الأردن ما بين الباقورة وصفقة القرن

عمر الردّاد

رغم الظروف الإقليمية المعقدة،والإدراك لدى القيادة الأردنية أن تلك الظروف لاتعمل لصالح الأردن،في ظل أوضاع عربية أصبحت معروفة للجميع،عنوانها الضعف والأزمات المركبة، ودعم أمريكي غير مسبوق لإسرائيل،إضافة لازمة اقتصادية حادة وعميقة في الأردن،أعلن الملك عبدالله الثاني، وقف العمل بالملحق الخاص بمعاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية، بتأجير أراضي الباقورة والغمر لإسرائيل.

القرار الملكي،بوقف تأجير الباقورة والغمر ،إضافة لكونه تم الإعداد له ودراسة كافة التبعات المترتبة عليه ،في ظل قناعات عميقة بأحقية وصوابية الأردن في قراره،خاصة وان معاهدة السلام  تضمن اعترافا إسرائيليا بالسيادة الأردنية على المنطقة ،وفقا لمعاهدة السلام ،وان تجديد اتفاق التأجير لن يتم الا باتفاق الطرفين، وتشير  معطيات كثيرة إلى ان القرار الأردني جاء في السياقات التالية:

اولا:توافق شعبي ورسمي،عبرت عنه التصريحات الملكية، والحراك الذي قاده مجلس النواب والإعلام وفعاليات حزبية وشعبية ونقابية ومؤسسات مجتمع مدني مختلفة،بالتعامل مع قضية الأراضي المؤجرة لإسرائيل باعتبارها قضية سيادة وطنية،انتفت معها ظروف القبول بها، حينما تم توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية-الأردنية عام 1994،وإنها تشكل قيمة رمزية وعنوانا للسيادة الوطنية، بصرف النظر عن القيمة الاقتصادية للمنطقة،وربما كان في ردود الفعل الشعبية من قطاعات واسعة والأجواء الاحتفالية التي يعيشها الأردنيون ما يؤكد ذلك.

ثانيا:السياقات العامة للعلاقة بين الأردن وإسرائيل،والتي تؤكد محطات عديدة ، ليس من بينها  فقط ما يجري من تسريبات  حول مشاريع حلول سياسية مطروحة على هامش “صفقة القرن”،إضافة لحادث مقتل مواطنين في السفارة الإسرائيلية بعمان ،واستقبال نتنياهو القاتل باعتباره بطلا،إضافة لتجاوز الأردن في ترتيبات تتعلق بالمفاوضات لحساب أطراف عربية جديدة ،تؤكد ان العلاقة بين الأردن وإسرائيل ليست على ما يرام،في ظل حكومة إسرائيلية يمينية، لا تحترم تعهداتها والتزاماتها، وتعتقد ان الفرصة مواتية ،وبدعم أمريكي غير مسبوق، لتمرير حلول لا تؤمن الحد الأدنى للشعب الفلسطيني من حقوقه،وهو ما يفسر أن كون القرار الملكي جاء أحاديا ودون أي تنسيق مع إسرائيل ،حيث شكل صدمة للجانب الإسرائيلي،وأعلن نتنياهو في تصريح يخاطب فيه الرأي العام وحلفاءه في الحكم وخاصة اليمين الإسرائيلي ،بأنه سيتم التفاوض مع الأردن على إعادة استئجار الباقورة والغمر،وسط رهانات إسرائيلية بإمكانية تراجع الأردن عن قراره،وتهديدات بمعاقبة الاردن بتخفيض حصته من المياه،والمتفق عليها في معاهدة السلام.

ثالثا:المحطة الأبرز والأكثر أهمية بالقرار الأردني، ستكون بالمفاوضات القادمة مع الجانب الإسرائيلي، لإنفاذ القرار الأردني،والمؤكد انها ستأخذ وقتا،حيث ستشهد مماطلة إسرائيلية بحجج مختلفة،على غرار مفاوضات طابا مع مصر،ولا يستبعد ان تذهب بعيدا الى محكمة العدل الدولية،وفي كلا الحالتين “المفاوضات والمحكمة الدولية” يملك الأردن خبرات وكفاءات مشهود لها ،وبالتزامن سيتعرض الأردن لحملة من  الضغوط ستمارسها جهات عديدة عليه ،وخاصة من قبل الولايات المتحدة،باتجاه الحفاظ على الوضع القائم،وسط  رهانات وتساؤلات حول إمكانيات الصمود الأردني أمام تلك الضغوط من قبل أوساط داخلية وخارجية، اعتادت على التشكيك المسبق بالمواقف الأردنية،متجاوزة حقيقة ان موقفا شعبيا صلبا سيكون سندا للقيادة السياسية والمفاوض الأردني،وان هناك إدراكا أردنيا بان كلفة التراجع عن القرار ستكون عالية.

رابعا :القرار الملكي عكس في مضامينه قدرة الدبلوماسية الأردنية على مواجهة الضغوط من جهة،وامتلاكها ملفات وأوراق، يضعها الاردن على الطاولة في الوقت المناسب،مع التزامه بمعاهدة السلام ، لذا فمن غير المستبعد ان تفتح قضية الباقورة والغمر أبوابا أمام الأردن في ملفات حروبه الدبلوماسية في المفاوضات مع إسرائيل، خاصة وان الأردن على صلة بملفات كثيرة مرتبطة بأمنه الوطني، يشار إليها في أدبيات عملية السلام بقضايا الحل النهائي.

ومن الواضح ان الباقورة والغمر غير معزولتين عن الموقف الأردني من صفقة القرن،وهما محطة في المعركة الدبلوماسية بين الأردن وإسرائيل،ولعل فيما أكدته مجلة الفورين بولسي الأمريكية” باعتبارها مصدرا إعلاميا يحظى بمصداقية ” قبل أيام من ان الملك عبدا لله الثاني رفض وبوضوح اقتراحات كوشنير بتحويل المخصصات الأمريكية التي تقدمها الى الاونروا الى الأردن مقابل تحمل مسؤولية اللاجئين ما يؤكد هذا الترابط، هذا الموقف الذي عبر عنه الملك عبدالله في أكثر من مناسبة، وتم تجاهله في الإعلام المحلي والعربي، خاصة مع انشغال الرأي العربي والأردني بقضايا متسارعة ذات سخونة عالية، ويذكر بمقولة ان الأردن بمواقفه القومية والوطنية يفتقد لحامل إعلامي على غرار الجزيرة والعربية.

مدير عام مركز ابن خلدون للدراسات “عمان-الأردن”

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here