الأردن.. إحباط جمعي.. والهدوء يسبق العاصفة!

إيهاب سلامة

حالة مقلقة من الاحباط الجمعي التي يمكن رصدها بسهولة على مواقع التواصل الإجتماعي، تؤشر إلى وصول الأردنيين لمرحلة متقدمة من متلازمة اليأس، ودخول صبرهم وتحملهم، غرفة العناية المركزة، وبلوغ آمالهم نقطة اللآعودة، في ظاهرة خطيرة تفرض على عقل الدولة قراءتها بحكمة وتبصر، واستدراك نتائجها ومآلاتها، وعدم التعاطي معها بعقلية العنجهية واللامبالاة، أو الركون إلى حبوب مطمئنات الموروثات الوطنية العتيقة التي ما عادت أحوال الناس، بظروفهم ونفورهم، قادرة على بلعها ولا استساغتها.

ورغم أن حراكات الشارع تمر مرحلياً بمرحلة من الكمون، والسكون، بعد مباغتتها بحالة الاحباط هي الأخرى، سببتها قناعات بأن أساليب الضغط التقليدية التي انتهجتها، لم تثمر، ولم تعد مجدية. فانطوت، وانحنت، واستكانت، متأملة تبلور وسائل ضغط أنجع، تتيح لها فرض حضورها وتأثيرها وهيبتها.

مراكز ضبط ايقاع الشارع، تشعر هذه الفترة بأريحية غير مسبوقة، منذ مرحلة الربيع العربي وإرهاصاته الداخلية، بعد نجاحها باحتواء العديد من نقاط التماس الساخنة، وتطويعها حركة الشارع، بما يتماشى مع شاخصاتها المرورية، الممنوعة والتحذيرية، وتمكنها من اجتياز طرق مرصوفة بالمحاذير والمخاطر، دون حوادث أو خسائر.

الطريق المؤدي إلى المحطة السياسية القادمة، محفوف بالمخاطر، وثمة مطبات مفصلية جلية الوضوح والمعالم، وتعرجات اختبارات وتحديات بالغة الصعوبة والتعقيد، تنتظر الدولة بمواطنيها، تقف على رأسها، تجليات صفقة القرن الصهيوامريكية، ومدى تأثير أمواجها العاتية، على سفينة الدولة الأردنية، المحملة أساساً، بارث من الأعباء الإقتصادية والسياسية المتفاقمة التي كانت سبباً رئيسياً في تشكيل حالة الإحباط الشعبي، واستعصاء حلولها على الحكومات المتعاقبة، اضافة لمطب أمني واجتماعي يلوح في أفق قريب، ينقشع حال تطبيق قرار جمع السلاح المخالف من أيدي المواطنين، ليشكل اختباراً  جدياً إضافياً، قد يفتح صندوق الإحتكاك، ويدشن خطوط تماس، ربما تأخذ منحى لا يبتغيه حريص أو عاقل.

المكاشفة الحكومية الأخيرة على لسان ثلاثة من أهم فريق حكومة الرزاز، المعشر وغنيمات وكناكرية، وبتصريحات متقاربة منفصلة، اقروا فيها بفشل العديد من سياسات وقرارات حكومتهم الإقتصادية، رسّخت في أذهان المواطنين مزيداً من الشعور بالإحباط، وعززت قناعاتهم بفقدان بوصلة الأمل، وربما كانت نتائج دراسة محلية خطيرة،  افادت بأن قرابة نصف الأردنيين يرغبون بالهجرة خارج بلدهم، خير مثال ودليل على حالة السوداوية والإحباط التي تعصف بالشارع.

والسؤال الذي لا بد من وضعه أمام مراكز القرار : كيف يمكن بناء دولة، يفكر أهلها بالهجرة منها؟

وما مدى تأثير أحوالهم النفسية المتردية، وعدم شعورهم بالارتباط بوطنهم، على أدائهم وسلوكياتهم، وحتى على “انتماءات” بعضهم؟ وما الذي أوصلهم إلى هذه الحالة البائسة؟

أدوات الضغط التقليدية على الحكومة، فشلت،  والساحة باتت شبه خالية من القوى السياسية الفاعلة، حتى جماعة الاخوان المسلمين، وذراعها الحزبي، جبهة العمل الاسلامي، سبقت هي الأخرى حراكات الشارع بمرحلة الإحباط، والكمون، والخمول، جراء معادلات سياسية خارجية تتعلق بالتتظيم الأم، الذي يعيش مرحلة صراع وجودي، وكذا؛ حسابات داخلية صرفة، كبحت جماح نشاطها، ولجمت حركتها عنوة، فاكتفت بالتحرك داخل مربع البرلمان الضيق، بنواب كتلة الإصلاح، لضمان بقاءهم في “المنطقة الآمنة”،  منتظرين متغيرات خارجية وداخلية، ربما تطرأ بغتة، وتعيد خلط أوراق اللعبة، ليتمكنوا من تنفس الصعداء، واعادة رص صفوفهم وتموضعهم.

حالة الاحباط والكمون، تتعدى الإسلاميين والأحزاب والحراكات والنقابات، وجميع قوى المؤسسات المجتمعية المدنية، لتعم السواد الأعظم من الاردنيين، بشكل لا يمكن استقراء مآلاتها بدقة، ولا التنبؤ بطور تشكلها القادم.. فمسار إرهاصاتها محكوم بعدد من العوامل، أهمها، مدى الإنجازات التي يمكن للحكومة الحالية والتي تليها، تحقيقها على الأرض، وتلمس نتائجها على حيوات المواطنين المحتقنين، إقتصادياً ومعيشياً بالدرجة الأولى.. أو العكس تماماً، بتسجيل مزيد من الإخفاقات الحكومية، عبر سياسات وقرارات ضاغطة، تعيد إشعال فتيل الشارع المتحفز المحبط، فجأة، ودون سابق إنذار، وتفتح أبواب الإحتمالات على مصراعيها!

إخفاق الحكومة في إدارة شؤون الدولة والناس، سياسياً واقتصادياً واحتماعياً، ينقل عبء فشلها تلقائياً على ظهر المؤسسة الأمنية، لترقيع الخلل، واحتواء الفشل، وتدارك الهزات الإرتدادية.

المهمة الأمنية، عادة ما تكون أصعب، وأكثر تعقيداً، كلما كانت تواجه جماهيراً مؤطرة، تجمعها قواسم فكرية وسياسية مشتركة، تأتمر لتسلسل تنظيمي وقيادي، وتمتلك القدرة على التحشيد، والضغط، وطول النفس.

الحراكات الشعبية التي ولدت من رحم المعاناة بعمليات قيصرية، ودفعها أكثر ما دفعها للتشكل العشوائي، والخروج الى الشارع، مسلسل طويل من فشل الحكومات، وإخفاقات البرلمانات، لاساءات استخدام البعض للسلطة، للفساد والفقر والجوع والبطالة، الخ.. تختلف تركيبتها تماماً عن الأطر السياسية المنظمة، وهو أمر يطمئن مراقب الدولة، ويخيفه في آن واحد!

وأكثر ما “كان” يخيف مؤسسات الدولة العميقة من الحراكات الشعبية، حركتها اللامتوقعة.. فهي بلا رأس، ولا مرجعيات مؤسساتية، ولا لوائح تنظيمية، وغير خاضعة لقانون ضابط، يلزمها، ويحدد مساحة حركتها وفاعليتها، حال العمل الحزبي الحقيقي – الذي تفتقده احزابنا الا من رحم ربي -، لكن هذا الخوف، سرعان ما تبدد، بعد أن طال أمد عزف الحراكات الشعبية على وتر واحد، واتخذ طابع الروتين والرتابة، فكان من الطبيعي أن يبلغ الإحباط منها مبلغه، بعد عجزها واخفاقها عن تحصيل نتائج ملموسة!

حالة الهدوء النسبي التي تخيم على الشارع، تبدو مخيفة أكثر مما هي مطمئنة!، فهي ليست نتاج رضى شعبي بانجازات حكومية ملموسة هدّأت قليلاً من روع الناس وسخطهم، ولا جراء سياسات قمع وبطش، أو عصاً أمنية الجمتهم، بل هي أقرب إلى مرحلة انتقال، من طور إلى طور اخر، ربما تنجب معها، جنيناً هجيناً على الشارع الأردني، لا يعرف احد بعد، اسمه أو شكله ولا صفاته!

قديما قيل، إن اسوأ الأعاصير، يسبقها الهدوء..

وقديماً قيل أيضاً: الحكمة ضالة المؤمن!

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله للاسف بريطانيا اسؤ من الولايات المتحدة الأمريكية فهي التي حاربت الاسلام وأنشأت إسرائيل وتركت كل بلدخرجت منه مشكله تستنزفه الاكراد مشكله لكل من تركيا والعراق وإيران وسوريا ومشكلة العراق والكويت ومشكلة جنوبي السودان ومشكلة كشمير وتقسيم المسلمين في شبه الجزيره الهنديه باكستان وبنغلادي والهند ودمرتنا اقتصاديا كل اموالنا مودعه فيها اوبنوك امريكا وزعامات تابعه لها

  2. يا حبيب قلبي نصبر على الجوع والحمدالله بنروح بنلاقي اهالينا نايمين وبإمان✋

  3. .
    الفاضل ابن السبيل ،
    .
    — سيدي، سؤالك يتطلب فعلا الاجابه بصراحه غير معتاده ، مرحله الاردن المستقر انتهت بالنسبه لمالكي مشروع اسرائيل الغربيين وهم في هذه المرحله امريكا وحدها بعدما اخرجت بريطانيا من اسرائيل بحرب ١٩٧٣ باسقاط حكومه حزب العمل حاملي المظله البريطانيه وتتويج الليكود التابع لها منذ ذاك الوقت وكيلا حصريا لامريكا لاداره مشروع اسرائيل .
    .
    — اما الاردن فانه كان ايضا حاملا للمظله الدوليه البريطانيه حتى مرحله مرض الحسين طيب الله ثراه حيث تعاونت الملكه نور مع الجنرال سميح البطيخي وَعَبَد الكريم الكباريتي ومروان المعشر على ابعاد الامير الحسن عن ولايه العهد ونقل الاردن لحمل المظله الامريكيه ووجد الملك عبد الله نفسه امام الاستحقاق الجديد .
    .
    — المفروض منطقيا بالحاله هذه ان تكون الاردن وإسرائيل بحاله انسجام تام لو كان النظامان يحملان المظله البريطانيه لكن الامر مختلف بين الانظمه المتحالفه او التابعه لامريكا لانها تؤمن بإنهاك حلفائها بالتنافس لارضاء ها كما ان الملك عبد الله صدم الامريكيين بموقفه المتصلب جدا من القدس والاقصى مستندا بقوه للوصايه الهاشميه التي وفرتها اتفاقيه وادي عربه المكفوله بمصادقه الكنيست ولا تستطيع اسرائيل الليكود التملص منها .
    .
    — ياتي هنا عنصر يهمله الكثيرون رغم أهميته الكبرى وهو الجانب الديني الامريكي الذي اصبح العنصر الاهم في نشاط اسرائيل بعد ١٩٧٣، انه السلفيه الافنجليه البروتستنتيه الامريكيه التي تؤمن بضروره الإسراع ببناء الهيكل الثالث مكان الاقصى ليعود السيد المسيح ويقود معركه ارماغيدون ضد اعداء الله وهم ( المسلمون واليهود والمسيحيون الخارجون عن معتقدات الافنجليه ) وحسب معتقداتهم فان بعض اليهود فقط هم من سينجون لانهم سيؤمنون بالمسيح.
    .
    — من هنا اسرع ترامب بنقل السفاره ارضاء للافنجلييه مع ان الاسرائليين من غير فريق نتانياهو اعتبروا ذلك توريطا لهم في هذه المرحله ويصب في مصلحه الشعور السلبي ونمو مقاومه جديده ذكيه بالمنطقه ضد اسرائيل ترعاها ايران ، بل حتى منطمه الايباك الصهيونيه فقدت اربعون بالمايه من أصوات اليهود الامريكيين لان كثيرا من يهود العالم لا يعجبهم توريط اسرائيل بصراعات المتطقه بدل السعي لإيجاد ارضيه تصالحيه لها مع دول الإقليم .
    .
    — لذلك اصبح من مصلحه مالكوا المشروع الاسراييلي الامريكيين اسقاط النظام بالاردن وسياده الفوضى المسلحه. لعده اسباب اولها الغاء اتفاقيه وادي عربه بواسطه الانقلابيين الذين سيكونون وطنيين مبرمجين لخدمتها مثل القذافي وشافيز ، وثانيها احتلال منطقه الاغوار حتى جبال السلط وضمها لاحقا للكيان لزياده الامن الجغرافي وستكون الذريعه إطلاق قذائف على اسرائيل تتم بسبب الفوضى التي ستقوم بالاردن ان نجح انقلاب عسكري لا قدر الله ، وثالثها كشف الجنوب السوري لاضعاف اي نظام في سوريا ورابعها تسليم الاقصى للسعوديه اداره باتفاق مع اسرائيل حيث يتخلص ال سعود من الشرعيه الهاشميه في كافه الأماكن المقدسه بالحجاز والقدس ويكون الاتفاق السعودي الاسرايلي بشروط تتيح اعاده بناء الهيكل تحت ذرائع مختلفه ، انا الخامس فهو تفريغ فلسطينيي الضفه لاحقا بما تبقى من الاردن وخلق حاله صدام وتوتر دائم بين الفلسطينيين المهجرين من بلدهم والاردنيين من جهه ومن جهه اخرى بين الفلسطينيين المهجرين للاردن والكيان الاسراييلي اليهودي الذي احتل ارضهم لان المطلوب هو ( اداره الصراع ) وليس حل الصراع بالمتطقه كما قالت حنان عشراوي قبل عشرون عاما . فالهدف هو تسخير العرب واليهود بصراع لا ينتهي خدمه للمصالح الغربيه .
    ،
    — لنذكر الفارق الهام بين المدرسين السياسيتين الانكليزيه التي تؤمن ب( الفتنه النائمه ) التي توقذها متى شاءت والمدرسه الامريكيه التي تؤمن ب( الفتنه الدائمه )
    .
    — هذا هو المخطط ولا يعني انه سينجح ويلاحظ توجه اردني لاعاده الربط مع المظله البريطانيه ويلاحظ ايصا ان الكباريتي والمعشر غيرا من البوصله وأدركا ان حمل المظله الدوليه الامريكيه منهك كثيرا ووجودهما خارج اي دور سياسي لا يعني ان المزاج العام لا يتطلب تمتين العلاقات مع حمله المظله الدوليه البريطانيه في المنطقه مثل قطر والكويت وعمان والإمارات وايران والى حد ما العراق وسوريا واليمن الجنوبي واليمن الشمالي على الطريق .
    .
    بالنهايه اعتذر للاطاله واشكر الاستاذ إيهاب سلامه على اثاره هذا الشان الهام .
    .
    لكم اخي آبن السبيل الاحترام والتقدير .
    .
    .

  4. ايها الافضل الصبر على الفساد و الاستبداد أم الفوضى الخلاقة ،، هل هم خيار ثالث عملي و مفيد و مقنع

  5. يا جماعة يا جماعة، الوضع اصعب من ان تعبر عنه النفوس والأقلام،
    الاردنيون مكبوتون وكل واحد بتفشش بعيلته،
    وما زال هنالك نطاق ضيق وضعيف ما للتنفيس،
    لكن الى متى هذا التغابن من السلطات الحاكمة!!؟؟؟
    الانهيار الداخلي حاصل ولكن مغطى برتوش،
    ترسمها الى الان العصا الغليظة، وصبر المواطنين،
    لكن ان انفلت الصبر لا العصا ولا غيرها رح يقدر ينجي البلد من الغرقان،
    نعم الوضع متأزم قابل للانهيار وليس للثورة فالناس سأمت الثورات نعم، والرد القادم لا يعلم به الا الله.

  6. عندما تختلط بالتجارة بالامارة والوزارة بالدعارة وأشياء اكثر قذارة تضعف هيبة الدولة وينتشر الفساد والإستبداد ويفقد الناس الثقة بالدولة ومؤسساتنا

  7. السيد Almugtareb
    مجرد سوءال يبدو بسيط.ولكنه معقد جدا،
    هل تستطيع كل الدول الإقليمية والغرب تحمل تبعات الاْردن دولة فاشلة؟
    ام المقصود تغير في القيادة الاردنية العليا لغاية سياسية في نفس يعقوب؟
    وهل تقبل المملكة المتحدة هكذا سياسات بحق النظام في الاْردن؟
    علما ان المملكة المتحدة لها تاءثير عميق على سياسات الولايات المتحدة فيما يخص المنطقة العربية!
    وشكرا سيدي.

  8. .
    — مقال يصف بدقه الحاله التي يعيشها الجميع والتي تثبت ان الشعب بفطرته السياسيه النبيهه يلجم نفسه عن التحرك خشيه ان تستغل جهات مغرضه تحركه كما راينا في دول عده عربيه وغير عربيه هدمها اَهلها فوق رؤوسهم .
    .
    — اهم واخطر امر فقدته القياده بسوء او ضعف او فساد اداراتها هو خساره استعداد الشعب للدفاع عنها وهو ما كان سر قوه الملك الحسين ، والخوف هو ان تكون الجهه الخارجيه التي أوصلت الشعب لحاله الإنهاك والترنح واللامبالاة تعد لانقلاب عسكري ظاهره حرص وباطنه تآمر على الاردن واهله وعلى القضيه الفلسطينيه .
    .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here