الأردن: الإستعراضية في محاربة الفساد في ظل غياب عقائديّة الطرح والتطاول على ’هيبة‘ المواطن الأردني

د. لؤي منور الريماوي

نكتب كأردنيين وبصفة شخصية كوننا أيضا الرئيس الدولي لشؤون الشرق الأوسط في مؤتمر كامبردج الدولي لمكافحة الفساد والجرائم الإقتصادية في جامعة كامبردج والذي يُعتبر اليوم اكبر تجمع دولي قانوني متخصص بهذا الشأن لنقول أن سمعة الأردن الدولية كدولة يستشري فيها الفساد ومسبباته هو أمر يزعجنا جميعا. فأن يرتبط إسم دولة أو نظامها (واقعيا أو إنطباعيا) بالفساد فهذا لا يُحطّ فقط من قدر كرامتها الوطنية بل يُنفّر المستثمرين منها محليّا ودوليّا.

كون هنالك هوّةٌ كبيرةٌ ما بين طموحنا للوطن وواقعة اليوم ليس بمدعاة لفقدان الأمل. فأكثر من أي وقت مضي يجب أن نقف اليوم دفاعا عن السمعة الدولية لأردننا بالعمل والقدوة الحسنة. هذا الوفاء للوطن في أوقاته الحرجة يأتي في ظل الحملات المتصهينة المعادية للأردن والشائعات المُغرضة في ظل إعتزازنا الكبير بزملاء الدراسة المشتركة في جامعة كامبردج من الأمراء والأميرات الهاشميين (والذين لهم منا دائما كل التقدير والحب والمودة) والذين لم نلمس في نقاشاتنا الخاصة (خلال وبعد) زمالتنا الدراسية الجامعيّة إلا حرصا وطنيا أردنيا صادقا ومقتاً للفساد والفاسدين. لا سيما بإيماننا المُطلق بأنه لا أحد يعلو على خدمة الوطن وأننا نكبر جميعاً بخدمته في ظل التقدير الوطني والإعتزاز السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني بحهودنا الخاصة دفاعا عن سمعة أردننا الدولية (والتي تكرّم بعض الأمراء الهاشميين وغيرهم من كبار موظفي الديوان الملكي بنقله لنا في أكثر من مناسبة).

هذا الكم المعلوماتي الهائل أفقد الحكومات القمعيّة سيطرتهم الإعلامية على شعوبهم. فالمسألة ليست قضية شعارات رسميّة للإستهلاك المحلي الأردني والتي لا يُصدقها حتى مؤلفيها ومنظريها. بل هو واقع ملموس من عقودٍ خلت يُبَرهن بهذه التراجعات الإقتصادية الخطيرة والتراكميّة وواقع الإقصاء المُمنهج للكفاءات الأردنيّة الواعدة على أيدي أصهار ومحاسيب ومنافقي النظام في شللياتهم البغيضة.

 فعوضاً عن أنصاف الحلول التوليفيّة البعيدة عن محاكاة المطلوب، فإن مكافحة الفساد في الأردن يتوجب أن تكون القضية الداخلية الأولى والتي تُسّخر لها كل طاقات الأردن. فهي أساس إستقراره الداخلي وعنوان هيبته الدوليّة وأساس أخذ نظامه القانوني وإصلاحاته المزعومة بمحمل الجديّة. وهي أيضا أساس إمتياز الأردن القيادي في المنطقة ودخول الملك عبدالله الثاني التاريخ العربي الحديث من أوسع أبوابه كقائد عربي شجاع يقف مع شعبه في إعلاء شأن الأردن بحماية مواطنه البسيط من تسلط الطبقات المتحكمة وفسادها. وعليه فكان يتوجب أن يتم وصف مكافحة الفساد في الأردن وبكل وضوح وصلابة بأنها ’معركة وجودية‘ لأنها العنوان السياسي للنظام الهاشمي وأساس شرعيته اليوم، تَنبُع من عقائدية الدولة في ظل أيديولوجيّة هاشميّة عروبية أساسها النهوض بإردن قوي؛ موحد في هويته الحضارية الجامعة وقدرته الكاملة على حماية منظومته القانونية من اي تطاول واعتداء.

فمحاولات التهليل الرسميّة المبالغ فيها والتي لمسناها مؤخرا بعد جلب المتهم عوني مطيع تؤذي منهجية الأردن الإحترافية وصورته الدولية بشأن جديته في مكافحة الفساد. فالمسألة بدت كما لو أنها استعراضية مسيّسة من أجل تسجيل إنتصارات إعلاميّة حكوميّة في مواجهة الحراك الاردني. فمكافحة الفساد في الأردن ليست عملية ’تجميلية‘ لإصباغ صفة الشرعية على هذه الحكومة أو تلك ولا هي موسميّة تخديريّة. وهي ليست أيضا مرهونة بمتهم واحد أو قضية ’رئيسية كبرى‘، بل هي عملية تطهير ومراجعة شاملة تضبطها منهجية واضحة الأبعاد وقواعد قانونية دقيقة تتأثر بالمحيط السياسي والإجتماعي وتتفاعل معه.

فعند الحديث مع المواطنين الأردنيين من أهل الوطن يجب أن لا تُراعى الا أعلى درجات البروتوكول التخاطبي. لا سيما وأن هذا الإنفتاح على المواطن الأردني اليوم يأتي بعد إضمحلال الخزينة العامة وفشل منهجية الإفساد وشراء الذمم وفشل سياسة إرهاب المواطن الأردني وفشل سياسة القمع الأمني ومحاربة شرفاء الأردن في لقمة عيشهم. وعليه فلا بد للحكومة الأردنيّة الجديده أن تبدأ بالحديث عن ’هيبة‘ المواطن الأردني وتهدد وتتوعد بالقول والعمل كَل من يتطاول على هيبة هذا المواطن. وفي نفس الوقت أن تبني معنى أردني متميز ’لهيبة الدولة‘ من خلال مفهوم حضاري يميزها عن كل الحكومات الأردنية السابقة وبشكل يعكس فخر الأردن بمواطنيه حيث يكون مفهوم ’هيبة الأردن‘ في صيانة مؤسساتنا الوطنية من الفساد والفاسدين.

فالمعركة مع الفساد والفاسدين في الأردن هي معركة إكلينيكيّة قانونيّة دقيقة عنوانها المباشَرة والهجوم المكثف والإبتكاري. فهي ليست معركة ’رفع عتب‘ كما يطيب للحكومات الأردنيّة اليوم أن تتعامل معها في تقصير وتخاذلٍ شديديّن. فالشعار الحكومي المتمثل في ’من كان عنده دليل من المواطنين فليقدمه‘ يَصُب في هذا المنحى المتخاذل حيث تلقي الحكومات المتعاقبة المسؤولية على غيرهم، مكتوفي الأيادي متجاهلين للثمن التراكمي الكبير على حساب إستقرار الأردن الداخلي وتضاؤل هيبته الدوليّة وتراجع ثقة المستثمرين. لاسيما في هزالية نجاح الحكومات المتتاليّة في إسترجاع المليارات من أموال الأردن المهدورة.

هذه الهجمة الشرسة على المواطن الأردني وجيبه والتطاول عليه في ظل الإعتقاد المغلوط بأنه ’الأضعف‘ في حلقة الضغوطات الداخلية والخارجية في المعادلات الإقتصادية والجيوسياسية هي أمر غير مقبول. فإرهاب المواطنين الأردنين بمصطلحات رئيس الوزراء التهديدية والتضيق الرسمي على حرياتهم ومحاربتهم في أرزاقهم هي مسألة مرفوضة جملة وتفصيلا. وأن الإعتقالات الأخيرة في صفوف ناشطي الحراك الأردني بسبب مواقفهم السياسية والإرهاب البلطجي الذي بدأ يطلّ برأسه القبيح مجددا في إصرار غريب على إحراج الملك عبدالله الثاني وإيذاء مصداقيته المحلية والدولية وتحويل الأردن برسالته الهاشمية الحضاريةّ النبيلة بحمل شرف مسؤولية الإرتقاء بالأردن إلى نظامٍ بلطجيّ قمعيّ، مُفرّغ عقائديّا ومفلس مادياً؛ بلا عُمق تاريخي أو ثقل دولي وليس بأكثر من نظام تثبيت المكاسب الفاسدة لمحاسيبِه وأصهارِه ومنافقيه.

أي تكييف لواقعنا السياسي والإقتصادي والإجتماعي الأردني اليوم يجب أن يكون مُفعّلا بالصدق والموضوعية وعدم المجاملة على حساب الوطن، مؤزراً بالعمل والإنجاز والإرتقاء الحقيقي بالمواطن الأردني وليس الشعارات الرسميّة العبثية. لا سيما وأن المعركة ضد الفساد والفاسدين هي معركة أردنيّة عقائدية بإمتياز ستنتصر فيها قيمنا الأردنيّة العُليا بإرادة الشرفاء من أهل الوطن. وأنه بمفهومنا الأردني الحضاري فإن ‘هيبة الدولة’ وكرامة كل ‘مؤسساتنا السيادية’ ما هي الا بعض من هيبة مواطننا البسيط وكرامته والتي لن ’يتطاول‘ ولن ’يزاود‘ ولن ’يَكبُر‘ عليها أحد.

مستشار قانوني للإدعاء العام البريطاني وزميل أكاديمي أردني سابق في كلية القانون بجامعة هارفارد

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. د.ريماوي هناوبجمعنا ومجموعنا تم. الانقضاض علينا بشقي الفساد الواقعي الذي لة رموزة من مستفيدين ومطبلين منتفعين ومزمرين ماجورين بلا هوادة.. اما الشق الثاني لا ووهو الفساد الانطباعي الذي افقد مواطنينا ثقتهم بدولة بصفتها الاطار المرجعي سياسيا واقتصاديا وناظم لكل تصرفات ونشاطات المجتمع.. هنا نشكر طرحك وحرصك الذي قد يفسر كوننا في وباء المؤامرة نحلل ونقيم ونقراء ما يدور حولنا حتى اصبحنا من حاملي عمى الالوان ومتلازمة الشك

  2. اول خطوه قامت بها الدول من اجل النهوض كانت استئصال الفساد ومثال ذلك تركبا وسنغافورة وماليزيا وباكستان على الطريق وللاستزادة ارجعوا الى كتاب احمد داوود اوغلوا الله يصلح حالتا
    وقبل كل شيي ارجعوا الى استراتيجية عمر بن الخطاب وسوف تفلحوا

  3. كنت أتمنى من الكاتب الذي عالج موضوعا حساسا أن يوضح لنا بلا مجاملة ولا رتوش أسباب تفشي الفساد وتراجع هيبة الدولة في السنوات الاخيرة. وكذلك من يدير الاردن: الديوان الملكي أم الحكومة أم المخابرات أم السفارات الغربية؟ ولماذا لا تظهر شطارة الحكومة في مكافحة الفساد الا على أشخاص محددين؟ ماذا لو كان عوني مطيع من بدور الشمال أو الوسط؟؟؟ هل سيجرؤ أحد على إعتقاله؟
    أين ذهبت قضية فساد الفوسفات؟ وقضايا سرقة المياة والكهرباء؟
    ماذا عن التعينات الحكومية وعن توزيع مقاعد الجامعات؟؟
    الاردن بحاجة الى حوار مع الشباب بعيدا عن المجاملات والامجاد الأثرية

  4. رد على السيد فؤاد العمري

    الدكتور الريماوي قامة دولية معترف بها من جامعات هارفارد وكامبردج ورئيس مؤامرات دولية ضد الفساد وجهوده مقدرة من جلالة سيدنا في الدفاع الدولي عن الاردن والرجل بطالب بشكل حضاري ان تكون هيبةالاردن من هيبة مواطنيه وانت حضرتك مش عاجبك؟ بس بدي اعرف قديش واحد مثل دكتورنا الفاصل ووضعه الدولي مغلب حاله في مطالبته بالافضل للأردنيين؟ يعني مستكثر على شباب الحراك انه يناصر حقوقهم مثل النشمي الدكتور لؤي؟ والله يا دكتور انك لترفع الرأس وبتشرف أهاليها والله يرجعك على البلد ونسوفك في موقع متقدم تستاهله مع اني متاكد انك متعفف لانه يقرأ المكتوب من عنوانه!!

  5. استهوتني طريقتك الأكاديمية في معالجة موضوع الفساد وأضفاؤها على روح المقال.
    د. م الريماوي

  6. مقالك اي هالوطني الأردني الصادق يبعث الامل انه هناك ناس محروقين على مصلحة البلد زينا هون واكثر وجادين كثير في محاربة الفساد وبهظا المستوى الدولي. وان شاءالله البلد بعمروها امثالكم دكتور لؤي و تكونوا كلكم سند لسيدنا ابو حسين بدل ما الأردن ضايعة بيد الفاسدين والسماسرة. والله يبارك في دفاعك عن الكفاءات الأردنية المسحوقة على يد كل هالفاسدين والزناديق الي لا هم لهم لا على مواطن ولا على بلد.

  7. ابدا عزيزي الكاتب ليس هناك اي تطاول على هيبة او كرامة الاردنيين بل العكس ان نفر من المواطنين تحت يافطة وشعارات ما يسمى الحراك هم من يتطاول على القيم الاردنية الاصيلة تنفيذا لرغبات مشبوهة تمول هذا الحراك

  8. بنتابع مقالاتك د. لؤي الريماوي بشغف لما فيها من وطنية ودقة تحليل. كذلك يبهرني انك من القلة القليلة اليوم من الاردنيين القادرين على توصيل كلمتهم إلى أعلى المستويات الدولية بمثل هذا الحضور الأكاديمي المتميز والذي هو مفخرة للأردن.

  9. بارك الله فيك دكتور لؤي على هذا الرأي المتميز والمتخصص لما فيه من مصلحة الوطن. وهنيئا لك بتقدير جلالة الملك على جهودكم الدولية ووقوفكم مع الأردن ومواطنيه. فالوطن لن يعلو الا بامثالكم ممن تقفون اليوم بكل حزم ضد الفساد بكل انتماء وعطاء للأردن حتى عندما تكونوا في بريطانيا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here