الدولية، وعلى أساس قيام دولتين جنبا إلى جنب، إسرائيل وفلسطين على حدود الرابع من يونيو 1967، مع حل عادل للاجئين الفلسطينيين في العالم.

ويرى الأردنيون في “صفقة القرن” تهديدا “وجوديا” للقضية الفلسطينية ومحاولة إسرائيلية بتواطؤ أمريكي للاستيلاء على القدس ووادي “نهر الأردن” والأراضي الفلسطينية المحتلة خارج حدود 4 يونيو 1967، التي تقيم عليها إسرائيل مستوطنات ترفض التخلي عنها.

وتتخوف أوساط أردنية من أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد مع تراجع المساعدات الأمريكية والخليجية، إلى تدهور الاقتصاد الأردني يستدعي قبول الحكومة مساعدات “مشروطة” لتمرير “صفقة القرن”، وهو السيناريو الأسوأ الذي يمكن أن يواجهه الأردن إذا ظلت متمسكة بثوابتها المعلنة رسميا.

وعلى الصعيد الفلسطيني، تتخوف ذات الأوساط من حرمان الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم المستقلة وفق مبادرة السلام العربية، أي أن القبول بـ”صفقة القرن” سيعني في نهاية المطاف القضاء رسميا من قبل واشنطن وإسرائيل على الحق الفلسطيني بدولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وترفض السلطة الفلسطينية الحوار مع الولايات المتحدة لمناقشة أي مما يتعلق بالسلام مع إسرائيل، بسبب اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نهاية 2017، بالقدس “عاصمة” لإسرائيل.

وحتى الآن لا توجد مؤشرات إلى احتمالات إقدام الأردن على تقديم تنازلات عن موقفه الثابت أو القبول بتمرير “صفقة القرن”.

وعلى ما يبدو فإن المؤشرات المتاحة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الأردن ماض في الثبات على موقفه، وأنه سيقاوم كل الضغوط التي تمارس عليه أو على الملك، مع احتمالات زيادتها مع اقتراب موعد الإعلان عن مبادرة السلام “صفقة القرن”، والذي قد يكون عقب شهر رمضان.

في مقابل ذلك، من غير المرجح أن تمارس دول بعينها، سواء الولايات المتحدة أو دول خليجية “معادية” لإيران، مزيدا من الضغوط على الأردن، إذ تخشى تلك الدول من تكرار تجربة المقاطعة مع دولة قطر التي أدت إلى انضمامها إلى الخندق الإيراني أو على الأقل رفضها البقاء في الخندق العربي “المعادي” لإيران.

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. لا يعقل أن صفعة القرن للزعامات العربية ظهرت فجأة الكل على علم بها منذ استلام ترامب حكام السعودية ومصر والإمارات لديهم العلم التام بهذا الصفعة وكانت هناك مبادرة سعودية للصلح مع إسرائيل لماذا رفضتها امريكا واستبدلتها بصفعة القرن لماذا لم تأخذ امريكا أي شأن للعرب باعتماد المبادرة السعودية فهل ارض فلسطين ليس لها اهل فكيف يتصرف زعماء تلك الدول بارض ليس أرضهم وكيف لهم أن يساعدوا إسرائيل على الاستحواذ على كل فلسطين أن كانت زعامات هذه الدول راضية على هذه الصفقة فهل يسمحوا لإسرائيل بأن تحتل أراضيهم ويصبح الفلسطينيون يتفاوضوا مع إسرائيل نيابة عنهم لا يحق لأي كان من عملاء العرب التفاوض عن فلسطين نيابة عن الفلسطينين عليهم دعم الفلسطينين ويتركوهم وشانهم أن أرادوا أن يبرؤوا ذمتهم من فلسطين فيجب عليهم الكف عن اذاهم بدلا من الضغط عليهم خيانات العرب لبعضهم لا تعد ولا تحصى وان كانوا غير قادرين على الكف عن اذاهم أن يسلموا الموضوع لتركيا أو ايران ويتخلصوا من الكابوس المخيف بالنسبة لهم وهو امريكا يخافوا من امريكا اكثر ما يخافوا الله.

  2. كيف نصمد امام امريكا ونحن نستجدي المساعدة المادية والعسكرية منها!!!!!! قلنا وما زلنا نقول ان تنظيف البيت من الداخل من الفساد اولا. فبالتالي نتقدم بالعدل والنظافة. حينها من الممكن الاستغناء عن الاعداء. اما الان فعلى الملك والحكومات بالتزامن مع مكافحة الفساد تحسين البيئة الاستثمارية في الداخل الاردني حتى تحافظ الدولة على التاجر المحلي!!!! فالتاجر المحلي إما اغلق او سيغلق تجارته واما قد سافر من مدة على تركيا وغيرها لينجو بما بقي معه من راس مال!!!! قوانين ضريبية اوقفت السوق تماما وجعلت الناس عاجزة عن شراء اي شئ.

  3. لو اتجه الاردن لحلف ايران وتركيا؟ومن ثم ألغى معاهدة السلام وطرد السفير الاسرائيلي وسحب السفير الاردني!!!!؟؟
    فهل لهذه الإجراءات من إيجابيات!!!!
    أعتقد أن أمريكا وإسرائيل ودول الخليج العربي الموالين لأمريكا وإسرائيل ستخضع وتذعن لكافه شروط وطلبات الاردن الاقتصاديه والسياسية!!!!!

  4. ستصعد الحكومة الاسرائيلية من سياستها واجراءاتها المتطرفة سريعا لتحقيق نبوءاتهم التوراتية “والانجيلية المتصهينة”.

    ولكن في السنوات القليلة القادمة سـتتغير خريطة القوى العالمية الكبرى بأفـول بعضها أو تفككهـا.

    أو على الأقـل، ستصل أحزاب وقادة أحزاب تختلف سياستهم ما يقارب 180 درجة عما عليه الان، من أمثال جيرمي كوربن وبيرني ساندرز.

    في الحديث النبوي الشريف: قال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت بخط أبي، ثم روى بسنده إلى أبي أمامة قال:
    قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهـم من خالفهـم إلا مـا أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) وأخرجه أيضا الطبراني . قال الهيثمي في المجمع ورجاله ثقات.

    * معنى لأواء : الشـدة وضيـقُ المعيشـة!!

    إن أمـر الله ووعـده قريــــب.

    والله سبحانه أعلـى وأعلـم.

  5. من أين يأتي الصمود , أمن برلمان منتخب حقيقي يمثل الشعب تمثيلا حقيقيا أم فساد نهب الوطن والمواطن ودين الأردن ( المتبخر ) وصل حدا لا يمكن سداده ؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here