الأردن بين”رمضانين”: إنتهاء “الهدنة” بين الدولة العميقة وحكومة “الدوار الرابع”  والرزاز “يرقص على الحبال” وصفقة القرن قد تخرجه من المعادلة قريبا و”على النار” ..إستحقاق إنتخابات خريف 2020

 عمان- رأي اليوم- إسلام صوالحه

في رمضان الماضي خرج الآلاف من الشباب الأردنيين إلى الدوار الرابع للمطالبة بتغيير النهج الاقتصادي والسياسي في البلاد.

 كان حراكاً مباغتاً، لم يكن بالإمكان صده فكان القرار بالإحتواء حتى بدا الأمر وكأنه حراك برعاية رسمية، وعكست المشاهد الرومانسية غير المسبوقة بين المتظاهرين وقوات الأمن والدرك هذا الانطباع.

أقيلت حكومة الملقي – على مضض – بعد تعاظم المتظاهرين كماً ونوعاً، إذ ولأول مرة تشهد المملكة مشاركة طبقة الكريما في تظاهرات احتجاجية.

وقع الاختيار على شخصية تحظى برصيد شعبي لا بأس به لكنها محسوبة على (السيستم) .. تأخر الإعلان رسميا عن تكليف المنظر والمفكر والباحث الدكتور عمر الرزاز، وزير التربية في حكومة الملقي،رغم تسريب الخبر فور الإعلان عن استدعاء الملك للملقي لتقديم استقالته، مما أثار الشكوك حول وجود فيتو على الرجل داخل مطبخ القرار، ليس على شخصه،بل على توقيت انتقاله لموقع الرئاسة الذي كان يعد له أساسا.

جاء الرزاز وتنفس عدد من المتظاهرين الصعداء، وعقدوا آمالهم على الرئيس المكلف المشهود بنزاهته وفكره الإصلاحي التنويري، فيما انتاب آخرون القلق حيال صفة لازمت الرزاز في جميع المواقع الرسمية التي تقلدها، فالرجل يميل للمهادنة ويفضل الانسحاب على المواجهة عندما تصل الأمور لصدام مع مراكز القوى. ويبدو أن المخاوف كانت في مكانها.

منذ يومه الأول على رأس السلطة التنفيذية كان هناك شعور بأن ثمة من يسعى لإفساد تجربة الرزاز والتيار الذي يمثله – أي التيار الليبرالي -، صحيح أن الجهات السيادية سعت لهدنة مع الحكومة الجديدة، وعملت على ذلك من خلال الضغط على وسائل الإعلام أيضا، لمنح الرئيس عطوة ( فرصة) للخروج من الأزمة التي خلفتها صيغة مشروع قانون ضريبة الدخل.

لكن، وبعد انجاز حكومة الرزاز استحقاق قانون ضريبة الدخل بأقل الخسائر رغم أن الصيغة المعدلة لم تختلف من حيث النهج مع صيغة حكومة الملقي، خرقت الدولة العميقة الهدنة فكانت البداية بانتقاد وجهته مرجعية عليا للحكومة في لقاء مع صحفيين بواشنطن، بعد إقالة لينا عناب وزيرة السياحة، على خلفية فاجعة البحر الميت، ولغياب برنامج حكومي واضح .

 ثم توالت الضربات ( من تحت الحزام) عبر حرب تسريب الوثائق وافتعال الأزمات والتجييش ضد الحكومة وسياساتها وتضخيم المشاكل وبث الشائعات .. الخ.

شخصية الرئيس وأخطاء فريقه الوزاري ساعدت خصوم الرجل في تحقيق مآربهم بل واستنزفت من رصيد الرئيس لدى مريديه ومؤيديه. مارس الرزاز لعبة الرقص على الحبل، منذ البداية سعى لإرضاء الجميع حتى لو كان ذلك على حساب قناعاته ورؤيته، والنتيجة الحتمية أن خسر الجميع.

وبدلا من قيادة البلاد نحو رؤيته النهضوية، اخذ يهرول لإرضاء المزاج العام فبدا ضعيفاً ومتردداً .. بالمقابل نجح الضحايا المحتملون للنهج الجديد في كبح عربة الرزاز وأغرقوه بالمشاكل الصغيرة حتى اشغلوه عن هدفه وغايته.

الرزاز ابن السيستم صحيح لكنه ابن بالتبني لا تتطابق صفاته الجينية مع باقي إخوته، ولا ينفك الرجل عن إثبات نسبه للسيستم من خلال سياسة المهادنة وبعض القرارات التي تتعارض وقناعاته المعلنة.

 بيد أن كل ذلك لم يشفع له لدى الدولة العميقة التي لا تطمئن لمشروع ليبرالي يهدد مكتسبات مراكز قوى عديدة، والتي رفعت تدريجيا الغطاء عن الحكومة، حتى بلغت ذروتها اليوم لتتجسد قناعة لدى الرأي العام بأن الوقت قد حان لإعلان فشل تجربة الرزاز وبالتالي إقالة الحكومة رغم أن الجميع يدرك حتى أكثر المتحمسين لسيناريو الرحيل، بأن البديل لن يكون أفضل حالا.

بجميع الأحوال، وحده الرزاز من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور، فقد قبل الرجل دخول اللعبة وهو يعلم قسوة شروطها وصعوبة الاستمرار بها إلا لمن يمتلك صفات استثنائية بالتأكيد ليست الطيبة والتردد في اتخاذ القرار إحداها.

وفي ظل المخاوف الأردنية من فرض الإدارة الأمريكية تسوية غير عادلة للقضية الفلسطينية ضمن ما يعرف بصفقة القرن ،التي ستكون المملكة اكبر الخاسرين فيها، فإن ترتيب البيت الداخلي وإنهاء الصراع والاشتباك بين مراكز القوى في الدولة قد يعجل من رحيل حكومة الرزاز قبل موعد الانتخابات البرلمانية في خريف 2020، وتشكيل حكومة تكون قادرة على مواجهة تداعيات المرحلة المقبلة الحبلى بمخاطر قد تهدد الكيان الأردني.

Print Friendly, PDF & Email

13 تعليقات

  1. أستاذي الفاضل (Al-mugtareb)

    لكم دائمـا مني خالص المحبة والتقدير والاحترام، داعيا لكم بدوام الصحة والعافية وطول العمر إن شـاء الله.

  2. مقال جميل بصراحة، لكن دائما اتسأل، ما دور الشعب؟ شعب رضي بالمحسوبية و الواسطة، شعب شعاره احنا بس بدنا نعيش مبسوطين و هدفه الاول و الاخير أن يكون مرتاح ماليا و أجمل هواياته الغيبة و النميمة و النفاق الاجتماعي و الغيرة و الحسد الداخلي من بعضنا بعضا. أعتقد أن حالة الشعب النفسية و الارادية و الاجتماعية هي الاساس و المدخل لكي يطبق أصحاب النفوذ و السلطة ما يريدون بالتالي الوصول الى الحالة الاقتصادية و السياسية الحالية.

  3. جاء في المقال “انتقاد وجهته مرجعية عليا للحكومة في لقاء مع صحفيين بواشنطن، بعد إقالة لينا عناب وزيرة السياحة، على خلفية فاجعة البحر الميت، ولغياب برنامج حكومي واضح ”
    لاأدري لماذا لم يذكر كاتب المقال هذه الشخصيه؟ إن كان يعرفها لابد أن الكثيرن على علم بها.
    هل يعرف أي من المعلقين الكزام من المقصود؟

  4. .
    الفاضل *اردني*
    .
    — سيدي ، أصبتم بتشبيه عمر الرزاز بالشريف عبد الحميد شرف ، فعلا بينهما صفات كثيره متشابهه .
    .
    لكم الاحترام والتقدير
    .
    .

  5. المشكلة ليست بحث عن وظائف بل حقد وكراهية من شخص دولة رئيس الوزراء النظيف والنابه البعيد عن شلل وزعامات تقليدية

  6. ما افهمه أن الدوله العميقه هم أصحاب النفزذ والمنتفعين وأعوانهم ,

  7. إعتاد ألأردنيون على أن يكون الملك هو الكل بالكل في البلاد. ألوزارات تأتى وتروح ، وتعمل ما بوسعها لتمرير توجيهات الملك حتى لو كانت غريبة على الشعب. هناك أيضا النظام القبلى في ألأردن وإرضاؤه بشتى الوسائل، سواء بالتعيينات أو بغيرها. كل هذا وذاك أدى إلى فشل الحكومات في تقديم أي شيء لصالح المواطنين. ألأردن مديون ب 40 مليار دولار!!! من أين سيقوم بسداد هذه المديونية ألضخمة، ربما فوائد إلمليارات لا يستطيع ألأردن بوضعه الحالي سدادها! ألأردن بحاجة إلى حكومة قوية جدا، لا تلتفت لرغبات القبائل اللامعقولة، وتعمل بسياسة تقشف صارمة حتى تخلص ألأردن من هيمنة البنك الدولى على سياساته.

  8. على ما هو ظاهر ويتكشف هناك متنفذون مأجورين من الخارج ينفذون أجندة هدفت إلى تدمير الاقتصاد الأردني وافشال المشاريع الاقتصادية الوطنية الناجحة للقطاعين العام والخاص وتطفيش الكفاءات ومنع وصولها إلى سلم القرار

  9. للاسف الاردن يتعرض الى مرامرة من الداخل والخارج لجلبه مرغما الى منصة توقيع صفقة القرن فقد تحركت قوى محافظة متقاعدين واصحاب اجندات وعلاقات مشبوهة مع السفارات وبدأوا يكيلون الاتهامات والقيام بحراك مشبوه منظم تحت دعاوي تشغيل العاطلين علن العمل وهي افة عالمية تعاني منها كثير من البلدان للضغط على الحكومة التي يقودها شخص نظيف ومهذب غايته العمل الدؤوب والتقدم للاردن

  10. الدكتور عمر الرزاز من أفضل وأكثر رؤساء الوزارات نزاهة ووطنية وفكر ناضج في الأردن ربما منذ المرحوم الشـريف عبدالحميد شريف.

    الدكتور الرزاز يحتاج الى رجال وطنييـن ذوي رؤية وفكر سياسي ليكونوا في طاقمه الوزاري.

  11. لا يمكن التكهن بالرحيل الان لطالما ان الاستحقاق الدستوري يحتم على صانع القرار ان بفض الدورة العادية المقبلة لمجلس الامة لعام 2020 ومن ثم ترحل الحكومة بعد اسبوع وهذا يجعل الفرصة ممنوحة لشخص الرزاز بأن يبقى حتى نهاية دورة المجلس المقبلة وعليه فإنه من المرجح اجراء تعديل موسع على الحكومة وترتيب اوراق الحكومة عدا ان مؤشرات قريبة من المؤسسات الدولية وحلفاء يبدون احترامهم وتمسكهم بشخص الرزاز .

  12. .
    — من ادق المقالات التي تصف المرحله الحاليّه التي يمر بها الاردن ، كل الاحترام للاستاذ اسلام صوالحه .
    .
    .

  13. 1. أصبحت الدولة العميقة في الاردن وليس شخص الرزاز، تحت المجهر والرصد والنقد، على اعتبارها سببا رئيسيا في ما وصلت إليه البلاد. ومن هنا لا يمكن للأردن الخروج من دوامة التغيير والمسكنات والاضطراب، دون تحجيم هذه المؤسسات وإجبارها على القيام بدورها المهني الوطني دون سواه تحت طائلة المسؤولية والتشميس، في القصر والرأي العام.
    2. صفقة القرن اليوم لا أمل لها في الحياة ولا اعتقد انها سترى النور. ضعف ترامب، تشدد وتطرف اليمين الصهيوني المناهض لأي تسوية مهما كانت مع ضم كامل الضفة والقدس عمليا دون منازع. موقف السلطة العادل والقوي، هش لا قيمة له في أجندة تل أبيب، خاصة في فقدان الأمل في تولى مجلس الأمن الدولي لمهامه في فرض الحل الشامل والعادل للقضية الفلسطينية.
    3. لم يفقد الرزاز بعد سواء بريقة السياسي، أو نزاهته ولا محبة الشعب واحترام شخصة وتوجهاته، بل يقع اللوم على الجهات التي تريد استمرار السلطة والسطوة على البلاد. يشفع له ميراث غير مريح بل مربك مركب من كل من سبقه في رئاسة الحكومة.
    4. ديناميكية الأحداث والمنجزات الممكنة من هنا للخريف القادم، قد تغير مضمون ما جاء في المقال وهذه القراءة، لصالح الرزاز. خاصة وان الراي العام الاردني بات على قناعة بمضمون المثل الشعبي ( اقضب بمنحوسك لا يجي اللي انحس منه) علما بأن الرزاز خير السلوك والفكر والمنهج.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here