الأردن: مسؤولية النظام عن أدوات حكمه الفاسدة

د. لؤي منور الريماوي

ليس هنالك من تعريف إكلينيكي دقيق لما يعنيه مصطلح ’الحراك الأردني‘ والذي عُرف من أيام ’هبة نيسان‘ عند إسقاطه لحكومة زيد الرفاعي المشؤومة لعام 1989 من حيث كونه حركة سياسية إجتماعية أردنية عفوية ضد الفساد والمطالبات الخدماتية والإقتصادية أو ظاهرة منظمة تحركها قوات سياسية محلية متضاربة وتصفية حسابات في سياق تجاوز ما يسمى بالخطوط الحمراء أو حتى كون ’الحراك‘ في العديد من جوانبه حركه ’تنفيسية‘ في غالبيتها مبرمجة لإمتصاص الغضب العارم لقطاعات كبيره من المواطنيين الأردنيين وحتى إستعمال ’الحراك‘ عندما تقتضي الحاجة لإظهار النظام خارجيا بصورة ’المُستقصد‘ وذلك من أجل زيادة التعاطف المادي والسياسي معه من قبل الدوائر الخارجية المعنية. ولكن الحقيقة تبقى لو أن النظام الأردني يقوم بواجبه المقدس في محاربة الفساد والفاسدين والدفاع المستميت عن حقوق مواطنه البسيط حماية له من تسلط وبطش الطبقات المتحكمة كحامل للراية الأردنية الهاشمية العليا في محاولة صادقة لإذكاء الروح الوطنية الأردنية وتعزيز هويتها الحضارية الجامعة، لكان الإستقرارهو العنوان الأسمى لإردننا اليوم دونما مزايدات سياسية وتحزبية مصطنعة.

 وبدلا من القبضة الأمنية الخشنة والتي لن تزيد من الأردنيين الإ تصعيدا وإصرارا وبدلا من إضاعة الوقت والطاقات على التصريحات التنظيرية ومهاجمة الحراك الأردني الرافض لسياسة الفساد والإفساد والمباهاة الزائفة بالسماح للأردني بممارسة حقوقه الدستورية الأساسية والتي هي أصلا ليست منحة أو هبة أو تفضلا، كان يتوجب على ادوات النظام الأردني من رئيس وزراء ونواب وأعيان وناطقي حكومة رسميين وغيرهم ان يكرسوا وبكل منهجية علمية وإنضباط عسكري صارم كل الطاقات الوطنية والأمنية  الأردنية لمحاربة جادة للفساد وإجتثاث أصوله بلا رهبة ولا مجاملة على حساب الأردن ومصالحة الوطنية العليا.

فالأردن بأهله وقيمه كان ومازال منبعا للأصالة العربية في صلابة الأصرار على حمل الرسالة بأمانة وإقتدار، وما نراه اليوم في حراكه الوطني المبارك من مقدرة الأردنيين على البدأ بفرض إرادتهم الوطنية ورفض السياسات المجحفة والتوغلية للنظام وأدواته ولفظ كل ممثل رسمي لها وحرقه وطنيا وشعبيا هو أكبر دليل على حيوية الشارع الأردني ونبضه الوطني الصادق الذي لم يمت بالرغم من الإسترسال في محاربته والتضيق عليه.

عدم الجدية وضبابية الطرح في القضايا العامة والوطنية والتي هي منهجية النظام وأدواته (التقليديه الإنتهازية والليبرالية التسلقية) في تعاملهٍ مع الحدث في ظل تعالي وتسلط غير مقبول على المواطن الأردني البسيط وحقه في مجتمع تتساوى فيه الفرص مازلت القاسم المشترك لكل هذه الأدوات. فكلٌ من التقليديين والليبراليين على حدٍ سواء وضعوا أنفسهم كأدوات تحت تصرف النظام تراهم وهم على رؤوس مواقعهم يتنعمون على حساب الإرتقاء بالأردن والحقوق الأساسية لمواطنه البسيط، لم ينجزوا غير ألقاب ترفعية لأنفسهم وتسلقٍ إجتماعي متفاوت الدرجات في ظل تراجعٍ أردني وإستشراءٍ للفساد والفاسدين وتغلغهم العميق على حساب مقدرات الأردن الإقتصادية وسمعته الداخلية والخارجية.

 هنالك فرق واضح مابين الدولة ومؤسساتها الوطنية ومابين النظام السياسي ومتزلفيه من إنتهازيين ومتسلقيين إجتماعيين من الذين لاهَم لهم إلا إمتطاء الإرادة الوطنية الأردنية والسيطرة على ماتبقى من مقدرات البلد في ظل غياب الرقابه الحقيقية غير المتلاعب فيها. فأدوات النظام ممن تسلطوا على مقدرات الأردن ومقومات أهله من أنسابٍ وأصهارٍ ومحاسيب وغيرهم كانوا وما زالوا فاقدي الشرعية الوطنيه حتى وهم على رؤوس مواقعهم العليا، ليسوا أكثر من عالة إسترزاقية على الأردن وشعبه، لاهَم لهم إلا التجارة بالأردن وأهله (سرا وعلانية) عند صناع القرارات الدولية في العواصم الغربية الكبرى.

وما نراه اليوم من تقرب مصطنع من النظام وأدواته الرسمية إلى الشارع الوطني الأردني سواء بوضع وزراء أو رؤوساء وزراء ’شعبويين‘ لأنهم ’الأقرب’ إلى نبض الشارع الوطني الأردني ليس الا دليلآ على إفلاس نهج النظام ونفاقه في محاولاته للإنحاء للعاصفة الوطنيه الأردنية والإلتفاف عليها. فقطار’الدفع الذاتي‘ لإصلاحات النظام المزعومة ومحاربته ’الجادة‘ للفساد ما هي الا شعارات للإستهلاك المحلي والدعاية الخارجية المضلله. فجو الإنفتاح السياسي الذي يعيشه الأردن اليوم تم إنتزاعه وفرضه على النظام بسبب التردي الآقتصادي الذي وضع حدا كبيرة لمقدرته على شراء الذمم في ظل حالات وعي وطني أردني غير مسبوقه بسبب فقدان أدوات النظام على السيطرة المعلوماتية والتي بخمول ادواتهم ومحسوبيتهم الممنهجة فشلوا بتوقعها والتحضير لها مع انها كانت آتية لامحالة.

فبالرغم من شُح الموارد الإقتصادية وكل المعيقات فإن الأردن كان يتوجب أن يكون اليوم نموذجا حضاريا أعلى تُعنونه وضوح الرؤيا الأستراتيجية، متربعا على واحة من الأستقرار واللحمة الوطنية في ظل تآكل غالبية الدول المجاورة وتمزقها. وما شهدناه مؤخرا من إعادة إنتاج قانون ضريبة الدخل ومحاولة تسويقه شعبيا في حلتِه ’المُحسنه‘ بالتزامن مع مناورات رفع أسعار المحروقات سابقا وقانون ما يسمى ’بإغتيال السمعة الشخصية‘ أو الجرائم الألكترونية في ظل هذه الأنهزامية المطلقة لأدوات النظام في السطو على جيوب المواطنيين إمتثالا لإملاءات مؤسسات الإقتراض الدولية في فشل مريب بمحاربة الفساد وشل جذورة وإسترجاعٍ كاملٍ لمليارات الأردن المهدورة هو أكبر دليل على أن النظام وأدواته ما زالوا يظنون انهم يرتعون في الوقت الضائع البعيد كل البعد عن المحاسبة الشعبية الصارمة ووجدان الأردنيين الشرفاء.

فأين الإقرار بالمسؤولية ومن أعلى المستويات السيادية الأردنية عن تحكيم هذه الأدوات الفاسده من الأصهار والأنساب والمحاسيب على رقاب الأردنيين والتي قبلت لنفسها المواقع العليا إستغفالا للشعب الأردني قهرا وتسلطا؟ وأين الحديث ومن أعلى المستويات السيادية عن كيف ولماذا إمتلئت الأروقة الرسمية الأردنية بهذه العينة من الأدوات البغيضة والرخيصة من الإنتهازيين وأردننا مليئ بالطاقات القادره والكفاءات المتميزة في عشائرنا ومدننا وقرانا والتي جُل همها العمل الدؤوب رفعة وإنتصارا للأردن في حمله لرسالته الحضارية العليا؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه المحسوبية الممنهجة العليا التي وفرت لهذه الأدوات الفاسده والمفسده الحماية والرعاية الرسمية والتي بدوائرها الضيقة والمغلقة تفننت في المراوغة والأنتهازية الرخيصة والرقص على كل الأحبال منتقصة من إحترام الأردن بين الدول العربية والأجنبية وأفقدته ثوابته السياسية والمنهجية والأصلاحية والتي كان يجب أن يحترمها وينحني لها تقديرا العدو قبل الصديق؟ ومن الذي مكنها من الأستسهاب في سطوتها في سلبها لحقوق الأردنيين بعدم تفعيلها لمبدأ المنافسة الشريفة وأبداعها في فن إستقصاء الأصوات الأردنية النزيهة وعزلها في تغلغلها في كل مفاصل الدولة الأردنية؟

فالنظام بأعلى مستوياته السيادية هو المسؤول الأول والأخير والذي اهدر بتمكينه لهذه الأدوات من الأنساب والأصهار والمحاسيب ممن توارثوا وورثوا مناصبهم العليا ورعايتِهم لها الكثير من رصيده الوطني. وبدلا من التنصل من هذه المنهجية قولا وعملا وبفيصل من الوضوح والإلتزام العلني الموثق، ما زال النظام بأعلى مستوياته السيادية يحمل عبئ منهجية هذه الأدوات والتي أدخلته (وما زالت تدخله) في دوامات هو في غنى عنها. ثم أين هم إستراتيجوا النظام ومنظريه من الذين وضحوا وبكل صلابة أن هنالك إختلافا ومنافسة شرسة مبطنه بين مصداقية النظام الوطنية وهذه الأدوات الفاسده العارضة والطارئه ومصلحتها الوجودية القائمة على الإثراء السريع والمتاجرة بالأردن وقيمه العليا وانه في نهاية المطاف فإن الخطر التراكمي لهذه الأدوات هو أكبر خطر سيواجهه النظام الأردني الهاشمي وأنه إذا ما إستمر الحال على ما هو عليه فأنه عاجلا أم آجلا سيسقط الجمل بما حمل؟

ليست من العدالة بمكان أن يدفع السواد الأعظم من الشعب الأردني اليوم فاتورة هذه الأدوات والتي منذ عقود وهي تتربع في قصورها وفللها بكامل ألقابها وحقوقها الفاسده المكتسبة، لا سيما في ظل تلاعبها ببرأة الطرح الوطني الأردني وإفسادها الممنهج لقيمنا الأردنية الأصيلة بتأصيل الإنتهازية والتسلق الإجتماعي الرخيص على حساب المنافسة الشريفة والعمل المنتج. نرفض التبريرات المخجلة لأدوات النظام الحالية من وزرائه ومسؤولي الصف الأول فيه من الذين يجاهرون علنا ومن غير خجل وطني أن ضائقة الأردن المالية الحالية هي بسبب عدم الوفاء بالوعود من الهبات والصدقات. وفي ظل هذه الأوقات الوطنية الحرجة والتي يهلل لها كل أعداء أردننا من المتصهينيين والمتربصيين نقولها وبكل وضوح أن حالة الإنهزامية هذه لا تمثل إلا نهج النظام وأدواته العليا؛ فلا الفساد ولا الإفساد هو قدرُ الأردنيين أومصيرهم أو عنوانهم ولا الأردن ولا كرامته الوطنية هي مشروع ’صدقات‘ و محل ’هبات‘. هذا وعد وعقيدة كل الأردنيين الشرفاء؛ عملا ونهجا وتفعيلا.

أكاديمي أردني زائر سابق في جامعة هارفارد ومستشار قانوني للإدعاء العام البريطاني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مع تقديري واحترامي للدكتور لؤي الريماوي وبخاصة نهاية مقاله المتميز:

    “نقولها وبكل وضوح أن حالة الإنهزامية هذه لا تمثل إلا نهج النظام وأدواته العليا؛ فلا الفساد ولا الإفساد هو قدرُ الأردنيين أومصيرهم أو عنوانهم ولا الأردن ولا كرامته الوطنية هي مشروع ’صدقات‘ و محل ’هبات‘. هذا وعد وعقيدة كل الأردنيين الشرفاء؛ عملا ونهجا وتفعيلا.”

    فعلا انه وعد كل شرفاء الوطن الذين لا تمثلهم هزيمة هذا الواقع مع انه الوضع هنا يدعو للتشاؤم كثير والله. بس كم هو مثلج للقلب ان نسمع هذا الكلام الذي يرد الروح وهذه الوطنية الصادقة من امثالكم د. لؤي وبهذه اللغه العربية البليغة والوضوح الذي لا يقبل التأويل. كل الاحترام لوقفتك مع الأردن انت وكل شخص نعتز بانجازاته الدولية مثلك وكل شباب الوطن.

  2. دكتور لؤي اولا تهانينا الحارة بهذه المواقع الدولية المتميزة في جامعة هارفارد والمستوى القانوني الرفيع كمستشار للادعاء البريطاني. وبصراحه هذه اول مره اسمع فيها ان اردني عربي في المملكه المتحده يحرز مثل هذه الإنجازات.

    ما تحدثتم به دكتور هو غايه في الشجاعه و التفصيل الدقيق وواضح جدا ان قلبك علينا و على الوطن ويعجبني جدا في المقال حيادته و الوصف العلميا المنهجي بما تعاملت معه.

    دمتم ذخرا دكتور لؤي نصرة للاردن و كلمه الحق التي عهدناها دائما منكم واسلموا للوطن.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here