الأردن: الوطن التائه… ومسيرات البحث عن العمل.. رسالة الملك لرؤساء الوزارات السابقين

الدكتور عبدالمهدي القطامين

قد لا ينطبق الوصف اعلاه بكامل حيثياته على الوطن الاردني لكنه يتداخل بشكل كبير في الكثير من تفاصيله ومنحنياته ورحلة التوهان لم تبدأ هكذا فجأة وبدون مقدمات لكنها بدأت بعد ان اتكأت الحكومات الاردنية تاريخيا على المساعدات المتدفقة من مختلف دول العالم وانشغلت في ظل رحلة التيه بكيفية انفاق هذه المساعدات وملاحقة تدفقاتها بعيدا عن المفهوم الحقيقي للتنمية المستدامة ثم انها انشغلت في تفاصيل الادارة العامة وتلاعبت بها بحيث ان اي حكومة كانت تجيء اول اولوياتها التغيير في الادارات العامة تبعا لقرب شاغليها او بعدهم عن صانع القرار وليس لموجبات معايير التقييم التي يجي ان  تراقبها الحكومة وتراقب مدى تطبيقها على ارض الواقع بعيدا  عن التمنيات.

موجة خصخصة مؤسسات وشركات الدولة العامة والتي بدأت ابان التسعينيات من القرن الماضي قادها مجموعة من الوزراء وصناع القرار القادمين برؤية جديدة تميل الى الليبرالية وتؤمن بها وتعتقد ان قوى السوق وحدها هي التي تتحكم في الاقتصاد متناسين مؤثرات الدولة الابوية في الكثير من مناحي الحياة والتي كانت تاريخيا تشكل السمة العامة لنظام الحكم في المملكة وبدا ان انتقالها من تلك المرحلة الى مرحلة قوى السوق بات يشكل خطرا كبيرا على المجتمع الذي بدأ مقاوما لتلك التغييرات لانها ببساطة ترغب في سحب البساط من تحت اقدام المكون الاصيل في الدولة الاردنية وهو المكون العشائري الذي كان له الدور الاكبر في بناء  نواة  الدولة الاردنية  والحفاظ على بقائها وسط مؤمرات كانت تحاك من مختلف دول الجوار ومواجهة مباشرة مع العدو التاريخي  الاسرائيلي .

في الاجتماع الأخير الذي عقده الملك عبدالله الثاني مع ثلاثة عشر رئيس حكومة لم يكن الهدف هو اللقاء بحد ذاته ولم يكن الاستنارة بخبراتهم ولكنه كان تلميحا إلى أن ما وصلنا إليه هو حصاد اداراتكم منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي ايام كانت الدنيا قمرا وربيع وإلى اخر حكومة يقودها الرزاز الذي غاب عن اللقاء والكل يدرك أن تفاقم الوضع الاقتصادي وصولا إلى ظاهرة مسيرات الباحثين عن العمل لم يكن مصادفة وانما نتيجة سياسات غير رشيدة على الرغم من قولنا ووصفنا حكوماتنا دائما في المخاطبات انها رشيدة  …. الرؤساء المتحلقين حول طاولة الملك ساهموا فيما وصلت اليه البلاد حاليا من ازمات ولو تم ادارة حصيفة رشيدة لموارد الدولة ابان تسلمهم مسؤولياتهم ووجهت المساعدات الى انشاء مشاريع تدر دخلا وتشغل الاردنيين لكانت حال البلاد غير ما هي عليه حاليا .

صمت الرؤساء اوحديثهم لم يأت بجديد ، الجديد أن الملك ابدا تذمره على الملأ من اداء الحكومات والوزراء وفي أكثر من لقاء ولكن أيضا هذا التذمر لن يجد نفعا أمام واقع مأزوم واقتصاد مهشم وطبقة وسطى أصبحت اطلالا بعد أن كانت عامرة وبطالة تنهش أجساد الناس الذين باعوا كل شيء لتعليم أبنائهم في الجامعات لكنهم بعد تخرجهم انضموا الى طابور بطالة كبير لا يرحم   .

ما هو الحل وهل يمكن إيجاده في ظل هذا الحطام والواقع المؤلم …الحقيقة أن لا احد يجيب ولا احد يأتي بحلول فقد اتسع الرتق على الراتق وان لم يكن هناك مشروع عالمي لانقاذ الأردن فإنه لن ينجو ومثل هذا المشروع يجب أن يتم بمال عربي بإرادة أمريكية إذا أرادت سيدة العالم أمريكا أن تظل هذه البقعة من الأرض بيضة القبان التي تحفظ توازن المنطقة وتمنع تحولها إلى ساحة حرب شعواء اول من يكتوي بنارها ربيبة امريكا اسرائيل التي تعيش هذه الأيام في أوج قوتها .

الأردن في خطر ومن لا يدرك ذلك فهو اعمى أو متعامي وهذه التغيرات الاجتماعية الاقتصادية تنذر بذلك الخطر وما مسيرات الباحثين عن العمل التي خرجت من مختلف محافظات المملكة الى الديوان الملكي الهاشمي الا نذير بأن الحكومات عاجزة  عن حل اي مشكل اقتصادي واجتماعي في ظل غياب ادواتها القادرة على التغيير واولها الاداة الاقتصادية التي باتت في وضع لا تحسد عليه فهل يكون مؤتمر لندن بعد غد هو المحاولة الاخيرة لانقاذ ما يمكن انقاذه من اقتصاد يقف على حافة الهاوية شريطة ان لا يكون هذا المؤتمر جزءا من الصفقة التي سمعنا عنها كثيرا ولكنها ما زالت تراوح مكانها بانتظار ان يباركها الجميع فهل يطول انتظار تلك المباركة ….. الايام القادمة ستحمل الاجابة .

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. من عرقل ويعرقل عملية الاصلاح السياسي هو شريك فيما آل اليه الوضع المأساوي في الاردن . الحقيقة انه لن يكون هناك اي انجاز على الصعيد الاقتصادي ولن يكون هناك اصلاح اقتصادي دون اصلاح سياسي.

  2. قبل أن نصدر أحكامنا علينا طرح ألأسئلة التالية والاجابه عليها بصراحة ونزاهة … هل جاء هؤلاء من خلال الشعب ؟؟ هل كانوا ذوي كفاءة ؟؟ وفوق كل ذالك هل اعطوا حرية اتخاذ القرارات والتصحيح ان لزم ؟؟ ألاجابة ستحدد المسؤول ومن ثم المحاسبة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here